هادي كاهية يغزل خيوط الضوء في شوارع تونس
يصعب الفصل بين قمتين في الفن التشكيلي التونسي هما الرائد الراحل نور الدين الخياشي وصديق عمره هادي كاهية. تتشابه لمسات المُعلم وموسيقى الألوان في رسوم الرجلين، لكنهما اختارا نوعا من "التعايش السلمي" غير المكتوب إذ شُغف الأول بالفضاءات الداخلية وخاصة البيوت العتيقة وعاداتها وشخصياتها الضاربة في عمق التاريخ، فيما افتتن الثاني بالشوارع والأزقة والأبواب والمشربيات راكضا وراء كل مصدر ضوء يتلألأ في صفحة التاريخ.
هام كاهية مُدرس اللغة العربية في الثانويات بشوارع المدينة القديمة مذ كان طالبا يجلس في حلقات جامعة الزيتونة قبل استقلال تونس. كانت المدينة الأساسية تقع داخل الأسوار قبل إنشاء المدينة الأوروبية مترامية الأطراف، وحاول كاهية أن يُخلد الأماكن الحميمة من خلال لوحات لا يُخطئ من يراها في نسبتها لصاحبها. لكن رسومه ليست مشاهد صامتة فالمكان يتحرك في ضخب أحيانا ويعج بالشخصيات التي تحكي قصصا اجتماعية مختلفة. في "سوق الصباغين" مثلا نلمح قامات الحرفيين وسط حركة الناس في مكان غدا اليوم قطعة من التاريخ، وفي لوحة "الكُتاب" (المدرسة التحضيرية القرآنية) ينقل لنا كاهية بخطوطه ودوائره الناعمة سحر فن العمارة الإسلامية. لا توجد شوارع حديثة في قاموسه التشكيلي. هناك فقط عمارة أندلسية معجونة بالنمط المغربي المحلي يفتح لنا كاهية صفحات كتابها لنقرأ وجوها مختلفة من إرث خصيب ظل يقاوم زحف العمارة الوافدة. يقيم كاهية روابط خفية بين المدرسة والبيت والشارع والصومعة والسيدة المتدثرة بـ"السفساري" الأبيض (عباءة نسائية محلية من الحرير) السائرة وسط الزقاق وبائع الخضار الذي يُرتب البضاعة فوق العربة وسط الشارع ... ثم يتسلل من هناك إلى "البطحاء" وهي ميادين تنتشر في مدينة تونس القديمة لتقسيم الأحياء وتأمين فسحة لكراسي المقاهي. مع ذلك يتمرد الإبن على أمه أحيانا ويطلق صيحة مبحوحة هي في مثابة مطلب الحرية، فالأبواب الحجرية المتآكلة عند أطراف المدينة والنوافذ المقفلة والبيوت المتداعية تجعل من لوحاته ملجأ للتراث ومتحفا للذاكرة. إنها معزوفة الفتاة السجينة في أصفاد الماضي، الباحثة عن الإنعتاق والتي تدير ظهرها لأزقة المدينة ماضية نحو بوابة الخروج. غير أن المدينة تبدو مُستمرة بعزف لحن حزين على قيثارة أطلالها ما جعل لوحات كاهية صدى للآهات أو المواويل التي تتكرر في الأغاني الطربية. ويمكن القول إن الرسام اليوناني روبيس لعب دورا حاسما في الكشف عن موهبة كاهية الذي وُلد في سنة 1932 في ضاحية حلق الوادي ونشأ في مدينتي المرسى وتونس، فقد استثمر صداقة والده لهذا الرسام كي يتعلم في مرسمه وينطلق إلى عالم الخط العربي أولا ثم إلى الرسوم التشكيلية. وأقام كاهية حتى الآن أكثر من ثمانية معارض شخصية بوأته مكانا متقدما بين رسامي بلده، واستطاع الإبتعاد عن ظل صديقه الخياشي ليشق طريقه الخاصة ويضع قدما ثابتة في عالم الفن التشكيلي بفطنته التي جعلته يلتقط ملامح هندسية لا يراها سواه، وهي متاحة للجميع، ويعجنها بحذاقة فريدة مع رسائله المتجهة إلى القلب والعقل في آن معا.