
الافتتاحية > حزيران/يونيو > 2007افتتاحية سمير العيطةسمير العيطةالترابط ... بين نتائج الانتخابات الفرنسية والأزمة السياسية التركية والعالم العربي
أحد أكثر المفاهيم حساسيّة في السياسة الدولية هو مفهوم الترابط Linkage. فمن ناحية التحليل، يحتدم النقاش عن الترابط بين التطوّرات السياسية والاقتصادية الداخلية في بلدٍ ما، وسياساته الخارجية. ومن ناحية العلاقات بين الدول، يحكم مفهوم الترابط أسس شرعنة مصالح دول في قضايا تتعلّق بدول أخرى، واعتراف بقيّة الدول بهذه الشرعية أو لا. حتّى أنّه في النهاية، يفتح مفهوم الترابط الطريق أمام مفاهيم أخرى كـ"الحق في التدخّل" droit d’ingérence. الرئيس الجديد لفرنسا، السيد نيكولا ساركوزي، ينطلق من مسلّمة هذا الترابط بين التحديات الداخلية والخارجية. فبرأيه، "ليس صدفةً أن توجد جمعياتنا الإنسانية وجنودنا على جميع الجبهات في الخارج" [1]. وهذا الترابط بين الإنساني والعسكري قد أدّى حتماً دوراً رئيساً في اختياره للسيّد برنار كوشنير وزيراً للخارجية في حكومته الجديدة. ولن يزيد هذا الخيار إلاّ من شرذمة اليسار الفرنسي بعد نكسته الانتخابية، ندماً على أنّه لم يستبق الأمور لطرد هذا "الخائن" لأفكاره من صفوفه منذ سنين، حين دعم، على عكس موقف حزبه، الاجتياح الأمريكي للعراق مثلاً. فمؤسس "أطباء بلا حدود"، البارع إعلامياً، كان خير ممثّل لكيفية توظيف الإنساني لأهداف سياسية [2]. ومع هذا، فلن يكون السيّد كوشنير فعليّاً هو من سيؤسس "للقطيعة" المنشود في السياسة الخارجية الفرنسية، بل السيّد ساركوزي بنفسه، حيث سيكون للخليّة التي سيكوّنها حوله في قصر الإليزيه (على الأغلب حول السفير السابق في واشنطن، السيد جان دافيد ليفيت، المرتبط بصداقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية الحالية) الكلمة الفصل والثقل الحقيقي. لقد حدّد السيّد ساركوزي الهدف الأوّل للسياسة الخارجية الفرنسية الجديدة على أنه "حماية الفرنسيين قبل كل شيء، ثم الأصدقاء والحلفاء"، من التهديدات الجديدة التي يطلقها "انتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، والدول الفاشلة états défaillants، وتهديد مصادر استيراد موادنا الإستراتيجيّة ، والكوارث البيئية والإنسانية والأوبئة" [3]؛ هذا بالتعاون مع حلف الأطلسي. وفي هذا السياق، يقترح مساعدة الجزائر على الحصول على الطاقة النووية المدنية، قبل غيرها، في مقابل شراكة في استثمار الغاز وضمانات من مؤسسة دولية لإدارة المواد النووية تمنع استخدامها عسكرياً؛ ويفتح المجال أمام إيران لتعاون مماثل. فها هنا ترابط يجري إبرازه بين "حماية الفرنسيين" والملف النووي، كما بين حماية فرنسا ومنع الهجرة من الخارج. يأتي الحديث عن العالم العربي-الإسلامي ضمن الهدف الثاني الرئيس للسياسة الخارجية الفرنسية المقبلة: "الدفاع عن الحريّات وحقوق الإنسان على الساحة الدولية". إذ يدعو السيّد ساركوزي إلى دعم الأنظمة العربية المعتدلة ضد "قوى الظلام". ثمّ يبرز تصميمه على بناء "الاتحاد المتوسطي"، ضمن الهدف الثالث، وهو "الدفاع عن مصالحنا الاقتصادية والتجارية"، آخذاً في الحسبان فشل مسيرة برشلونة بعد 12 عاماً من إطلاقها. "وأنا أرغب في أن تجد فرنسا نفسها من جديد قوةً متوسطيّة كبرى". هنا أيضاً يجري إبراز ترابطات كثيرة، من بينها ضرورة "تقوية أمن إسرائيل" و"الدفاع عن الاستقلال التام للبنان، والتخلّص من التدخّلات الأجنبية". فكرة "الاتحاد المتوسطي" هذه تعدّ تحديثاً وانقطاعاً هاماً مع السياسات الفرنسية السابقة، ليس فقط مع ما كان يسمّى منذ عهد الجنرال ديغول "سياسة فرنسا العربية"، بل خاصّةً مع تركيا. "فلا مكان لتركيا في الاتّحاد الأوروبي لأنّها ليست بلداً أوروبياً"، "ويجب تصوّر علاقة أوروبا مع تركيا ضمن منظور الاتحاد المتوسطي"، "هذا هو الطموح المشترك الذي أقترحه على تركيا"(4). وهكذا سارع وزير الخارجية التركي، السيّد عبد الله غول (المرشّح [4]لرئاسة تركيا)، إلى الرد على السيّد ساركوزي فور فوز هذا الأخير، بأنّ عليه احترام توقيع فرنسا على صيرورة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، كما كانت فعلت المستشارة الألمانية، التي تعارض بدورها انضمام تركيا [5]. وسيكون لهذا الانقطاع في السياسات الفرنسية ترابطاً مع الأزمة الحالية التي تشهدها تركيا، إذ أنّه يضع على المحك قضيّة الهويّة التركية. فحزب العدالة والتنمية الإسلامي قد بنى سياساته منذ أعوام على الاندفاع نحو انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، سابقاً بذلك العلمانيين من ورثة مصطفى كمال، الذي كان قد حقّق استقلال البلاد بمقاومته لأطماع فرنسية وبريطانية وإيطالية عليها. لا يسحب فقط السيد ساركوزي البساط من تحت أقدام السيد غول ورفاقه فحسب، بل يعيد تركيا إلى منظور علاقاتها مع المشرق (سوريا والعراق ولبنان) وإلى مشاكل هويّتها الداخلية (مع قضايا الأكراد والعلويين والعلاقة/الصراع مع كردستان العراق). وربّما كان هذا الترابط حاضراً في ذهن السيّد ساركوزي عندما ردّ، خلال المناظرة مع المرشّحة الاشتراكية سيغولين رويّال، على طلب عدم إغلاق باب أوروبا في وجه تركيا العلمانية، لأنّ في ذلك خطراً على التوازن العالمي، قائلاً: "حتّى لو كان هذا البلد علمانياً، فهو يقع في آسيا الصغرى. لا أريد أن أشرح للتلاميذ الفرنسيين أن حدود أوروبا هي مع العراق وسوريا. ولن نتقدّم كثيراً حين نجعل من كردستان مشكلةً أوروبية" [6]. وأمّا من ناحية سياسة فرنسا العربية، فمن اللافت للنظر مقارنة منظور السيّد ساركوزي مع المبادرة الشجاعة التي نشرت كرسالة دراسة إلى كلا مرشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية، والتي أعدّها باحثون وموظفون كبار في وزارة الخارجية (تحت اسم مجموعة "ابن سينا")، بعنوان "المغرب والشرق الأوسط. مساهمة من أجل سياسة إرادية لفرنسا" [7]. ومن اللافت للنظر أن هذه الدراسة تنطلق، مثل السيد ساركوزي، من التخوّف من انفجار المنطقة العربية، وهي تذهب إلى وضع أربعة سيناريوهات محتملة للمستقبل: السلْم الأمريكي Pax Americana؛ والنظام الإسلامي ordre islamique (سيطرة المتطرفين الإسلاميين على السلطة في معظم دول المنطقة)؛ والفوضى chaos (التي لا يصفها بالخلاّقة)؛ والتدهور البطيء التدريجي (لأنّه "لا يمكن تصوّر بقاء الأحوال الحالية على حالها، نظراً لأنّ التوازنات الحالية في منتهى الهشاشة"). الخلاف بين الطرحين يأتي حول الاقتراحات. إذ تؤكّد دراسة "ابن سينا" على ترابط مشاكل الشرق الأوسط ببعضها، مع الاعتراف (كما في تقرير بيكر-هاميلتون) بأن القضية الفلسطينية هي قلب ومحور هذه المشاكل. وفي حين تتفق"ابن سينا" مع السيد ساركوزي على ضرورة تنمية العلاقات مع إسرائيل، ومن ضمنها أمن الدولة العبرية، فهي تصرّ على أن يتلازم ذلك مع "رفض الاحتلال وضرورة الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلّت في حرب 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلّة. فاستمرار هذا الاحتلال منذ أربعين عاماً هو في صلب عدم الاستقرار في المنطقة"، مشدّدة على أن دور فرنسا هو أن تكون وسيطاً فاعلاً مع جميع أطراف الصراع. أمّا السيّد ساركوزي، فيأمل أن يؤدي دعم أمن إسرائيل إلى أن يقوم هذا البلد "بخطوة سياسية كبيرة"، دون تحديدها، ويصرّ على أنّه "يجب مقاربة السلام في الشرق الأوسط والبحث عن مخرج للصراع العربي الإسرائيلي من منظور الاتحاد المتوسطي" المزعوم، كما السياسة العربية لفرنسا. وفي حين يتجنّب السيد ساركوزي الحديث عن الولايات المتحدة، يؤكّد تقرير ابن سينا على فشل السياسات الأحادية الجانب، وعلى أن صورة العالم الغربي عامة والولايات المتحدة خاصة، هي صورة المعتدي، الكائل بمكيالين، والمتواطئ مع إسرائيل، والمخادع في حديثه عن الديمقراطية، إذ يرفضها عندما لا تناسبه نتائجها، وأنّ هذا الأمر هو بمنتهى الخطورة، لأنه يحمل في طياته صراع الحضارات الذي يجب تجنّبه. بل يطالب تقرير "ابن سينا" بالحوار مع القوى الإسلامية (ومنها حزب الله)، ومع إيران وسوريا (مع الالتزام بالمحكمة الدولية). من ناحية الأنظمة العربية، لا يجد تقرير ابن سينا فارقاً بين الأنظمة المعتدلة وغيرها، بل يرى أنه "يمكن التشكيك في الرغبة السياسية لأنظمة المنطقة لدفع الإصلاحات والديمقراطية طوعياً"، في حين أن "هناك إشارات إيجابية: إذ تظهر بوادر مجتمع مدني، وقوى تقدّمية تفرض وجودها: فيجب على الغرب تشجيعها دون تعريضها للمخاطر". أمّا فشل مسار برشلونة، فيشدّد تقرير ابن سينا على أنّ المسؤولية مشتركة، ويعيده إلى سياقه، إذ أنّه وضع ضمن عملية السلام العربي الإسرائيلي في التسعينيات، وفشله من فشلها. ويجب في المستقبل أن يكون أكثر "انتقائيّةً: إذ يجب تركيز الجهود في عدد محدود من المشاريع البنيوية والمساهمة في دفع التكامل الإقليمي، في المغرب كما في المشرق". من الواضح إذاً أن وصول السيّد ساركوزي إلى سدّة الرئاسة الفرنسية سيكون له آثار كبيرة على البلاد العربية وتركيا وإيران. ففرنسا ذات ثقل أكبر من حجمها الحقيقي، لا لشيء إلاّ لأنّ السياسة الديغولية الدولية كانت "مستقلّة وفاعلة" في زمن الحرب الباردة، وأنّها كانت تعدّ قطيعةً مع السياسات الاستعمارية للحكومات الفرنسية السابقة (حرب 1956، الجزائر) التي ارتكزت على دور محوري لإسرائيل. ففي النهاية، فرنسا الخمسينيات هي التي منحت القنبلة النووية لإسرائيل. والقطيعة الذي عملتها السياسة الديغولية لم تكن انحيازاً للعرب (إذ لم تمنح القنبلة لأيّ من الدول العربية)، بل اقتصرت على منع السلاح عن الدولة العبرية والوقوف على بعض المواقف المبدئية. فهل بعد أن شهدنا مسخَ هذه السياسة في الحقبة الشيراكية عبر شخصنتها، سنشهد اليوم توجهات جديدة؟ كل شيء يدلّ على ذلك. مخاطر جديدة ستطرحها سياسات ساركوزي، في انفراده مع بعض الدول الأوروبية المتوسطية لإقامة الاتحاد المتوسطي على شاكلة الاتحاد الأوروبي. فهو، الذي يعلن أنّه لن يتراجع عن وعوده، سيدخل طرفاً في اللعبة الإقليمية ولن يكون مجرّد "وسيط فاعل". الله يستر.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
[1] راجع موقع الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي، خطاب المرشّح في 28/2/2007:http://sarko2007.free.fr/articles.p... [2] اقرأ: سيرج حليمي: "ذرائع إنسانية في خدمة الحروب الإمبريالية"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، أيار/مايو 2006، http://www.mondiploar.com/article.p... [3] خطاب ساركوزي 28/2/2007، المرجع المذكور. [4] راجع موقع الحملة الانتخابية للمرشّح، الاتحاد الأوروبي، http://sarko2007.free.fr/articles.p... [5] راجع صحيفة لوموند نقلاً عن وكالة رويترز 17/5/2007، http://www.lemonde.fr/web/depeches/... [6] يمكن مراجعة النص الكامل للمناظرة على موقع صحيفة ليبراسيون، http://www.liberation.fr/actualite/... [7] نشر النص الكامل لهذه الدراسة على موقع مفهوم، http://www.mafhoum.com/press10/299m...
|