فرنسا > آيار/مايو > 2007

فرنسوا كوسه

سوق الإقطاعات

من بين الغرائب الموروثة عن الثمانينيات - هذا العقد المفصليّ الذي انبثقت عنه أغلب مآزقنا الراهنة - هناك مفارقةٌ لم تعُد تُفاجئ أحداً: فتفويض السلطة لمجالس المدن والمناطق وإعادة الاعتبار السياسية والثقافية لكافة "أقاليم" فرنسا ولّد على وجه الخصوص تنافساً محموماً وإعلانياً بين مختلف نواحي فرنسا. بهذا المعنى خلقت اللامركزية "فجوةً مناطقيّة". وجاء هذا نتيجةً، غير مقصودة جزئياً، لسلسلة التدابير التي اتّخذت في عهدَي ميتران، أي القوانين الستة والعشرين والمراسيم المئتين والخمسين حول "اللامركزية" بين 1981 و1984، والتي كوّنت مشروعه الأكثر صدقاً في إرساء الديمقراطية.

كان الإصلاح يهدف إلى "رفع الاستعمار عن المناطق"، وفق العبارة البليغة لميشال روكار. فهي جعلت من كل كيانٍ مناطقيّ، كان حتى ذلك التاريخ مسترخياً تحت الوصاية البعيدة لموظّفي الدولة، طرفاً اقتصادياً فاعلاً بالكامل؛ وهو ما سيشجّعه على إدارة موارده وزيادة قيمته المضافة. كما يحدث في الشركات. هكذا عزّزت اللامركزية الإقطاعات المحليّة وكرّست الوجهاء المحليين لتضع مختلف "الأقاليم" في حالةٍ من التنافس الدائم ولتُرغِم كل موقعٍ على الترويج لمزاياه - سواء من حيث اجتذاب الكوادر أو وسائل الإعلام أو الاستثمارات.

ولقد شهدنا، من جهة، إعطاء الحياة السياسية والثقافية طابعها المناطقيّ والبلديّ، مع الوجاهة التي يكتسبها فجأةً الفنانين و"المهندسين الثقافيين" المحليّين الذين يحضرون لمساعدة رئيس البلدية على رفع قيمة تراثه. كما لحظنا، من جهةٍ أخرى، مزايدة غير مسبوقة في الدعاية الذاتيّة، وهذا ما حوّل فرنسا، خلال سنوات، إلى سوقٍ كبير للـ"أوراق الرابحة" و"عناصر القوة" في مختلف المناطق. مع ما ينجم عن ذلك، بفعل اللجوء إلى نفس الحجج الاقتصادية ووسائل التثمير، من توحيدٍ للميّزات المحلية التي كان مطلوباً بالضبط إبراز فرادتها. فالبلاغة الجديدة المعتمِدة على المنافسة تؤدّي إلى خلق الشبه بين المناطق الساعية إلى التميّز بأيّ ثمن - إنها الجدليّة القديمة للتنافس والتنميط المعياري.

منافسةٌ أخرى تحتدِم، وليس دائماً بأخلاقية، في مباريات المعماريين أو الإعلانيين حول استدراج العروض المحليّة. وهي دعائية قبل كل شيء: شعارات، أسماء تجارية، هويات تخطيطية... ففي العام 1988، فازت مدينة تور بالجائزة الأولى للمعرض المتخصص Cap-Com تحت شعار: "في تور، المادة السنجابية (الرماديّة، إشارةً إلى الذكاء) تتلوّن". يمكن للشعارات أن تكون شائعة أكثر، على نمط "أورليان ، معنى العمل"، أو يُصار إلى تجريبها مع الجمهور، مثل " أنغوليم تخرج من ارتخائها"، أو في النهاية تكون قابلة للتبادل مع "سنفوز مع بيزيه" أو "كليرمون في موقع الريادة".

هذا القصور في تسويق الصورة دفع بالنخب المحلية إلى تجنيد أفضل المعلِنين العالميين لاستدراكه. فبغية التغطية على جسرها الماطر ومعمل بسكويت LU، استخدمت مدينة نانت خدمات العملاق البريطاني "ساتشي وساتشي"؛ ولكي لا تعود مرادفةً لمنازل عمّال الصلب المتهادية، اعتمدت مدينة ليل على شركة Euro RSCG. وهكذا تحوّلت المدن، أكثر من المناطق والمقاطعات، إلى صور، سواء بإضافة لمسة حديثة على "أيقونوغرافيا" شعارات الأنساب والنبالة، أم بإبراز "أسلوب الحياة" الخاص بكل مدينةٍ من المدن، كما يُصار إلى تقطيع "أنماط حياة" المستهلكين الفرنسيين. هكذا تُركّب الشعارات انطلاقاً من كرة القدم في مرسيليا أو من كرة السلّة في ليموج أو تأخذ بعداً اجتماعياً سياسياً، من البيئة في لاروشيل إلى سياسة التضامن الاجتماعي في بيزانسون.

وفي مقاربة تقليديّة، يجري تثمير الاختلاف الجغرافي أو التاريخي. فمنطقة "أود" تتباهى على جدران باريس بمفاتنها التاريخية العائدة إلى حقبة انشقاق طائفة "الكاتار" (الأطهار)، في حين تنجح "بريتانيا" في المنافسة على فصل الصيف بدعوة الفرنسيين إلى الاختيار بين "استحمامٍ في البحر، لا الاستحمام بين الحشود". وتلعب وجاهة رئيس البلدية دوراً حاسماً في هذا السياق، حيث استفادت مدينة غرونوبل لبعض الوقت من صيت آلان كارينيون، وليون من ميشال نوار، في حين استفادت تولوز لمدّةٍ أطول من وجود دومينيك بوديس على رأس مجلسها البلدي. وهكذا، في العام 1986، وضع مكتب "Allibert-IFREP" في التداول "بارومتراً لرؤساء البلديات"...

في هذه الأثناء، شهدت الموازنات، مثلها مثل وسائط الإعلام الخارجي في المناطق، وخصوصاً في المُدن، تصاعداً كبيراً. الإعلام البلدي بات طاغياً، يتوزّع بين "مجلات الفيديو" الدعائية، والمعارض المتنقّلة، والتحقيقات الدعائية المتكاثرة، وصولاً إلى استفتاءات الرأي التقويمية والصحافة التفاعلية. فالمجالس المحلية تبيع نفسها وتحكي حكايتها دون توقّف، وراحت تلجأ، من باب الثرثرة المفتوحة، إلى خدمات وكالات خاصة.

ضمن هذا التسابق على تحسين الصورة والنجاح الاقتصادي، بات رؤساء البلديات يعتبرون وظيفتهم أقرب إلى "مدير شركة المدينة" City managers، فيما راحت مراكز البلديات تُشبِه أكثر مراكزاً للأبحاث أو خلايا دائمة لمناقشة الأفكار والمقترحات. وأخذت تظهر في أنحاء البلاد الأربعة "مدنٌ تكنولوجية" على درجات متفاوتة من النشاط تُعتبر بمنزلة العلم المرفرف للمنطقة، وهي ذات هندسة مستقبلية وتحمل أسماءً من الخيال العلمي: من "صوفيا-أنتيبوليس " في جوار مدينة نيس إلى "زيرست دو مايلان" الشهيرة في ضاحية غرونوبل. المواطن المحلّي يسمّى "مستخدماً" للموارد المحلية أو لخدمات البلدية الجديدة. والمناطقيّة تصبح آخر صرعة موضة، تلازمها ديكورات فريدة وأسلوب حياة، مع إطلاق مجلاّت فاخرة على مثال Côté Sud ومن بعدها Côté Ouest.

خلال الثمانينيات، كان بطلَي المنافسة البلدية دون منازع، وأفضل "بائعَين" لمدينتيهما، هما رئيسا بلديتَي نيم ومونبلييه، الجارتَين. رئيس مجلس إدارة ومدير شركة "كاشاريل"، السيد جان بوسكيه، انتُخِبَ رئيساً لبلدية نيم عام 1983، فأصرّ، بدعمٍ من معاونين "مخلصين"، على "إدارة مدينته كشركة"، وتحقيق مشاريع جريئة تؤمّن لها حضورها المُشرق. فخطّط لمركزٍ أوروبيّ للتصميم الصناعي ولاحتفالٍ يجري كل سنتين للإعلان الدعائي، كما كلّف المهندسَين فيليب ستارك وجان ميشال ويلموت إعادة رسم الهندسة الداخلية للمباني العامة. وقد كشف عن عماراتٍ فريدةٍ من نوعها كانت مطمورةً تحت الأرض، عُهِدَ بها إلى مهندسين أمثال نورمان فوستر وجان نوفيل، وهو ما أتاح أمام عاصمة محافظة "الغار" الهانئة الظهور في المجلات الأجنبية.

أما رجل القانون المغروم بالتسويق، جورج فريش، رئيس بلدية مونبلييه المنتخب عام 1977، فجسّد نموذج الملك المناطقي الصغير. واختار لمدينته تسمية "المتفوّقة ذكاءً" ولوسطها التجاري اسم "أنتيغون" قبل أن يدخل عليه تعديلات جذرية عن طريق مشروعٍ نيوكلاسيكيّ ذي طابع مسرحي عهد به إلى مهندس المدن الكاتالاني ريكاردو يوفيل. وستكون عاصمة "اللانغ دوك"، "مدينةً خضراء، متوسطيّة، رائعة واشتراكية".

يُترجم هذا التضخم في المشاريع والحملات والصور والشعارات، بإفراطٍ في التصنيفات والجوائز، تقوم به الصحافة الوطنية في كل مناسبة لتُصدر فيها عدداً خاصاً حول أفضل مناطقٍ يمكن أن يقصدها "الهارب من باريس" أو الراغب في "نوعيّة حياة" ممتازة. وعلى غرار جوائز "أوسكار الابتكار" التي أنشئت عام 1983 لترتيب المدن الكبرى، تأتي معايير التصنيف دائماً في اتجاه الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية، فيصار إلى ترتيب المدن وفق "ديناميّتها" أو "نشاطها الاقتصادي" أو "مستوى تعلّمها"، أو أكثرها "صحةً" (معايير الصحة العامة...) و"شباباً"، أو أكثرها تحولاً إلى قطّاع الخدمات. ويتم اختلاق أرقام قياسية: للنظافة والعزوبية أو لنسبة الولادات. وكل بلدة مدعوّة للمشاركة في السباق. إنها في النهاية حلقةٌ فاضلة يدخل فيها المسؤولون المحليون من أجل ضمان استمرار سلطتهم: تقديم الحجج لاستدراج الاستثمارات الخارجية أو انتقال الشركات (مع تفضيلٍ واضحٍ للكوادر) التي ستوسّع حجم استيفاء الرسوم والموارد العامة على نحوٍ يسمح بتمويل المشاريع وبعض الهدايا للناخبين، ومن ثَمَّ ضمان إعادة انتخاب المسؤولين والإشراق الدائم للمنطقة...

في مناطقٍ أخرى، تدخل الأمور في حلقة مفرغة مؤذية لأن صيتاً سيئاً وإعلاماً فاشلاً لا يجتذبان المستثمرين ولا يوقفان التراجع - بينما البورجوازيّة المحلية تغادر مدينة تتكدّس فيها شيئا فشيئاً أكثر العائلات حرماناً في المنطقة. هذا التطور ليس غريباً عن ظاهرة الفروق المناطقيّة في فرنسا وهي ميزةٌ أخرى للثمانينيات. ولن تتوقّف عن الاتساع تلك الفجوة بين المدن الغنيّة والفقيرة، والمناطق الجذّابة والمنفِرة، والنواحي المهجورة أو التي تضربها البطالة و"أقطاب المستقبل".


* مؤلف la Décennie : Le grand cauchemar des années 80, La Découverte, Paris, 2007.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان