
مراجعة كتب > آذار/مارس > 2007آلان غاريغومشاركة شعبية أو تمويهٌ مُحافظ
يثابر بيار روزانفالون بثبات على فلاحة ثلمه الديموقراطي. هذه المرة، يتعلّق الموضوع بالـ"ديموقراطية المضادة" [1]. وفي سياق جمهورية الأفكار التي غطّى الإعلام اجتماعاتها بشكلٍ واسعٍ في ربيع 2006 [2]، ها هو منظّمها يستعيد توقّعاته السوداء حول الانحراف الذي ينقلنا من ديموقراطية المشروع إلى ديموقراطية النبذ (ص 22) أو من ديموقراطية المجابهة إلى ديموقراطية البتر (ص 23). فالديموقراطية تفقد صوابها: ديموقرطيات مباشرة وتمثيلية، لكن أيضاً ديموقراطيات التعبير والالتزام والتدخّل (ص 26) والعقوبة (ص 175)، السلبية (ص 184) أو المباشرة السلبية (ص 187) أو أيضاً المدنية أو الوظيفية (ص. 259)... يضيع المرء فيها بعض الشيء. فمفهوم الديموقراطية المضادة غامضٌ كثيراً بدوره، حيث يشير أولاً إلى نظامٍ من السلطات المضادة وفق المبدأ الليبرالي، "الرقابة والتوازن" Checks and balances. هذا المبدأ الضروري شارف الإفراط حيث يُفضي إلى قدرةٍ مطلقةٍ على التعطيل. ألا تميّز الريبة مجتمعاتنا وتدكّ أسس الديموقراطية؟ وكأنّ العمل السياسي بات مستحيلاً ويجب إعادة ترميم شروطه. هكذا تقع ديموقرطية بيار روزانفالون المضادة ضمن التيار الايديولوجي الذي سُمّي تارةً يسار الوسط أو اليسار الليبرالي، أو أيضاً اليسار الثاني المحبط من خيباته إزاء شعبٍ متمردٍ في الواقع؛ كما برهن على ذلك منذ رفضه برنامج جوبّيه عام 1995 والمعاهدة الأوروبيّة عام 2005، مروراً بأشكال مقاومةٍ أخرى، "رجعية" بالضرورة، في وجه "الإصلاح". بإصرارٍ ودعمٍ قويّ، يعاود بيار روزنفالون الكرة للإقناع بضرورتها البكر. وبشيءٍ من النجاح، يحتلّ المركز المحترم للمفكّر الأول في المشروع السياسي الفكري الذي ادّعت سيغولين رويال الانتماء إليه لحظةً من الزمن. بحثه لا يسعى أبداً إلى استكشاف المنابع الاجتماعية والسياسية للريبة كانخفاض فروقات التعليم وازدياد فروقات الثروة أو تمركز السلطة. كما أنّه ليس المقصود البتّ في شرعيتها لجهة الفظاظة في الوقائع والخداع وانعدام المسؤولية. فبيار روزانفالون يهتمّ للأفكار أكثر منه للتحوّلات المادية والسلوكيات الحقيقية، وذلك في حرصه على التطوّرات على المدى البعيد. إنّها مقاربة غير صائبة تماماً؛ إلاّ اللّهم لإبقاء المؤلّف في عليائه. فالمزايدة بالمعارف لا تخفي الطابع السجالي. ولا مجال للخداع: فإذا كان بيار روزنفالون لا يتّهم ولا يبرهن عن عدائيّةٍ، فأخصامه يُحكمون بصمت المقابر الإعلاميّة. فالخلاف الفكري يستدعي مبادئ أخرى غير التهذيب أو قدرة الرقابة. فكيف لا نشعر بالتهديد إزاء انتقادٍ متكررٍ للشعبوية واسعٍ وغامضٍ إلى درجة اليأس؟ فالشعبوية غير المحدّدة وغير المعبّر عنها في تجلّياتها، تُصبح العدوّ الاستيهاميّ المُشار إليه بقدرتها على الإيذاء ومناهضتها الديموقراطية، كما يدلّ على ذلك عنوان "الديموقراطية المضادة" نفسه، كما أنّها غير مهذّبة كما توحي بذلك صفة "غير سياسيّة". نعرف أن بعض المعلّقين المقتنعين سلفاً سيعربون عن تأثّرهم دون أن يدركوا أن روزانفالون يستعيد طروحات اللجنة الثلاثية الأطراف والتي ساهم في محتواها ميشال كروزيه وصموئيل هانتنغتون وجوجي واتانوكي في كتاب "أزمة الديموقراطية" الصادر عام 1975. لكنه يُدخل تعديلاً على هذه المقاربة المتقادمة بعض الشيء: فالريبة ليست في مدخل النظام، كصدمةٍ عصبية تؤثّر على الطلب الوارد على النظام، بل عند الخروج منه، كعائقٍ أمام العرض السياسي. فاقد الذاكرة وحده يندهش من هذا التجديد المتواضع، أما الوحي المحافظ التحديثي فلا يتغيّر. ويستعيد هذا الوحي بعض المرشّحين للرئاسة الأولى الفرنسية من المعجبين بالطريق البريطانية "الثالثة". لكن منظّري البليريّة" (نسبةً إلى طوني بلير) كانوا من حجمٍ أكبر في نقاش الأفكار. فأطروحة جيروم تورنادر بلانك [3] هي ذات وزنٍ لن تصل إليه التحاليل السطحية المتكاثرة في فرنسا، وتؤكّد على الكثافة الفكرية للنقاش في المملكة المتحدة.
* استاذ العلوم السياسية في جامعة باريس العاشرة (نانتير)، ومؤلف كتاب Histoire sociale du suffrage universel en France, Paris, Seuil, 2002.
Les élites contre la République : Sciences Po et l’ENA, La Découverte, Paris, 2001.
[1] Pierre Rosanvallon, La contre-démocratie. La politique à l’âge de la défiance, Paris, Seuil, 2006, 346 pages, 21 euros. [2] http://www.monde-diplomatique.fr/carnet/2006-05-17-Rosanvallon [3] Jérôme Tournadre-Planck, Au-delà de la gauche et de la droite, une troisième voie britannique ?, Dalloz, Paris, 2006, 273 pages, 40 euros.
|