
اليمين واليسار في فرنسا وبريطانيا > حزيران/يونيو > 2007فيليب بوفيهيجب جعل الاليزيه يعمل على الطاقة الشمسية
شدد الاجتماع الحكومي المشترك لمجموعة الخبراء حول التطوّر المناخي الذي انعقد في نهاية كانون الثاني/يناير في باريس، وكذلك الدورات اللاحقة، على الضرورة الملحّة لمواجهة تحدي الاضطراب المناخي. وبعبارات أخرى، بتنا نعرف جميعاً، كما أشار الرئيس جاك شيراك عام 2002 في قمة الأرض في جوهانسبرغ، أن "البيت يحترق". ومن ثَمَّ فالمطلوب من الدوائر العليا إعطاء المثل الصالح على الممارسات الجديدة الصالحة، بغية جعل نمط حياتنا أكثر احتراماً للبيئة. ففي العام 1973، تلقّت الولايات المتحدة الصدمة الكبيرة للأزمة النفطية الأولى. وبعد عام من الزمن، كان ريتشارد نيكسون ينكبّ على وضع برنامج مكثّف لتطوير مصادر الطاقة المتجدّدة. لكن خليفته، جيمي كارتر (1977 - 1981)، كان هو الذي وضع الأمور في موضع التنفيذ: فتحت شعار "أميركا الشمسية"، يطمح البرنامج إلى جعل الولايات المتحدة تعمل في عام 2050 بنسبة 100 في المئة بالطاقات المتجدّدة. وفي العام 1979، وضع كارتر، تأكيداً لتصميمه، ألواح الحرارة الشمسية على سطح البيت الأبيض لتوفير حاجة المبنى الذي يقيم فيه من الماء الساخن المُعَدّ للاستخدام الصحّي. لكن رموز البعض تقضّ مضاجع البعض الآخر. فلم يتأخر رونالد ريغان، فور وصوله إلى واشنطن، في نزع هذه التجهيزات. ولا غرابة في ذلك، كما أعلن النائب الألماني هرمان شير في مقال في صحيفة "فرانكفورتر روندشو" بتاريخ 28 آذار/مارس 2003، ما دامت الشركات النفطية الأميركية هي التي موّلت الحملة الانتخابية للرئيس "الكاوبوي". ألمانيا هي من أكثر البلدان التزاماً في بعض الجوانب البيئية، وتقدم البرهان على ذلك من الأعلى. فإثر توحيد جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ألمانيا الديمقراطية، عُهد بتجديد البرلمان البرليني السابق، الرايخستاغ، إلى المهندس المعماري الإنكليزي نورمان فوستر الذي يأخذ في عمله، منذ زمن طويل، اقتصاد الطاقة والطاقة المتجدّدة في الحسبان. واليوم يعمل البوندستاغ بنسبة 85 في المئة على هذه الطاقات المتجدّدة. ومن المهمّ، دون الدخول في تفاصيل هندسة البوندستاغ والمباني المجاورة له، التوقف عند ثلاث تقنيات اعتمدتها فرق عمل نورمان فوستر. أولاً، التوليد المشترك القائم على إنتاج الكهرباء والحرارة انطلاقاً من نفس المحركات التي تعمل بالديزل البيولوجي المنتَج في جوار برلين. وتتجاوز المردوديّة الحراريّة لهذه المحطّة الصغيرة نسبة 80 في المئة (مقابل فقط 35 في المئة للمحطات الحرارية العادية والنووية). ثانياً، تتوضّع على أسطح الحيّ الحكومي 3600 متر مربع من الألواح الشمسية التي تحوّل الضوء مباشرة إلى كهرباء. وأخيراً، يُصار إلى تبريد البوندستاغ في الصيف بفضل نظام ضخ جيوحراري تستخرج بفضله المياه الباردة من جوف الأرض عملاً على تخفيف حرارته. هكذا يمثّل هذا الموقع واجهة حقيقية للطاقات النظيفة، غير المركزية منها خصوصاً، إذ لا فائدة من إنتاج الطاقة بعيداً ثم نقلها، مع ما بسببه ذلك من خسارة في الخطوط، ما دام يمكن إنتاجها واستهلاكها محلياً. وعلى المستوى الشخصي، أوضحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم التاسع من آذار/مارس المنصرم، أثناء مؤتمر صحافي، أنها استبدلت في منزلها اللمبات المتوهّجة بنماذج من ذات "الاستهلاك المنخفض"، مضيفة: "إذا تجهّزت ألمانيا كلها باللمبات الاستشعاعية (الفلوريسنت)، فقد نتفادى إطلاق 6،5 مليون طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون سنوياً". وفي طوكيو، جرى منذ نيسان/ابريل 2005 تجهيز المقرّ الرسمي لرئيس الوزراء الياباني بمدّخرة وقود pile a combustible، وهي تقنية غير ملوِّثة تنتج الكهرباء في الموقع وفقاً للحاجات. وقد أقيم هذا التجهيز في إطار تصوّر عام لتطوير هذه التقنية على المستوى الوطني. وكان من المنطقي أن يبرهن رأس الهرم المسؤول التزامه العام عن طريق التزامه الشخصي! فماذا عن الإليزيه؟ يفترض بالسيد نيكولا ساركوزي، الذي وقّع على عقد نيكولا هولو البيئي، أن يعلن للأمة بعد أسابيع من انتقاله إلى مقر شارع فوبور سان أونوريه: "أتعهّد من الآن وصاعداً بخفض تنقلاتي الجويّة إلى النصف واللجوء بأقصى حدّ ممكن إلى تقنيات التواصل عن بعد visioconferences. وأنوي تغيير العادات والقيام برحلاتي القصيرة والمتوسطة بالقطار، وهو وسيلة نقل أكثر توفيراً للطاقة والأموال العامة من الطائرات الرسمية. ولن تكون سيارتي الرسمية واجهة عرض لأكثر السيارات "المصنوعة في فرنسا" نهماً للطاقة، متعهداً تحويل الإليزيه إلى مكان لا يكون موقفاً ضخماً للسيارات". ويمكن كذلك لساكن الإليزيه إعادة النظر في امتيازات الطاقة (العائدة للتنقل في الجوّ وبالسيارات) لكبار موظّفي الجمهورية، ويمكنه أن يستوحي من الأمثلة المضادة الثلاثة التالية. في 18 كانون الأول/ديسمبر 2006، كان على رئيسة "الشركة الوطنية للسكك الحديدية" الفرنسية، آن-ماري إيدراك، الانتقال إلى مدينة شاتو تييري لتصعد على متن إحدى حافلات "القطار السريع الشرقي" TGV-Est في اختبار للسرعة القياسية [1]. وكما تروي أسبوعية La Vie du Rail يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2006، سعت ربّة عمل سائقي القطارات للوصول إلى شاتو تييري بالطوافة! فهي قد تكبّرت، بصحبة وزير النقل وأرباب عمل شركتي RFF و" ألستوم "، على ركوب القطار الخاص الذي نقل الصحافيين والمدعوين إلى المكان؛ فلم توفّق، إذ حال الضباب الكثيف دون إقلاع طوافتها ذات المراوح ومصدر الضجيج الكبير والمستهلكة للطاقة. وحقق القطار سرعة 360،6 كلم/ساعة الوسطية بدونها ولم تتمكن من تهنئة السائقين بعد هذا الإنجاز! ويجدر كذلك تناول حالة السيد أندريه فالّيني ، النائب ورئيس مجلس مقاطعة " إيزير" الذي صرّح لصحيفة "لاكروا" في الخامس من كانون الثاني/يناير 2007: "ما انفكّ الزمن السياسي يتقلّص، فلم يعد لدينا الوقت الكافي للتفكير والتأمل في مجريات الأحداث وفي التطورات الاقتصادية والاجتماعية (...). فالسرعة والمهل القصيرة تمنع من إجراء مراجعات معمّقة(...). القرار السياسي يتطلب بعض الصفاء، وإلا انعدم التفكير على المدى البعيد". يراكم السيد فالّيني المناصب، وهو سائق سيارة مستعجل. في منطقة " إيزير"، لا يتردد خلال الاجتماعات العامة في الشكوى من أن عرقلة السير تضيّع عليه الوقت. وفي الوقت الذي تمتلك فيه مدينة غرونوبل شبكة نقل عام جيدة بطول 270 كلم، يجهد السيد فالّيني لبناء طريق مجازي عرضي (أوتوستراد) في شمال المدينة، ويتحدث عن إعادة فتح الخطّ الجويّ مع باريس، علماً بأن القطار السريع يقطع هذه المسافة في أقل من ثلاث ساعات، وهو وقت يسمح "بالتفكير والتأمل في مجريات الأحداث...". لا تعتبر "الهيئة المستقلة للنقل الباريسي" (المترو)، بحجة أن مهمّتها، أي النقل العام، هي خدمة حميدة، أنها مضطرة لإعطاء المثل من ناحية استهلاك الطاقة. والمؤسف هنا أنها عاشر أكبر مستهلك للكهرباء في فرنسا. فبين الساعة الواحدة بعد منتصف الليل والخامسة صباحاً، عندما تكون الشبكة مغلقة في وجه الجمهور، وبحجة أنه يجري تنظيف بعض المحطات أو إصلاح ما فيها، لا تطفئ الإنارة وتبقى السلالم الكهربائية تعمل على طول شبكة مترو الأنفاق! وتمثّل الإنارة 50 في المئة وسطياً من الاستهلاك الكهربائي لكل محطّة من المحطات. ومهما بدا ذلك شاذاً، فلا وجود لمفتاح في أغلب المحطات يمكن بواسطته إطفاء الأنوار عند انتهاء الخدمة. فهيئة النقل المشترك تمتلك شبكة كهربائية واحدة لدفع القاطرات ولمجمل حاجات المحطات. ولا عجب إذاً أن تبقى بعض المحطات القائمة فوق سطح الأرض مضاءة أثناء النهار! أقل ما يمكن لممثلي الشعب وأصحاب القرار أن يفعلوه هو تقديم ممارسات شخصية جيّدة واستهلاك نموذجي للطاقة في المباني الواقعة تحت مسؤوليتهم. وإذا جاء اعتراض في حالة الإليزيه بأن الألواح الشمسية (الحرارية أو المنتجة للتيار الكهربائي) ستشوّه بعض الشيء جمالية المبنى الحالي، فيمكن الإجابة بأن علينا أن نحيا وفق زماننا والاستجابة لتحدياته البيئية. لا أحد يعترض على التشويه الذي تلحقه أجهزة التكييف بسطوح المباني العامة. وعلى كل حال، فقد جرى تجهيز مبانٍ رسمية قديمة، كما لدى جيراننا الألمان، حيث يحمل مبنى بلدية فريبورغ-أن-بريسغو - وهو يعود إلى القرن السادس عشر بعد أن أعيد بناءه طبق الأصل بعيد الحرب العالمية الثانية - 140 متراً مربعاً من الألواح المنتجة للتيار دون أن يفقد ميّزته المعمارية. فوق الإليزيه سيكون لهذه التجهيزات معنى الرمز الوطني. فتعود فرنسا من جديد بلد الأنوار... المتجدّدة.
* صحافي
[1] في الأوّل من نيسان/إبريل 2007، ضرب القطار السريع TGV رقم السرعة القياسي وصولاً إلى 574،8 كم/سا.
|