اليمين واليسار في فرنسا وبريطانيا > حزيران/يونيو > 2007

مارك اندفيلد

هذه الصالونات التي تجري فيها الحوارات

تنفكّ محطّتا LCI و I télé التلفزيونيتان تكثران من برامج الثرثرة. فخلال المرحلة الانتخابية، أرادت مديرة I télé، فاليري لوكابل، إقناعنا بأن محطتها تمثّل "الحيّز المرجعيّ للنقاش الديمقراطي في فرنسا" [1]. وقبلها بخمسة أعوام، كان المدير العام لمجموعة TF1، إتيان موجوت، يعلن هو أيضاً أمام حكماء المجلس الأعلى السمعي البصري، أن "LCI كانت المكان الأول للنقاش العام وللمناظرة في فرنسا" [2]. لكن قبل يومين على الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، انتقدت السيدة سيغولين رويال محطة LCI بالقول: "بحسب هذه المحطة، يبدو كل ما أقوله خاطئ وكل ما يقوله نيكولا ساركوزي محقّ...".

ولكن يتفادى النقاش حول الديمقراطية (أو غيابها) القول بأن هذه "الحوارات" تهدف عموماً إلى ملء الشاشة بأقل كلفة ممكنة، مع توفير الفائدة لمن يُحسب لهم حساب [3]؛ أي هؤلاء الذين يبرمون العقود ويصوّتون على القوانين. وهذا ما تُقرّ به السيدة لوكابل على طريقتها: "صورة المحطة جيّدة جداً لدى أصحاب القرار، وهم يحبّون الحضور إليها لأن هذا جزء من عملهم". وربما لهذا عمدت السيدة لوكابل، بغية الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة، إلى فرض الرقابة على الصفحة الإلكترونية لأحد صحافييها السياسيين، لوران بازان، الذي تجرأ على سرد تفاصيل غداء جرى بين فريق تحرير محطته والسيد نيكولا ساركوزي [4]. إذ يبدو أن الكشف عن بضع ساعات من التواطؤ بين هيئة تحرير ومسؤول سياسي من الطراز الرفيع، يعدّ "قلّة ذوق" في رأي "أصحاب القرار" الذي هم في محطّ أنظار الجميع.

وتمثّل المحطات الإخبارية في نظر أصحابها وسائل للاستقطاب السياسي. فالسيد كريستيان دوتوا، العضو الحالي في المجلس الوطني السمعي البصري ومؤسس تلفزيونَي LCI و I télé، قد أوضح ذات يوم دون مواربة الأهمية التي يعلّقها السيد مارتان بويغ (مالك المحطة) على محطة إخبارية مثل LCI: "هناك ما بين 20 و25 ألف فرنسي يعتبرون أنفسهم من أصحاب القرار في الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية والعلمية، الخ (...) وسطياً، يمكن استضافة ألف منهم سنوياً أثناء أخبار الساعة الثامنة مساء التي يتابعها الفرنسيون بكثرة؛ وهذا ما يوجد 24 ألفاً من المتذمّرين(...).بمحطة إخبارية، نوجد لنا في المقابل 25 ألف صديق، نمثّل لهم مدرسة للتواصل، ويتعلمون لدينا الإجابة عن أسئلة الصحافيين، ويخوضون معاركهم الأولى على حلبة التصوير، ويمكنهم تصحيح أخطائهم على شريطٍ مسجّل حقيقي. نحن نساعدهم على الاقتراب من الصفوف الأمامية. نكون لهم مرشدين ورعاة " [5].

إن الظهور المتكرر للمدعوين التقليديين، وتناوب المعلّقين المطّلعين، يدغدغ الأنا ويخدم سوق النشر والصحافة والثقافة. ومع ذلك، فالسيدة لوكابل متأكدة من أنه يمكن في I télé، "سماع أشياء لا يمكن سماعها في محطة أخرى". لكن بالرغم من أن هذه المحطة تحاول الظهور بمظهر "الشباب والارتخاء، بعددٍ أقل من ربطات العنق"، فإن ما ليس مسبوقاً عندها يبقى حصراً بأبناء العائلات المعروفة. إذ يقول أحد الصحافيين منتقداً: "هيئة التحرير هذه حكر على أبناء فلان أو فلان من أصحاب المركز، فهناك عندنا ألكسندرا دو مونكلان، نسيبة برناديت شيراك التي اكتشفت في نفسها مراسلة صحفية كبيرة، ولوران كوشنر ابن شقيق برنار، وماتيو كافادا نجل جان ماري كافادا".

إكمالاً للمشهد، تحوّلت هذه المحطات إلى مكان مألوف يرتاده "الخبراء" الذين يمكن مشاهدتهم من على سائر الشاشات أيضاً. فخلال خمسة أعوام، تابع المشاهدون 240 مرة السيد أنطوان صفير، مدير "دفاتر الشرق"، و152 مرة روبير روشفور، مدير "مركز الأبحاث لدراسة ومراقبة ظروف الحياة" Credoc، و128 مرة باسكال بونيفاس، مدير "معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية" Iris، و121 مرة أنطوان بصبوص، مدير "مرصد البلدان العربية"، و102 مرة السيد رولان كايرول، مدير مؤسسة استقصاءات الرأي CSA.

أحياناً يتم دفع أتعاب لهؤلاء الضيوف كي يساهموا في تعدّد الأفكار. وهكذا فللسيد دومينيك راينيه، الأستاذ في "معهد العلوم السياسية" في باريس والمعتاد الظهور على I télé، والمعترض على التصويت بـ"لا" على المعاهدة الدستورية الأوروبية، نظيره في محطة LCI في شخص السيد أوليفيه دو هاميل، وهو أيضاً أستاذ في "معهد العلوم السياسية" في باريس، ومن المنافحين عن التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء الأوروبي نفسه...

من جهة الصحافيين، جرى في محطة I télé استبدال كريستوف باربيه (مدير "الإكسبرس") الذي التحق بـ LCI بعد مزايدات على الأجر، بنيكولا دوميناك؛ وهو مدير مساعد في هيئة تحرير مجلة "ماريان" التي تكثر من أبواب الرأي وتتسلّى في الردّ على إيريك زيمّور، كاتب الافتتاحيات في "لوفيغارو" والمعلّق في برنامج لوران روكيه "لم ننم بعد" (فرانس 2). هكذا قد يهجر البعض قاعات التحرير في صحفهم... لكن I télé تقدّم 5 آلاف يورو شهرياً لهؤلاء "الاختصاصيين" في الحياة السياسية.

وكل شيء معدّ في هذه المحطّة لتصعيد الجدال بين "الزبائن الجيّدين" مهما كان الموضوع المطروح. فالـ "شخصيات اليسارية" - من نوع الصحافيين بلا قرّاء، أمثال سيلفان بورمو المدير المساعد لصحيفة Inrockuptibles، أو الساسة الذين لا يجتذبون مناضلين كستيفان بوكرين، الناطق الرسمي السابق باسم "الخضر" - يناقشون الاختصاصيين في الرأي العام والمستشارين في التواصل أو غيرهم من المعلنين. هكذا فإنّ امتياز الحضور بين "قادة الرأي" يفرض جوّ الإلفة وتبادل الابتسامات.


* صحافي

[1] « i-Télé parie sur la présidentielle pour accroître son audience », Le Monde, 9/9/2006.

[2] جلسة الاستماع في 26/6/2006.

[3] Mathias Reymond. “ Les cabotins des ondes ”, Le Monde Diplomatique, mai 2006.

[4] www.jeanmarcmorandini.com/news.php?id=2011.

[5] Pierre Péan et Christophe Nick, TF1, un pouvoir, Fayard, Paris, 1997.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان