جغرافيا سياسيّة > نيسان/إبريل > 2007

ميكاييل لووي

هنري فورد، مُلهمٌ لأدولف هتلر

مع ظهور كتاب "اليهودي الدولي" لهنري فورد [1]، لم يعُد الحديث بتاتاً يدور عن المعاداة لليهودية بالمعنى التقليدي ذي المرجعية الدينية للكلمة، لكنْ عن شيءٍ آخر يختلف اختلافاً جذرياً. فهذا المؤلَّف ذو الأجزاء الأربعة يجمع مقالات نشرها هذا الصناعيّ في مجلته The Dearborn Independent. وتلخص عبارةٌ في نصٍ يهديه الكاتب إلى "ردّ فعل ألمانيا الخلاصيّ على اليهود" هذه الروح الجديدة، التي تريد لنفسها أن تكون علميةً، والتي تستخدم لغةً مشحونةً بتعابيرٍ مجازية طبية: فالأمر يتعلّق بـ"طهارةٍ سياسيةٍ"، لأن "المصدر الأساسي للمرض الذي ألمَّ بالجسد الوطني الألماني (...) هو تأثير اليهود [2]".

وفي مقاطعٍ عديدةٍ أخرى من الكتاب، يجري تصوير اليهود كـ "بذورٍ ضارّة" يجب العمل على "إزالتها ورميها بعيداً" [3]. وكما نعلم، فقد استعاد أدولف هتلر ومعاونيه هذه المصطلحات التطهيريّة الزائفة، كلمةً بكلمة. فلم يعد اليهوديّ يُعرّف بدينه، لكنْ بـ"عِرْقـ"ـه، وهو "عِرْقٌ قد تمكّن بمثابرته من قهر جميع المحاولات التي رمت إلى القضاء عليه [4]". صحيحٌ أن فورد لا يطالب بإعادة إطلاق تلك المحاولات، لكنّ الصياغة تبقى مثيرةً للعجب... ففي الجانب المقابل نجد "العرق" "الأنكلوساكسونيّ"، "الآري"، "الأوروبي الأبيض"، أو "الأنكلوساكسوني السلتي"، الذي تجري الحضارة في عروقه، والذي عبر المحيط (الأطلسي) لبناء أميركا: هذا هو "الشعب المهيمِن، الذي جري اصطفاؤه عبر القرون ليحكم العالم". يجب إذاً أن نشعل لدي الشباب "كبرياء العِرْق" هذه [5].

يستلهم فورد من "بروتوكولات حكماء صهيون" – إذ هو كتابٌ "صحيحٌ بصورةٍ مرعبةٍ، إلى درجةٍ لا يمكن معها أن يكون خيالاً؛ وعميقٌ في معرفته بتصاريف الحياة السرية، إلى درجةٍ لا يمكن معها أن يكون زائفاً" -، وينهل منه ويعقّب عليه بغزارة، وكأنّه البرهان الأسمى، غير القابل للدحض، على المؤامرة اليهودية الرامية إلى اقتناص السلطة على الصعيد العالمي. غير أن الصناعيّ لا يكتفي بنقل ما في الكتاب، بل يأخذ على عاتقه تحديث ما فيه من حجج، ثم تحليل الأحداث المعاصرة على ضوء ذلك، وبوجهٍ خاص الثورات في أوروبا. ويجري كثيراً ذكر ألمانيا - فهل هذا بتأثير سكرتيره إرنست سيبولد؟ -، التي يصفها بأنها واقعةٌ تحت تأثير عصبةٍ يهوديّةٍ، رغم أنه "لا يوجد في العالم أكثر وضوحاً من التضاد بين العرق الجرماني الصافي والعرق السامي الصافي [6]".

وهكذا، فالثورة البلشفية لا تبدو إلا "غطاءً خارجياً لحركةٍ انقلابيةٍ جرى التخطيط لها طويلاً لفرض سيطرةٍ عرقيّة". أما السوفييت، فليسوا إلا قِناعاً تختفي وراءه مؤسّسة يهوديّة من نمط الـ "كاحيل" (المجتمع اليهودي المُدار ذاتياً)؛ وجميع القادة "الحمر" – بدءاً، بالطبع، من ليون تروتسكي ("براونشتاين"، كذا)، هم من اليهود. صحيحٌ، حسبما يقول فورد، أنّ الشيوعيين يدّعون أن لينين ليس يهودياً، لكنّ أبناءه في الواقع يتكلّمون لغة اليديش، وهو قد شرّع الاستعاضة "عن الأحد المسيحي بالشبات (السبت) اليهوديّ". لكن روسيا الحقيقية ستصحو، كما يقول الصناعيّ، عاجلاً أم آجلاً، وسيكون "انتقامها رهيباً" [7]. أمّا الصورة التي يمكن أن يأخذها هذا الانتقام، فنجدها في رسالةٍ مقتبسٍ منها في الجزء الرابع من الكتاب: "لنتخيّل أن الساميّين في أوروبا قد انتهوا. فهل ستكون هذه مأساةً رهيبة؟ أبداً! (...) فيوماً ما، سيحصدون ما بذروه [8]".

إحدى اللازمات في هذا الكتاب، التي ستتبنّاها النازية بقوّة لاحقاً، هي الاتفاق الخفي بين اليهودية-البلشفية والرأسمالية اليهودية لفرض حكومةٍ يهوديّةٍ عالميّةٍ على الأرض. فمثلاً، يُفتَرَض أن تكون الحكومة السوفييتية قد تلقّت الأموال من رجال الأعمال اليهود في أوربا وأميركا. ويسود هذا النمط من التفكير أيضاً عند الحديث عن الحركات الاجتماعية في البلدان الغربية، بريطانيا العظمى أو أميركا. صحيحٌ أن هذه الحجج لم يخترعها جميعها فورد أو من يدوّنون له، لكنّ كتابه يجمَعُ، في عمليّة تركيبٍ قوية، الخطابات المعادية للساميّة التي كانت تسري، في بداية العشرينيات، في مختلف أرجاء العالم.

ثلاثةٌ من أجزاء الكتاب تتناول مكانة اليهود في الولايات المتحدة. فعلى مدى عشرات الصفحات، "يحلّل" الصناعي دورهم في تنظيم تجارة المشروبات الروحية، والرقيق الأبيض، والترويج لها؛ وكذلك في الفساد المالي والرياضي والسياسي، الخ. وبرأي فورد، فليس لهجرتهم الكثيفة من أوروبا الشرقية إلى أميركا الشمالية أي صلةٍ بالاضطهاد المزعوم الذي تعرّضوا له: فمذابح اليهود ليست سوى دعاية مضلّلة. المسألة، في الواقع، هي قضيّة غزوٍ حقيقيّ: فـ "اليهودي الدولي" يمكنه تحريك مليون نسمة من بولونيا إلى أميركا "كما يحرّك جنرالٌ جيشه [9]". والغريب أن أكثر ما يثير سخط الكاتب معنويّاً – إلى جانب الدور الهدّام للنقابات النيويوركية و(تجمّع) العمّال الدوليين في العالم International Workers of the World، الذين يجري التلاعب بهم - هو "تهويد" المسرح والسينما في أميركا. فاليهود مسؤولون عن إدخال "شبقيّة شرقية" قذرة وبذيئة إلى فنون العرض في الولايات المتحدة، تقطُرُ سُمّاً أخلاقياً بطيئاً [10]".

وإلى اليهود أيضاً يعود اختراع موسيقا الجاز، التي تشوبها، بحسب الكاتب (الذي يبدو أنّه يجهل وجود الموسيقيين السود)، نزعاتٌ شيطانية: فموسيقا الجاز، بسبب حِسّيّتها وغرائزيتها السفيهة، تخلُق "بحيلةٍ إبليسية ماكرة"، "مناخاً منحرفاً" يُفسِدُ الشباب الأميركي. وهكذا فالحسّ السليم يفرض علينا إذاً "إزالة أسباب المرض [11]". وفي هذا الخطاب، الذي يجمع جمعاً وثيقاً الطهوريّة إلى العنصرية، لا يتبدّى من النزعة الدينية البروتستانتية التقليدية إلا الخوف الهَوَسي من كل ما هو "جنسيّ".

يهتم فورد أيضاً بالدور الدولي لرجال المال، وبالجماعة اليهودية في أميركا الشمالية بصفةٍ عامة. أما أغرب تأكيداته فهي أن البلشفية قد خرجت من "الجانب الشرقي"، أيّ الحي اليهودي في نيويورك. ودليله هو أن تروتسكي نفسه قد قطن في نيويورك بضع سنوات؛ فلا بدّ أنّه إذاً من سكان الجانب الشرقي. والواقع أن "جميع قادة الجانب الشرقي كانوا يعلمون أن تروتسكي "سيأخذ مكان القيصر" (...). ليس في ذلك أي مصادفة. فكل شيءٍ كان منظّماً سلفاً، والأشخاص المعنيون أُخِذوا مباشرةً إلى أمكنتهم التي كانت محدّدة لهم". وباختصار، "فالثورة اليهودية-البلشفية جرى التخطيط لها في أميركا"، وجرى تمويل نشاطات تروتسكي بفضل المصرفي اليهوديّ النيويوركيّ ماكس واربورغ [12]...


* مدير أبحاث متقاعد في المركز الوطني للأبحاث العلميّة (CNRS)

[1] The International Jew. The World’s Foremost Problem (« Le Juif international. Le plus grand problème du monde »), CPA Book Publisher, Boring (Oregon). يتكوّن الكتاب الأصلي من أربعة أجزاء مؤلّفة من مقالاتٍ نُشرت بين عامي 1920 و 1922 في مجلة The Dearborn Independent. وقد جرى تأريخ كلّ جزءٍ بالسنة التي نُشِرَ فيها: الأول، 1920؛ الثاني 1921؛ الثالث 1921؛ الرابع 1922. وتوجد نسخة إلكترونية من الكتاب بالإنكليزية على العنوان: www.jrbooksonline.com/Intl_Jew_full_version/ijtoc.htm

[2] الجزء الأول، صفحة 22

[3] الجزء الثالث، صفحة 73 و 163

[4] الجزء الثالث، صفحة 170، والجزء الأول، صفحة 50

[5] الجزء الثالث، صفحة 50

[6] الجزء الأول، صفحة 22

[7] الجزء الأول، صفحة 169 و 178 و 224-225

[8] الجزء الرابع، صفحة 169

[9] الجزء الأول، صفحة 9 و 49.

[10] الجزء الثاني، صفحة 90-95. ولا ينسى الكاتب أن يدين الدور الهدّام "لليهودي شارلي شابلن"، الذي قد يكون اسمه الحقيقي "كابلان Caplan أو Kaplan" (الجزء الرابع، صفحة 115).

[11] الجزء الثالث، صفحة 65-78

[12] الجزء الثالث، صفحة 92 و 231-232 و 235. انظر أيضاً الجزء الثاني، صفحة 140: الكاحيلة Kehillah في نيويورك "قد نظّمت بدقّة في الجانب الشرقي الحكومة التي كانت ستستولي على السلطة في الإمبراطورية الروسية، حتى أنها اختارت من هذا الحي اليهودي من نيويورك، اليهودي الذي سيخلف القيصر".

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان