
مراجعة كتب > آيار/مايو > 2007مارينا دا سيلفاجحيمٌ يوميّ
في التاسع من تموز/يوليو 2004، أدانت محكمة العدل الدولية في لاهاي ما تقوم به إسرائيل من تشييدٍ للجدار في الضفة الغربية، مع التشديد على ضرورة تفكيكه والتعويض على الفلسطينيين المتضررين من جراء بنائه. كما أكّدت المحكمة على وجوب اتخاذ الدول إجراءات فعّالة تفرض على إسرائيل احترام العدالة الدولية. وقد قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالموافقة على هذا القرار في 20 تموز/يوليو 2004؛ لكنّه بقي دون أثر. فالجدار المُفترض أن يمتدّ على طول 670 كلم - أي ضعف طول الخطّ الأخضر لوقف إطلاق النار عام 1967 والذي لا يحترم مساره على كل حال - وأن يسمح لإسرائيل بالسيطرة على نصف أراضي الضفة الغربية، بما فيها وادي الأردن، قد شُيّد حمايةً للمستوطنات، وهو يعدّ جزءاً لا يتجزأ من مشروع الاستيطان. فعن طريق عزله الكامل للقدس الشرقية وتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام (الشمال حتى جنوب نابلس، ومنطقة القدس، وجنوب الضفّة)، يجعل من المستحيل قيام دولةٍ فلسطينية مستقلّة وقابلة للحياة، لا بل سيحوّل حياة الفلسطينيين إلى مزيدٍ من الجحيم بعد فصلهم عن عائلاتهم ومراكز عملهم وحقولهم ومستشفياتهم ومدارسهم ... وكافة الخدمات الحياتية والاقتصادية. يقدّم رينه باكمان، رئيس التحرير في مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور"، في كتابه "جدار في فلسطين" [1]، وصفاً دقيقاً للأوضاع في جهتَي الجدار. ففي العام 2001، قرّرت حكومة شارون دراسة إقامة عائقٍ لا يمكن تجاوزه منعاً "لتسلل الإرهابيين وتهريب الأسلحة والمتفجرات". لكن فكرة الخطّ الفاصل بين الشعبين ليست جديدة، إذ قال بها، قبل 25 عاماً على قيام دولة إسرائيل، فلاديمير جابوتنسكي، منظّر اليمين القومي. في البداية، اختبر الجيش عملية الفصل حول قطاع غزّة، ويأتي في هذا السياق بناء الجدار ابتداء من العام 2002. وهكذا وجد ثلاثة ملايين فلسطيني أنفسهم محتجزين فوق رقعة أرضٍ لا تمثّل سوى 12 في المئة من فلسطين القديمة. وما تسمّيه حكومة إسرائيل "ضمان الأمن" يعني إدخال الجدار إلى عمق الأراضي المحتلة بحيث يؤدّي، وفق وثيقةٍ صادرةٍ عن الأمم المتحدة في تموز/يونيو 2004، إلى ضمّ 8 إلى 12% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية. ما هو الجدار بالتحديد؟ "حائط من لفائف الأسلاك الشائكة المسنّنة كالأمواس والمتراكبة على صورة هرم، يليها خندقٌ "مضادٌّ للسيارات" بعمق 2،50 متر وعرض ما بين 3 إلى 5 أمتار، وخلفه طريق للدوريات الإسرائيلية. وفي الجهة المقابلة من الطريق، شبكٌ حديديّ بعلو 3 أمتار مزوّد بكاشفات إلكترونية قادرة على كشف أيّ تسلل. ثمّ هناك أيضاً مسلكٌ لكشف التسلل بعرض 3 أمتار مع طريقٍ أخرى للدوريات، وأحياناً مسلكٌ ثانٍ لكشف التسلل. وقد نُصبت على طول الجدار قلاعٌ محصّنة تأوي المراقبين والأعمدة الحاملة للرادارات والكاميرات التي يمكن التحكّم فيها عن بُعد". زهاء 240 ألف فلسطيني يجدون أنفسهم، كما يقول رينه باكمان، مأسورين بين خارج السور وحدود 1967، منهم 20 ألفاً واقعين في فخّ "المناطق المغلقة"، حيث يخضع كل شيء لأذون مرورٍ يصعب الحصول عليها. وكان سيلفان سيبيل، الصحافي في "لوموند" قد تناول مسألة الجدار في كتابٍ ممتاز [2]، أعيد طبعه في سلسلة الجَيب بعنوان "المطوّقون". وتأتي ملاحظات إريك هازان [3] حول الاستيطان في نابلس وقلقيليا والخليل لتؤكّد على دور الجدار الاستراتيجي في هذا الاستيطان، وليبرهن أنّ الجدار يفصل أيضاً بين الفلسطينيين ويفكّك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعائلية ويدمّر الزراعة والتجارة ويزيد الفقر. فقلقيليا (40 ألف نسمة) التي كانت في السابق مركزاً اقتصادياً هاماً هي اليوم مطوّقة مع إمكانية واحدة للدخول إليها من خلال حاجز تفتيش عسكري، وقد ارتفعت نسبة البطالة فيها إلى 70 في المئة. بشهاداتٍ استقاها المؤلف من الشارع والعائلات والمسؤولين السياسيين بين أيار/مايو وحزيران/يونيو 2006، وهي "فترة اعتبرت هادئةً نسبياً إذ لم يكن يسقط فيها سوى نصف دزينة من الشبان كلّ أسبوع"، يكشف أن الجميع باتوا لا يتوقّعون قيام دولة فلسطينية مستقلّة ولا يريدون الإصغاء إلى مشاريع السلام الكاذبة.
* صحافيّة
[1] René Backmann, Un mur en Palestine, Fayard, Paris, 2006, 308 pages, 20 euros [2] Sylvain Cypel, Les Emmurés. La société israélienne dans l’impasse. La Découverte Poche / Essais, Paris, 2006 , 462 pages, 13,50 euros. وقد حصل الكتاب على جائزة محمود الهمشري. [3] Eric Hazan, Notes sur l’occupation. Naplouse, Kalkilyia, Hébron, La Fabrique éditions, Paris, 2006, 120 pages, 7 euros
|