
فرنسا > آيار/مايو > 2007صوفي وانيشلا تسامح أم رأفة ديمقراطية؟ بعد اعتقاله في 18 آذار/مارس في البرازيل، سيتم على الأغلب تسليم السيّد سيزاريه باتيستي إلى السلطات الإيطالية، التي كانت قد حكمت عليه غيابياً على جرائم يحلف أن لا مسؤولية له فيها. أسبوعٌ بعد ذلك، تم إطلاق سراح بريجيت موهنهاوبت، من تنظيم الجيش الأحمر الألماني Rote Armee Fraktion، بعد أن قضت خمسة وعشرين عاماً في السجن على اغتيالات اعترفت بها وتبنّتها. أمّا الأربعة الذين بقوا أحياءً من مجموعة "العمل المباشر"Action Directe، فهم يقضون حكماً مؤبّداً لاغتيالين ارتكبوهما. وفي سياسة "الكيل بمكيالين" هذه، وحده العفو يخرج منهزماً ...
السيّد "سيزاريه باتّيستي"، الذي كان منذ سنوات لاجئاً في فرنسا، فرّ إلى البرازيل في العام 2004 لكي يفلت من قرارٍ بتسليمه اتّخذته بحقّه الحكومة الفرنسية بناءً على طلبٍ من إيطاليا. وكان قد أوقف في 18 آذار/مارس عام 2007 بمساعدة قوات الشرطة الفرنسية، وكان يمكن أن يسلّم إلى بلاده حيث صدر بحقّه حكمٌ غيابي بتهمة اغتيال حارس السجن أنطونيو سانتورو ورجل الشرطة أندريا كامبانيا. ولم يكفّ السيد باتيستي، العضو السابق في مجموعة مسلّحة من اليسار المتطرّف من سبعينيات القرن الماضي (البروليتارياون المسلّحون من أجل الشيوعية)، عن ادّعاء البراءة. وكان التعاون الفرنسي الإيطالي في مجال تسليم المجرمين قد بدأ في العام 2002 على يد وزيري العدل في البلدين، السيدين روبرتو كاستيللي ودومينيك بيربان. وقد نتج عنه تسليم روما السيّد باولو بيرسيكيتّي، المحكوم في محكمة الاستئناف بالسجن لمدة عشرين عاماً لمشاركته في عملية الاغتيال التي وقعت في 20 آذار/مارس عام 1987، وطالت الجنرال ليسيو جيورجيري [1]. وقد أمضى السيد بيرسيكيتّي خمسة أعوام في السجن حتى الآن، وقد يبقى فيه خمسة عشر عاماً أخرى إذا ظلّ القضاة الإيطاليون على تصلّبهم، بالرغم من كل الثغرات في إدانته، شكلاً ومضموناً [2]. وفي الحالتين، جاء الاتفاق بين الحكومتين ليعطّل اتفاقاً آخر شبه رسميّ، كان قد عُقِدَ على ما يبدو مع الزعيم الاشتراكي الإيطالي بتينو كراكشي. وهذا الاتفاق، المعروف باسم "مبدأ ميتِران" أقام مساحةً من التساهل وظّفتها الدولة الفرنسية ليستفيد منها العناصر السابقون في الكفاح المسلّح الإيطالي خلال السنوات التي وصفت بـ"سنوات الرصاص". وبالعكس، يؤكد اتفاق كاستيللي-بيربان على عدم منحهم أي "فرصةٍ للتسامح". ولم يخضع أيّ من الاتفاقين لأيّة رقابةٍ برلمانية، وهما يعطيان الصلاحية المطلقة للسلطة التنفيذية في هذا المجال، حتى وإن كانت هذه المبادرة قد حظيت بمصادقة القاضي القانوني والقاضي الإداري. وبذلك لا يجري الانتقال من دولة القانون إلى السياسة الاعتباطية، بل من التساهل الاعتباطي إلى عدم العفو، وهو ما أسماه شارل بيغي "الكراهية" الاعتباطية. هذا الانزلاق يعكس التخلّي عن إجراءات التسامح التي توصّلت الدول الديمقراطية إلى اعتمادها في الماضي، إلى درجة أن عصرنا قد أصبح بنيوياً غير ملائمٍ لأي عملٍ من هذا النوع. وهذا ما يمكن تفسيره بالدور الخاص الذي يلعبه مفهوم "الجرائم ضدّ الإنسانية"، الذي بات معترفاً به عالمياً، وبالظهور المدوّي لحقّ الضحايا على الساحة القضائية منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد أصبح إلحاق العقاب بالجريمة التي لا تُغتَفَر حجر الأساس في خيال العدل واللاعدل، البربري والمتمدِّن. وفي هذا التطوّر نزعةٌ إلى إلغاء الامتيازات القانونية والسياسيّة الدقيقة التي كانت قائمة منذ القرن الثامن عشر والتي تفتح إمكانية اتّخاذ قرارات للعفو. وهكذا نجد أن إعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن الصادر في فرنسا في 26 آب/أغسطس عام 1789، يحدّد، بتقديمه لائحةً مقيّدةً بالمبادئ الجوهرية الثابتة، المعايير الرمزية ما بين المقبول وغير المقبول في نظر البشرية. وفي الوقت نفسه، اعترف الإعلان بحقّ مقاومة الظلم، أي إمكانية خرق هذه الحدود في بعض الظروف ولأسبابٍ محدّدة (مقاومة الظلم). فالتسامح الذي قد يُمنَح لأولئك الذين يخونون حقوق الإنسان والمواطن أو يحرّفونها ويمنعون الإنسانية من التحقّق على هذا الأساس، كان يمكن وصفه بالـ"بربري". أما الجريمة التي تنتهك الإنسانية، أي تلك التي تلحق الأذى بمبدأ الإنسانية نفسه (الاستعباد، والالتفاف على القوانين، والغلاظة في معاملة الشعوب المستعمرة أو المحتلّة، الخ)، وهي جرائمنا السابقة ضد الإنسانية، فلا تستوجب أي تساهل. وهي على كلٍّ لا تتماثل، لا مع جريمة الدم العادية ولا مع تداعيات حقوق مقاومة الظلم أو واجب التمرّد.. استُعمل إعلان شرعة حقوق الإنسان، - بعد أن رُفض لزمن طويل - غداة الحرب العالمية الثانية للنظر في الجرائم ضدّ الإنسانية. وعلى كلّ، فإن البروتوكول الثاني من معاهدة جنيف الخاص بالحقوق الإنسانية في النزاعات المسلّحة قد اقترح، منذ العام 1949، على الدول أن "تمنح أكبر عفوٍ ممكن للأشخاص الذين شاركوا في الحرب". فقط على القادة من أصحاب القرار أن يدفعوا الثمن. وهكذا عُدنا إلى تساهل العفو الأول الذي أصدره "تراسيبول" في العام 403 قبل المسيح. فبعد أن أسقط حكم الطغاة الثلاثين في أثينا، اقترح على جمعية المواطنين أن يصوّتوا على قانونٍ للمصالحة. وصدر قرارٌ يحظّر التذكير بمآسي تلك الحقبة، لكن لم يطبّق الحظر على الذاكرة على الطغاة الثلاثين، فحُمّلت مسؤولية الدم المسفوك للمسؤولين فقط. فقط الألم يستحق التعويضوفي الحالتين، جاء العفو يقيّد مجال العدالة الانتقامية. وهذه الرغبة في التساهل قد غابت اليوم من أفق قانون الجزاء الدولي. فالمعاهدات الدولية المعنيّة تُبدي في مجملها معارضةً لإجراءات العفو. ففي فرنسا مثلاً، هناك جزءٌ من الجسم القضائي يؤيّد الفكرة القائلة بأنّ هذه المعاهدات (التي تمنحها المادة 55 من الدستور قوّة تفوق قوة القوانين الوطنية) تُرخي بظلالٍ من الشكّ على مدى صلاحية قرارات العفو الخاصة بـ"أحداث الجزائر"، فقرارات العفو عن الجرائم التي ارتكبها الثوّار الجزائريون وقوات الاستعمار القمعية، والتي اتّخذت في إطار معاهدة إيفيان، يّمكن اعتبارها مخالفة للمعايير الإنسانية الدولية. وهكذا نجد أن القانون الدولي ينزع إلى إلغاء الحقّ السياديّ لكل دولةٍ في العفو عن بعض الأعمال. وتتأكّد هذه النزعة في المنظمات أو في السلطات القضائية الأوروبيّة. وهكذا صدرت تقاريرٌ عديدة عن اللجنة الأميركية المشتركة لحقوق الإنسان تعتبر أن قوانين العفو في أميركا الجنوبية تضرّ مباشرةً بالحقّ في محاكمةٍ عادلة. أما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فهي في الحقيقة لم تعلن موقفها حتى الآن من هذه القضية الدقيقة في ما يتعلّق بأوروبا، لكنها رفضت كلّ الاعتراضات الحديثة عن محاكمةٍ غير منصفة صدرت عنها أحكام غيابية. وهكذا يشهد الوضع انحرافاً، إذ باتت كلّ جريمة مرتبطة بمسألةٍ سياسيّة تُعتبر بالقوة جريمةً ضدّ الإنسانية. وهكذا تعطّلت شرعية مقاومة الظلم. وفي موازاة ذلك، نكتشف منذ نحو خمسة وعشرين عاماً تقريباً تعزيزاً لا سابق له لموقع الضحايا في القانون الجزائي الحديث. فمن جهة، يمنح الضحايا وسائل أكثر لإجابة طلباتهم بالتعويض من قبل المتّهَمين؛ ومن جهةٍ أخرى، يفتح أمامهم مجال الحصول على تعويضٍ من المال العام. وهكذا جرى توسيع مضمون مفهوم التعويض، إذ بات المطلوب أن يكون رمزياً، وأن يصلح وضع الضحية كلّياً، وبطبيعة الحال أن يساعدها على التسليم بالخسارة التي وقعت عليها. هناك إذاً واقعٌ بديهيّ اجتماعي مستجدّ. إذ لم يعُد الحكم بالتعويض هو ما يرضي الضحية، بل العقوبة الصادرة بحقّ المذنب؛ ومن ثَمَّ فإن القضاء الجزائي يصبح متماهياً مع العقوبة الصادرة، ويقتصر دور العمل القضائي على بعده العقابي. فالقرار الوحيد المعتبر عادلاً أضحى هو الإدانة. وفي سياقٍ من هذا النوع، تبرّأ عدد كبير من الاشتراكيين الفرنسيين، ومن ضمنهم من هم من الأكثر قرباً من الرئيس السابق، من اتفاق "مبدأ ميتران"، معترِفين بعد التجربة بطابعه الاعتباطي ومؤكّدين بأنه لا ينطبق على جرائم القتل. وبذلك عبّروا عن خيبتهم الخاصة إثر سياسات العفو التي اتّبعها رئيس الدولة الاشتراكي الذي لم يسمح بفتح المجال أمام حقبةٍ جديدة ولا أوقف الأعمال الإرهابية في كورسيكا أو في القارة (منظمة "العمل المباشر"). وهم، على الأخص، أكّدوا تضامنهم مع اليسار الإيطالي المعارض لأي قانون عفوٍ. ففي روما، فقط حزب الخضر وحزب إعادة التأسيس الشيوعي ما يزالان يناضلان لمصلحة إجراءٍ من هذا النوع، على أساس أنّه هو الكفيل بفصل الماضي عن الحاضر، ولا يسمح بالخلط بين الإرهاب المعاصر وإرهاب سبعينيات القرن الماضي. فبحسب تعبير جيوفاني بيلليغرينو، رئيس لجنة التحقيق البرلمانية الخاصة بإرهاب سنوات الرصاص، حيث كانت هناك "حربٌ أهليةٌ مخفّفة"، مطبوعةٌ باستراتيجية توتّر، وبنشاطات محفل “P2” الماسوني وباعتداءات اليمين المتطرّف. وقد كشفت اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 إرهاباً من نوعٍ جديد، وأنتجت قوانين قمعيّة تراجعت عن عددٍ كبير من مكتسبات الحريات العامة. ولم يعد الردّ على العنف السياسي موضوع نقاشٍ عام أو موضوع نظامٍ محدّد. والحال أن التساهل، وخصوصاً العفو، هدفه معالجة هذه الانتهاكات الخاصّة للقانون، والتي يمكن أن يصار إلى الاعتراف بشرعيتها وفق السياق التاريخي أو الدوافع المذكورة أعلاه. ولذلك حتى وإن اعتبرت هذه الأعمال غير مقبولة من منظار المعايير الإنسانية، فلا يجب أن يؤدّي ذلك إلى تجريد مرتكبيها من إنسانيتهم. ولطالما كانت إجراءات التساهل هي في أساس الأنظمة الديمقراطية، فهي تحدّد ضوابط ما يمكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً. فالاعتداءات التي ارتكبها المقاومون كانت مشروعةً من دون أن تكون قانونية. وفظاعات النازيين كانت قانونيّة من دون أن تكون شرعية. لقد صدمت ثورة أعضاء المشاعية الباريسيّة ("الكومونة") مشاعر أبناء عصرهم، ومن ضمنهم مشاعر فيكتور هوغو، لكنها كانت بمنزلة عنفٍ سياسي لا يشبّه بجرائم الحقّ العام. ولم تكن أعمال رجال جمهورية سالو (1944-1945) مشروعة، في حين أعمال الوطنيين الإيطاليين كانت كذلك... فما يفترض بسياسات العفو أن تقيّمه على ضوء القيم الأخلاقية هو المشروع الذي كان المتّهمون يسعون إلى لتحقيقه. ففي العفو عن المتعاونين خلطٌ بين "الآدميين" والأنذال. والعفو عن مضلّلين في صفوف مقاومة الظلم يعني التوقّف عن الضراوة ضد القوى المهزومة. فكيف لا يكون من المستغرب أن يفلت موريس بابون من السجن في حين تذهب طلبات التساهل مع مناضلي منظمة "العمل المباشر" أدراج الرياح؟ فالخلط بين كلّ الجرائم يمنع إيصال القيمة الديمقراطية في المقاومة ضد الاضطهاد. أكثر من ذلك، فإن رفض أي عفوٍ بصورة منتظمة يعني القبول بأن يصبح العنف السياسي مُعدياً. ففي الولايات المتحدة وباسم المعركة ضدّ الإرهاب يجري رفض الرقابة على قسوة السلطات التنفيذية المحتملة، ويعمد القادة، وعلى نحوٍ مكشوف، إلى أعمال التعذيب. فقانون تحريم أي فرصة للتساهل فيما يخص الجرائم التي لا يسامح عليها، يبيح للذي يصدره ارتكاب أعمالٍ وحشية لا حدود لها. والحال أنّه إذا كان من خصائص الديمقراطية ألا تتخلّى عن الصلاحية المطلقة بالعقاب، وإذا كان على الديمقراطية، كما على سائر الأنظمة السياسية، أن تواجه "المستحيل ما وراء القسوة السيادية" بحسب تعبير الفيلسوف جاك دريدا، فإنّ عليها أن تجد الإجراءات التي تسمح لها بالحدّ قدر الإمكان من مجال اعتباطية السلطة التنفيذية. والعفو بهذا المعنى هو جزءٌ من تشكيلة الأسس الديمقراطية. لكن، وبمعزلٍ عن مبدأ التساهل الذي يأتي لتقليص شدّة وغلاظة العقوبات التي تصدرها السلطة التنفيذية، كما هي الحال مثلاً في مبدأ العفو، فإن ما يختصّ به مبدأ العفو هو تحويل مهمّة تحديد حجم التشدّد الرمزي والموقع المخصَّص له إلى السلطة التشريعية. وعملية النقل هذه لن توقف أعمال العنف. فتدخّل البرلمان، عن طريق قانون العفو، يُحلّ مكان عملية قمع المجرمين عنفاً من نوعٍ آخر يمارس هذه المرّة على الضحايا، لأننا نطلب منهم أن يبذلوا جهداً في القدرة على الرحمة. وفي المقابل، نقدّم للمجتمع بمجمله تسويةً للنزاع السياسي الذي نشأ فيه في وقت معيّن. إن الرفض المعاصر للعفو يترافق مع لامبالاة بالانعكاسات الاجتماعية لتزايد الممارسات القمعية في أوروبا. وهو ينمّ أيضاً عن العجز في مواجهة مسألة العنف السياسي في التاريخ، مع أنها قضية الساعة. فالخلط بين جرائم القتل التابعة للحق العام، والجرائم ضد الإنسانية التي لا يمرّ عليها الزمن، وجرائم المضلَّلين بالعنف السياسي الذي يساء تقديره واستعماله، ليس أمراً منطقياً. ذاك أن المساواة بين هذه الانتهاكات يعني رفض أي رقابةٍ على الاعتباطي القمعي في أوساط السلطات الدولاتية في أوروبا.
* باحثة في المركز الوطني للأبحاث العلمية، عاملة في مختبر إنتروبولوجيا المؤسسات والمنظمات الاجتماعية (Laios)، وفي مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، من مؤلفاتها:
Une histoire politique de l’amnistie, PUF, Paris.
[1] Henri Maler, “ Etat permanent d’exception en Europe ”, Le Monde diplomatique. Octobre 2002. [2] حتى اليوم هو لا يستفيد من حق الزيارات، باستثناء زيارات محدودة من أفراد أسرته، ولا يتمتّع بأي حرية دوريّة مراقَبة، وقد أُتلفت كل أدوات عمله الجامعي ومعها أعماله. وتستمرّ هذه المعاملة منذ آب/أغسطس عام 2002 في حين أن قانونية هذا التسليم لم تحترم. وفي الواقع، فإن قواعد قانون التسليم تحظّر تسليم أحدهم لأسباب أتت بعد قرار التسليم. غير أن القرار الذي وقّعه السيد إدوار بالادور بني على أساس وقائع صدرت فيها أحكام من قبل، وليس على أساس اغتيال السيد ماركو بياجي المزعوم.
|