
مراجعة كتب > آيار/مايو > 2007نابو سينإلاهٌ إفريقيّ
لن يصعد الزنوج إلى الجنّة أبداً... هذا الحكم القاسي ليس مجرّد مزاح. إنه أيضاً عنوان كتابٍ هو أحدث روايات الكاتبة تانيلاّ بوني من ساحل العاج، والذي يأخذ القارئ على حين غرّة. القصّة: في ردهة مطار واغادوغو (بوركينا فاسو)، رجلٌ أبيض يبدو ناشزاً ببزّته البيضاء، يناجي نفسه ويعلن "أن الزنوج لن يذهبوا إلى الجنّة! الرجل بالقميص الفضفاض المطرّز والحذاء الأنيق والكلام الصريح ليس زنجياً. ولا يمكنه أن يكون حتى بموجب طفرة مباشرة". حكمه كان بمنزلة اعتداء، خاصةً على الراوية التي غالباً ما تطارد "الأفكار الشائعة التي تثير هذا القدر من المشاعر". بهذه الطريقة، سيدخل جوناس أميديه ديوسيراي، المعروف بـ "ديو (الربّ)" بين أصدقائه، إلى حياة تلك التي تروي لنا الأحداث. يجلس "الربّ" إلى جانبها في الطائرة ويروي لها الجزء الذي يمكن البوح به من حياته، أما الجزء الآخر فستكتشفه عندما تقع صدفةً على مخطوطةٍ تحكي القصة الحقيقية لجوناس أميديه. من يحمل هذا الاسم لن تكون حياته عادية. هذا الناشر المقيم بين فرنسا وإفريقيا عرف ولادةً ثانية في الثانية والعشرين من عمره في كورهوغو، في شمال ساحل العاج. فحين كان يعمل هناك مستشاراً تربوياً، اغتصب إحدى تلميذاته، سالي، وهي في الثانية عشرة من العمر؛ وستولد ويندي من هذا الفعل البربري. حول هذا الشعور بالذنب، وعلاقاته اللاحقة مع النساء، و"مهنته" كـ"زنجيّ" (مؤدي الخدمات) في إفريقيا، تنسج الراوية مسار حياة "الربّ". أراد، من خلال دار النشر، أن يعطي الكلام لمن لا صوت لهم، أي الأفارقة. من جهةٍ أخرى، فهو قلم أو مستشار وزير، وتلعب الروائية هنا على المعنى المزدوج لكلمة زنجي بالفرنسيّة. جوناس أميديه ديوسيراي عاملٌ متعدد الوجوه، يستورد أيضاً منتجات أفريقية إلى فرنسا. وهو يستغلّ كل شيء من دون العرفان بالجميل لما يُقدّم له من خدمات وامتيازات. ومع تفحّص المخطوطة، تضيء الراوية، وهي شابة أفريقية، على العلاقات المعقّدة والتي ما تزال تتّسم بالعنف لمرحلة ما بعد الاستعمار؛ وبفضل تحقيقها حول حياة "الربّ" وخصوصاً عبر بعض معارفه من النساء، تعيد الراوية لفت انتباه القارئ إلى نهب أفريقيا والفقر الناجم عن ذلك. وبالرغم من بيئةٍ منكوبةٍ، تقدم الروائية مديحاً للقارّة السوداء، خصوصاً لنسائها اللواتي ينجحن بالرغم من الصدمات الكبيرة. فبعد اغتصابها من قبل جوناس أميديه ومعاناتها من خلال زواجَين، تتحول سالي بالرغم من ذلك إلى امرأةً ثريّةً ومعروفةً في أوساط الأعمال. إيريس، المرأة الشجاعة الثانية، التي كانت لمدّة من الزمن عشيقة ديوسيراي، تجاوزت وضعها عن طريق مهنة بيع الأسماك. ويندي تحوّلت إلى مبتكرةٍ ماهرة ولو أنها أقصيت، غالباً بسبب لون بشرتها غير المحدد تماماً، بين الأسود والأبيض. مع أن هذه المصائر تبرهن على أن إفريقيا ليست جحيماً أبدياً وإجبارياً لسكانها، لا تتمكن الراوية من تفادي ما يُسمّى خفراً اليوم "الأزمة العاجية". العاجيّة... "إنها قنبلة، أليس كذلك؟ لغمٌ قد ينفجر في أي وقتٍ ليُغرق البلاد في فوضى مستديمة. الوقائع تتحدّث عن ذلك أفضل من الكلمات... تذكّر من ابتدعها، في المختبر المعروف للجامعة الوطنية. لم يخفوا نواياهم. لكن الشعب العادي تحمّس لها، رأى فيها ناراً في القشّ لتسلية المتفرجين، والترويح عن الشباب والأطفال". أزمةٌ ولّدت حصّتها من "المترحّلين" و"الزنوج المُقتلَعين"، أشخاصٌ تُنفى عنهم أي هويّة وأي صفةٍ إنسانية. وفيما يتجاوز الموضوعات الراهنة بامتياز في الأزمة العاجية، الهجرة ومصير أفريقيا المنكوبة، تعالج رواية "الزنوج لن يذهبوا إلى الجنّة" العلاقات الإنسانية ولا يمكن أن تترك أي قارئ على الحياد. تانيلا بوني هي من ساحل العاج وهي أستاذة الفلسفة في الجامعة، شاعرة وروائية وكاتبة قصص قصيرة ومؤلفة كتب للشبيبة. وقد حازت روايتها "صباحات منع التجوّل" على جائزتي Literatur-Förderpreis وأحمدو كوروما عام 2005.
|