منبوذو فييتنام
تشايناتاون لـ"توان"
تنتمي "توان" إلى جيلٍ من الكتاب الفييتناميين أقلّ تأثّراً بالحروب من الأجيال السابقة؛ ولهم نظرة مختلفة عن نظرة الذين شاركوا في المأساة، حتّى وإن كانوا قد عانوا من تداعياتها في حياتهم أو في جسدهم. فمنذ سنوات تعيش توان متنقّلةً بين مختلف أحياء باريس، بعد أن تابعت دراساتها العليا في الاتحاد السوفييتي سابقاً، ثم أقامت بشكلٍ متقطّع في وارصو وبرلين ونيويورك. تنشر مؤلّفاتها في فييتنام وتلقى فيها نجاحاً متزايداً. إذن ليست هي مقاتلة ولا مناضلة ولا لاجئة سياسيّة. وشايناتاون هو أوّل كتابٍ لها ينقل إلى الفرنسية.
يستوحي هذا الكتاب فصلاً قاتماً من تاريخ فييتنام المعاصر: وهو مأساة صينيّي هذا البلد الذين عاشوا زمن منعطف سبعينات وثمانينات القرن الماضي، في قمّة حالة الطلاق - التي تميّزت بالحرب الحدوديّة الدامية - بين بكين وهانوي. والـ"هووا"، بحسب ما يُسمّى به صينيّو فييتنام، يعيشون منبوذين من المجتمع. فتحكي الراوية قصّة حبّها، الأبدي لـ"توي". إذ عرفا بعضهما منذ مقاعد الدراسة في الثانويّة، في هانوي. واضطرّت أن تنتقِل إلى روسيا لكي تتابع دراساتها العليا. إلاّ أنّ سنوات الانفصال الطويلة هذه – وهما هنا سنتان - لم تغيّر شيئاً. وفي نهاية المطاف تزوّجا.
إلاّ أنّ توي صيني، وبالتالي منبوذ. وفي الثانوية، في خلال تلك السنوات الرهيبة، كان مستَبعداً، مثل كلّ الصينيين الذين لم يغادروا. وقد طبقّ الجميع عمليّة العزل هذه، من طلّاب ومعلّمين وشبيبة فييتنام الشيوعية... وهذا ما عانى منه العشيقان. فأهل الراوية قد شجبوا هذه العلاقة؛ إذ وضعوا كلّ آمالهم في ابنتهم؛ وهم لا يفهمون ما يجري، ويكرهون الصينيين وأملوا في أن يؤدّي هذا الابتعاد لمدّة سنتين إلى انفصالهما نهائيّاً.
رزقا من زواجهما بصبيّ، أسمياه "فينه". حيث تتبلور بداية النهاية بعد فترةٍ وجيزة من هذه الولادة. إذ ينتهي الأمر بتوي إلى الهرب من هانوي بعد الكثير من حالات الإذلال. تعرف الراوية بذلك، وتراه يبتعد من دون قدرةٍ على إبقائه أو التحدّث إليه أو الالتقاء به مجدّداً. وبالتالي رحلت بدورها، برفقة شاهدها، ولدها فينه، الذي ترعرع في بيلفيل. فهي لا ترغب في نسيان توي، ولو للحظةٍ واحدة.
هذه القصّة، غير الموزّعة على مقاطع ولا على فصول، هي ذات شفافية مدهشة، يزيد منها الاستعانة بالجمل القوية وكذلك المقطعين المقتبسين، والمميّزين للكتاب، من رواية أخرى "أنا أصفر" (I’m Yellow). وفيما هي تروي قصّة هذا التشرّد بعذوبةٍ فائقة، تنقّل الكاتبة نظرها على فرنسا وروسيا وهانوي والأحياء الصينية (تشايناتاون)- حيّ بيلفيل والدائرة 13 (في باريس)، وشولون (في سايغون). وهي تصف تطوّر هذه العوالم مع انتهاء الحرب الباردة وحتى الألفيّة الثالثة. تحكي ما يربط بينها، وما يفصل. من الحياة يوماً بيوم في هانوي الاشتراكية إلى الاتّحاد السوفييتي السابق في زمن ميخائيل غورباتشيف، مروراً بالساعات الثلاث التي يستغرقها مشوارها اليومي للوصول إلى الكلّية، حيث تدرّس في الضاحية الباريسية. إنّها نظرة امرأةٍ فييتنامية، ومن ثم نظرة طالبةٍ ونظرة مهاجرة. وفي المترو يحلم فينه، وهو في الثانية عشرة من العمر "بأكبر البلاد مساحةً في العالم"، بـ"صينٍ من غير حدود، بكلّ الشايناتاون مندمجة معاً". ويغفو ورأسه متّكئ على كتف أمّه الراوية التي تتساءل عمّا يفعله توي، في شولون، في هذا الوقت بالذات. وعمّا إذا كان لا يزال يحبّها.
* صحافيّ