فنّان عربيّ > نيسان/إبريل > 2009

فنّان عربيّ

احميده الصولي

سليل البحر وغوّاصه

رؤوف قارة (تونس)

انتبه الفنان التونسي رؤوف قارة، منذ انفتاح عينيه على زرقة البحر وإلى رسوِّ الزوارق وصياح البحارة، انتبه إلى أن ملوحة البحر ومدّه وجزره ليسوا كلَّ شيء فيه. فحتّى الحيتان بكل سلالاتها ليست سوى حالة من حالات الكينونة فيه. وشدّته أحشاء البحر وما يستخرج منها من هياكلٍ لبواخر غارقة، وأشلاء طائراتٍ وحيتان ضخمة. واختزن كلّ ما كان يستحوذ على ذاكرته الغضّة، إلى جانب ما كانت تثيره فيه الحوادث والمشاهدات، والتأثّر العميق بما يتسبّب فيه البحر من مآسٍ. وهكذا ولد هاجس البحث لديه ولكن من خلال الإبداع... ثم ها هو الطفل يكبر، ويتدرّج في مسالك الدراسة التي طوّحت به بعيداً، فأخذته إلى ألمانيا واليابان. وعندما عاد إلى مسقط رأسه (مدينة قليبية - تونس)، كانت نظرته إلى البحر قد اصطبغت بالحنين إلى الوطن، ولكن أيضاً بقدراتٍ على التحليل والتأويل والتجسيد، أكسبته إياها الدراسة والأسفار. وما بين العاصمة ومدينة قليبية، شرع هذا الفنان في تنفيذ مشروعه الذي يرتكز أكثر ما يرتكز على الكشف والاستكشاف؛ كشف ما استعصى على النظر العادي اختراقه في لجّة البحر.

وقد سخَّر الفنان حياته كلّها لتحقيق هذا المشروع حتى أنّه لم يفكر في مزاوجته بغيره من متطلّبات الحياة الأخرى. وقد تضمّن حتّى الآن ثلاث مراحلٍ هامة، الأولى، هي مرحلة معايشة البحر بكلّ تقلباته ونزواته. والثانية مرحلة اكتشاف الرموز الحضارية لمجتمعات ضفاف المتوسط. أمّا المرحلة الثالثة فهي المتعلّقة باستنطاق الفسيفساء وحوار الحضارات.

وتعتبر المرحلة الأولى حتى الآن الأطول في تجربة الفنان رؤوف قارة، بل لعلّها الأساسية. فقد تمرّس بمعالجة حالات البحر في هدوئه وثورته، في ألوانه وأفقه، في مراكبه وبواخره، في شواطئه وورشات صنع المراكب وإصلاحها... عايش مصارعة البحارة لأهواله؛ فرسم كلّ ذلك، ونظره لا يتوقّف عن استجلاء الأعماق. وقد جسد الفنان في هذه المرحلة حالات من كلّ ذلك واستطاع عبر الخط واللون رسم مملكته الإبداعية بكل ما تحتويه من نوارس وبواخر وصيادين وزوارق وأشلاء سفن مبعثرة على الشاطئ ... رسم كل ذلك، نهاراً حيناً وليلاً حيناً آخر. لكنّه وهو يجوب أعماق مملكته، كانت تعترضه رموز وعلامات وآثار لافتة.

في المرحلة الثانية بدأ الفنان يتحسّس روح حضارةٍ خَلِدَت إلى الراحة بعد أن ملأت الأرض عطاءً: ألا وهي حضارة قرطاج. لكن الفنّان، وهو يلامس عناصر تميّز هذه الحضارة، وحالات تدفّقها الإبداعي المؤسِّس، كان يدرك أنّه يعيد الحياة إلى بعض أرجاء الذات، فينقذها من التشتّت والتبعثر، ليُكَوِّن من خلال لوحاته منظومةً تعبيريّة تحاول أن تدلّ الرائي على حضارةٍ تقع على مرمى البصر، تشدّه إليها شرايين تمتدّ في الاتجاهين منه إليها. وقد تميزت أعمال رؤوف قارة خلال هذه المرحلة ببعدين رئيسيين : الأول تشكيلي، والثاني تعبيري. وبتداخل البعدين تتحقق هرمنة المشهد فتتم المزاوجة بين الفكرة والحالة والبعد التاريخي والخطوط والألوان، فينشأ لدى المتلقي إحساس بتوزع جذوره في أزمانٍ متعددة.

أما المرحلة الثالثة، فقد تميزت باكتشاف الرموز الحضارية للفينيقيين والرومان والبربر، أيّ الذين التقوا على أرض تونس أو مرّوا بها، وصولاً إلى بقاياها الجاثمة في قاع البحر، والمتمّثلة في موادٍ مختلفة، منها الأوعية الطينية المهشّمة. فمنذ عشرين عاماً تقريباً، وهو يجمع تلك المهملات ويقارن بينها شكلاً ولوناً، خاصّة تلك العلامات الرامزة، المثبتة عليها، يتأمّلها ويستنطقها... إنها حضارات المتوسط تتحاور وتتجاور عبر تلك المخلّفات.

وقد برزت فكرة الألواح كأفضل إطارٍ لهذا الحوار، فكانت امتداداً للمشروع الفنّي الأساس : إبداع حالات البحر واكتشاف مكنوناته وأسراره.


حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان