
الافتتاحية > آيار/مايو > 2007سمير العيطةالإعلام والسياسة والاقتصاد ... والعرب
الصحافة كائنٌ غريبٌ... على الأقل كما أصبحت اليوم مع تعدّد وسائل الاتصالات وتنوّعها. من المنظور الاقتصادي، تتميّز الصحافة الحديثة بأنّ أغلبها ينتج شيئاً ويبيع شيئاً آخر. ما تنتجه صورٌ وصوتٌ وكتابات، حول أخبارٍ وتحقيقات. أمّا ما تبيعه فمعظمه إعلانات، تعتمد على قدرة الوسيلة الصحفية في الوصول إلى أوسع جمهورٍ ممكن، ولكن دون علاقةٍ مباشرة بمضمون الإنتاج. ما له علاقة بالمضمون، هو وسيلة الصحافة الأخرى (وأحياناً الكبرى) للحصول على مردود، وهي تمويل الحكومات أو مجموعات النفوذ. هذا واضحٌ في حالة الصحافة المرئيّة التي تبثّ على الأقمار الصنعيّة؛ لكنه ريما يكون أقل وضوحاً في حالة الصحافة المطبوعة. لكن في الحقيقة، معظم هذه المطبوعات لا يجلب فعلاً مردوداً من البيع في الأكشاك، بل عن طريق الإعلان (أو التمويل الحكومي أو الخاص). من المنظور الاجتماعي والسياسي، يُنظَرُ إلى الصحافة على أنّها السلطةٌ الرابعة، والوحيدة القادرة على ضمان حقّ المواطنين في الحصول على المعلومة (المضمون في شرعة حقوق الإنسان)، والتي يمكن بفضلها الحكم على شفافيّة أعمال السلطات الثلاث الأخرى: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، بل وأيضاً على القطاع الاقتصادي والمالي. هذه مسؤوليةٌ اجتماعية وسياسية، وكذلك مسؤوليّةٌ مهنيّة. والتوفيق (أو التموضع) بين هذين المنظورين للصحافة، الاقتصادي والاجتماعي-السياسي، معادلةٌ ليس لها حلولٌ سهلة. وإنّما يجري في كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ تجاوز الأمر عبر ظهور وسائل اتصالاتٍ حديثة وفتح آفاق جديدة، اقتصادياً واجتماعياً. هكذا أتى المذياع بجديدٍ عندما كسر حواجز التوزيع التي عانت منها الصحافة المكتوبة، وكذا فعل التلفاز، خاصّةً عندما اجتاز البلاد عبر الفضاء. وهذا ما جاءت به الإنترنت في الماضي القريب، خاصّةً وأنّها كسرت حاجز الكلفة المالية للوصول إلى أوسع الجماهير، فأضحى كلٌّ منّا قادراً على الوصول إلى سكّان الأرض كافّة. ويأخذ الأمر بعداً أخطر من ذلك عندما نرى أنّ الصحافة صارت تصنع الرأي العام، وتسوّق الحرب والسلم، وتجمِّل أكثر السياسات سوءاً. مع كلّ هذه الخلفيّات، حضرت في الشهر الماضي منتدى قناة الجزيرة الثالث حول الإعلام والشرق الأوسط، الذي أقيم تحت شعار "ما وراء العناوين". وهنالك وجدت نفسي مناصراً لمواقف قناة الجزيرة حول القضية الفلسطينيّة والاحتلال الأمريكي للعراق وغيرها، ومتضامناً معها في وجه العوائق التي توضع في طريق محطّتها باللغة الإنكليزيّة، التي تسعى لأن تُوَزَّعَ عبر شبكات البث الأمريكيّة لتصِل إلى كل البيوت في الولايات المتحدة؛ كما وجدت نفسي مناصراً لها في وجه التهديدات والملاحقات - والتضحيات - التي يتعرّض لها مراسلوها في بعض الدول، العربيةّ والأجنبيّة على السواء. لكني بقيت متحفظاً وناقداً أمام صمت هذه القناة عن الأمور الاجتماعية والسياسية في قطر وبعض الدول الأخرى المنتقاة (والعدول عن هذا الصمت برأيي شرطٌ أساسي لكي يكون لها مصداقيّة أكبر أمام المواطنين العرب)، وأمام مسايرتها الكبيرة لحركات الإسلام السياسي، وكذلك أمام غَلَبة الطابع الإخباري الدعائي لما تبثّه هذه القناة عن الاقتصاد والأعمال (وكأنّ هذين المجالين بعيدان عن السياسة في المنطقة العربيّة). مع ذلك فقد صنعت هذه القناة نموذجاً دفع بجميع المحطّات الفضائية العربية إلى التسابق والتنافس للحاق به، وهو ما أدى إلى بعضٍ من التعدديّة. كذلك جرى هناك حديثٌ شيّق حول كيفية سيطرة بعض مجموعات الأعمال على الإعلام الغربي على نحوٍ أصبح شديد التركيز، وكيف استُخدم ذلك في توسيع الفجوة بين الحضارات، وكيف تتّجه كثير من الحكومات الأجنبيّة إلى إطلاق قنوات إخباريّة باللغة العربيّة، وما يعنيه ذلك من محاولات لبثّ فكرٍ معيّن. لكن لم يكن هناك حديثٌ حقيقيّ حول طرق تمويل المحطّات العربيّة، ولا تحليلات عن كيفيّة مقارعتها للأحداث حسب موقع جهات التمويل تلك. وفي الحقيقة، أنا أفضّل أن تعلن هذه القناة أو تلك التزامها بخطٍّ معيّن، من أن تدّعي الاستقلاليّة والشفافيّة. ولكن ربّما يكون هذا هو الممكن في زمنٍ تقوم فيه بلدانٌ عربيّة أخرى بترخيص محطّة فضائيّة لنائبٍ في البرلمان، ثم تعود وتغلقها، لأنّها ببساطة لم تُعجب بالطريقة التي ستُعالج فيها الأخبار. ووجدتُ نفسي مع الكثيرين من أهل الصحافة المطبوعة أُدافع عن المدوّنات على الإنترنت في مواجهة أساطين الإذاعة والتلفزة (ومنهم الغربيّون، الذين يُحاجّون بأنّه من الصعب التفريق بين الصالح والطالح على الإنترنت). فمع كل محاذيرها، تبقى الفضاء الذي يتمتّع بأكبر قدرٍ من الحرية، طالما أنّ معظم المواضيع الشائكة لا تجري معالجتها في وسائل الصحافة والاتصالات الأخرى. ثمّ تساءلت، لماذا يأتي معظم المدافعين عن المدوّنات من الصحافة المطبوعة؟ وأفضل جوابٍ وجدته هو في حنين أهل هذه الصحافة، في البلاد العربيّة خاصّةً، إلى زمنٍ كان فيه عدد الصحف المنشورة أكبر بكثير مما هو عليه اليوم. في مصر، في سورية (نعم، كان عدد الصحف في العهد الفيصلي أكبر من عددها في سورية اليوم)، وفي لبنان كذلك. نعم! ففي بلد "حريّة الصحافة" العربيّة العريق، يُمنَع صدور أيّ صحيفة سياسيّة جديدة بقانونٍ صدر في أوائل الخمسينيات؛ والسبيل الوحيد لإصدار صحيفة سياسيّة هو شراء رخصةٍ قديمةٍ لصحيفة توقفت عن الصدور. مناقشة وضعيّة "السلطة الرابعة" في البلدان العربيّة، نسبةً إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع هو موضوعٌ في منتهى الأهميّة. والسبب الرئيس لذلك هو أنّ هذه البلدان تمرّ في مرحلة تحوّل في علاقتها مع الإعلام. وكما شرح الأستاذ في جامعة ستانفورد، لورانس ليسيغ: ما زال هنالك اختلافٌ جوهريّ في طريقة تعاطي المواطنين مع الإعلام، بين الدول الغربيّة والعرب؛ فالغربيّون يصدّقون أغلب ما يقال لهم في وسائل الإعلام، أمّا العرب (وذلك نتيجةً لطول سيطرة حكوماتهم على هذه الوسائل)، فهم في الأساس حذرون من أيّ معلومةٍ تأتيهم منها. وفي هذا التصرّف الأخير أساس الحريّة: حريّة الاختيار. التحوّلات التي تجري في الإعلام العربي ما زالت في بداياتها، ويمكنها، كما في الغرب، أن تتّجه نحو التمركّز بيد مجموعاتٍ معدودة. ولا ينقذها اليوم سوى خلافات الدول العربيّة بعضها مع بعض، وشيءٌ ممّا بقي من حبّ المعارضة والمشاكسة النابعة من الخضوع للكذب المفضوح طيلة سنواتٍ عديدة. هذه التحوّلات ستجري متسارعة، لا لشيء إلاّ للسبب نفسه الذي يدفع الإعلام الأجنبي (والقوّات الأجنبيّة أيضاً) إلى الاهتمام بالعالم العربي. إذ أنّ فيها ما هو أكثر قيمةً من النفط: فيها مواطنون مازالوا مقتنعين بأنّ التاريخ لم ينتهِ، وأنّ هناك مستقبلاً أفضل يجب صنعه. شغفٌ لا تملؤه الصحافة العربيّة اليوم.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
|