
أفكار > آيار/مايو > 2007نقاشاتبرنار كاسنمستقبل أوروبا بمعزلٍ عن التصريحات التوافقيّة أو الخطابيّة "الترتيليّة"، يبدو لافتاً للنظر كيف أن "أوروبا" غائبةٌ تماماً عن جوهر الخطاب السياسي المتداول داخلياً في بعض الدول الأوروبية. ففي فرنسا، التي تعدّ جزئياً شاذةً عن هذه القاعدة، كان من المنتظر أن تأتي حملة الانتخابات الرئاسية والتشريعيّة بشيء استكمالاً للحملة من أجل استفتاء 29 أيار/مايو عام 2005 حول معاهدة الدستور الأوروبي (TCE)، والتي كانت فيها مبادئ الاتحاد الأوروبي موضوع نقاشٍ وطنيّ غنيّ وحماسيّ بصورة غير مسبوقة. لكنّ شيئاً من هذا لم يحدث. والمعلوم أن ثلثَي وحتى ثلاثة أرباع الأحكام القضائية التي تنظّم شؤون المواطنين، في فرنسا كما في الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، باتت لا تخضع لمبادرات من الحكومات أو البرلمانات، بل ترتبط مباشرةً بالقانون الاتحاديّ الذي يتقرّر في الحقيقة على المستوى الحكومي المشترك بدون أيّ رقابةٍ من النوّاب ولا حتّى من الناخبين. وهذا يعني أنّه لن يكون بإمكان رؤساء الجمهورية أو الحكومة القادمين في فرنسا أن يطرحوا للمداولة على ممثلي الشعب المحلّيين إلا ثلث أو ربع الإجراءات القضائية المطبّقة في البلاد. لكن مَنْ مِن بين مرشحي أحزاب الحكومة، يملك الشجاعة، والنزاهة السياسية، ليقرّ بذلك؟ وتحضر هنا الصورة المجازيّة للفيل في صالون المنزل (التي يدّعي ابتداعها العديد من الكتّاب الأنكلوساكسونيين): فالحيوان الضخم ماثلٌ ها هنا، وهو يشغل الحيّز الأكبر من الغرفة، لكن الكلّ يتظاهر بأنّه لا يراه، لأن هذا يستدعي عندها التساؤل حول حجمه ونواياه - إذ سبق أن حطّم الكثير من الزجاج - وحتى حول وجوده. هذا التعامي الساذج في انتهازيّته لا يخدم بتاتاً البناء الأوروبي الذي يُفتَرَض به، لكي "يغري الشعوب" (والتعبير لديغول)، أن يكفّ عن التصرّف وكأنّه حصان طروادة للعولمة الليبرالية. فليس من الممكن إثارة حماس أوروبا بواسطة التغنّي بفضائل "المنافسة الحرّة غير المغلوطة"، أو جعل حرية تنقّل الرساميل والملكيات والخدمات من "الحرّيات الأساسية"، في حين تستثير انعكاسات ذلك (إغراق السوق اجتماعياً ومالياً وبيئياً، وترحيل مراكز العمل، وتعميم مبدأ العمل المؤقت) رفضاً متنامياً. كما إنّ شريحة كبيرة من الرأي العام تعيد النظر جذرياً في مبادئ أوروبا الموحّدة القائمة فعلاً، متمنّيةً في أعماقها، ولو تسبّب الأمر بأزمة، قيام "أوروبا مختلفة"، قد تتغيّر حدودها، لكن قاسمها المشترك هو رفض النيوليبرالية. وفي الطرف الآخر من التشكيلة السياسية، وخاصةً في بريطانيا وهولندا وبولونيا وفرنسا، مع السيدين جان ماري لوبان وفيليب دو فيلييه، يجري التعبير عن عدائيّة شديدة في إطار حركاتٍ يمينيةٍ متطرّفة لا تجد من يحلّل دوافعها ويعالج أسبابها، بل يجرِ الاكتفاء بوصفها دون أي جهد بالـ"شعبويّة". وما له دلالته، حتى خارج إطار هذا التحرّك، هو أن مسألة طرح الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن اليورو لم تعُد، ومع أنّها ما زالت هامشيّة، أمراً محرّماً كلّياً. هذا الأمر جعل الأحزاب والحركات التي هي أكثر عراقةً في فرنسا، والتي التزمت الدفاع عن البنيان الأوروبي وشرح حسناته، تعتبره الآن مشكلةً أكثر منه حلاً. وهي وإن كانت تحاول إنقاذ معاهدة الدستور، فهي لا تضفي عليها البركة سلفاً، بعد أن بات صعباً "تسويقها" في أوساط الرأي العام؛ وهو ما لم يصل إليه الوضع بعد في معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث لم تطرح المسألة في "حلقة منطق" أصحاب القرار. لكن الأرجح أنّها جولة مؤجّلة. وفي صفوف الذين لم يشكّكوا حتى الآن في إطار المعاهدة الحالية، بات أكثر المراقبين رؤيةً يعون أنه ليست بعض التدابير المؤسساتية البسيطة هي التي ستنعش البنيان الأوروبي. فإعادة إطلاقها المحتملة تتطلّب حُكماً شرحاً للمشروع الذي تحمِلُه وللطابع الديمقراطي في طريقة عملها ولحدود امتدادها الجغرافي.
|