قضايا اجتماعيّة وبيئيّة > كانون الثاني/يناير > 2010

لوسيان سيف

إعادة النظر في "عيش الشيخوخة بحالٍ جيّدة"

من أجل فترة حياة ثالثة ناشطة

يثير تقدّم أعمار السكان القلق في فرنسا وألمانيا، وأيضاً في الصين واليابان. فلن يكون هناك كفاية من الأفراد العاملين لدفع معاشات تقاعد المتقدّمين سنّاً. فماذا لو أنّنا عكسنا المشهد؟ وماذا لو تمّ تحطيم الحلقات الاجتماعية المحدّدة سلفاً، حيث لا يتمكّن الشباب قبل سنّ الـ30 من إيجاد عملٍ ثابتٍ لهم، وحيث يتمّ بعد الـ50 تهميش العاملين بأجر، بل وطردهم من أشغالهم، وحيث، بين هذا وذاك، يستهلك تكثيف العمل الأجساد والعقول...

أضحت الأدبيّات الرائجة التي تتناول المتقدمين في السنّ كثيفة وجارفة؛ لكنها تقول لنا، في أغلبيتها، الشيء نفسه أساساً؛ أو بالأحرى شيئيْن حتّى نكون دقيقين. أوّلاً، مع الإرتفاع السريع لمعدّل الحياة في بعض الدول مثل فرنسا (بمعدّل ثلاثة أشهر إضافية كلّ عام)، فإنّ عبء الشريحة غير الناشطة اقتصادياً الذي يتحمّله الناشطون يزداد ثقلاً بصورةٍ لا تُحتمل؛ الأمر الذي يجب أن يُرغمنا على إعادة النظر سريعاً نحو خفض معايير نظامنا التقاعدي. ثم إنّ المسألة لا تقتصر على العيش لفترةٍ أطول، إنّما على "التقدّم في السنّ بحالةٍ جيدة"؛ بحيث تتّخذ هذه المسألة، ذات الطابع الشخصي أكثر منه الإجتماعي، أهمّيةً كبرى.

وإنْ كانت هناك اقتراحات بديلة بالنسبة إلى النقطة الأولى [1]، فبالنسبة إلى النقطة الثانية، لا يلقى الخطاب المفروض الانتقاد الجوهري الذي يستدعيه مع ذلك: فالتقدّم في السنّ بحالة جيدة يقدّم على أنّه قضية شخصية تماماً ذات منحى طبّي فيزيولوجي، على خلفية القبول بالتردّي الحتمي. "التقدّم في السنّ بحالة جيدة، هو أمرٌ يُفترض استحقاقه"، هذا ما عنونته مثلاً مجلة Psychologies [2]. ولتحقيق هذه الغاية، يتمّ تحديد "ستّ خطط توجيهية" للقارىء: 1) الاهتمام بالجسد (الأكل بشكلٍ أفضل، وممارسة بعض الرياضة، وعدم التدخين)، 2) والاهتمام بالمظهر (تقنيّات "خفيفة" لمحاربة الشيخوخة، والبدء بالتدليك وصولاً الى الطبّ التجميلي)، 3) قراءة الفلاسفة (سينيك، مونتاني، برغسون: فأن تتعمّق في الفلسفة يعني أن تتعلّم أن تموت)، 4) عبور مرحلة انقطاع الطمث بشكلٍ جيّد ("فبعد التحرّر من الأمومة، يمكن إثراء الحياة الجنسية")، 5) والمباشرة بعلاج نفسي ("لا يفوت الأوان أبداً" للذهاب إلى الطبيب النفسي)، 6) وأخيراً التمثّل بالأكبر سناً (المحافظة على شبكة علاقات على غرار الأشخاص الذين بلغوا المئة عام في أوكيناوا، في اليابان؛ والتشبّه بكلود ساروت التي كانت في عمر الثانية والثمانين تحبّ كثيراً أن تطلق كلاماً بذيئاً في كل الاتجاهات).

الطابع الفردي الضيّق جداً والمؤثّر لهذا الطرح واضح جداً؛ وكذلك واضحٌ مجمل النشاطات الإجتماعية التي لا تخطر له: نقل المعارف والخبرات المهنية، تعلّم أمورٍ جديدة، المشاركات الطوعيّة العديدة في الحياة العامة، ومتابعة نشاطات إبداعية على كافّة الأصعدة... فوفقاً لهذا "المفهوم التعليمي" - وهنا يكمن جوهر المسألة - يُعتبَر "كبير السن" أساساً عاطلاً اجتماعياً عن النشاط. هكذا يظهر هذا الطرح مُثقلاً بالتهديدات بالنسبة إلى الذين واللّواتي يدّعي مساعدتهم: فعلى الصعيد الشخصي، يفرض هذا الطرح حياةً محدودة، ويؤدّي بالتالي إلى "تقدّمٍ في السنّ بحالة سيّئة"؛ أمّا على الصعيد الاجتماعي، فهو يغذّي الفكرة الصلفة التي تقول بأنّ "المسنّين" أفواهٌ غير نافعة للمجتمع، وبالتالي عليهم أن يتكفّلوا أكثر فأكثر بنفقات تقاعدهم بأنفسهم...

من تولستوي إلى فيردي .. نماذج من المعمرين

هذه النظرة، مهما كانت مُثيرة للجدل، لم تخضع لنقدٍ حاسم، لأنّها تبدو قائمةٍ على أمرٍ بديهي: أنّه مع التقدّم في السنّ، يشيخ العقل حتماً كالجسد. فمقابل "المنحى البيولوجي" للحياة - أي النموّ، الركود، والإنحدار - هنالك "منحى نفسي" موازي، يحكم علينا بالتقدّم في السنّ "مُنتقَصين"، وبالتالي منسحِبين من النشاطات الاجتماعية [3]. وقد بقيت سيمون دو بوفوار، في سياق عملها حول المسألة، أسيرة هذه الرؤية شبه الماديّة بشكل كبير [4]. حيث نراها مفتونة بأمثلة مُبهِرة عن التعمير الفكري، من برنار لو بوفييه دو فونتانيل وصولاً إلى ليون تولستوي، ومن يوهان وولفغانغ فون غوتيه إلى جوسيبيه فيردي، الذي جدّد فنّه في عمر الرابعة والثمانين في Falstaff... لكنّها لا تعتبرهم سوى مجرّد "استثناءات" يصعب تفسيرها لما تعتبره سنّةً طبيعية.

ولكن، إذا ما حاولنا أن نفهم [5]، نكتشف ما تعرضه أعمال عالم النفس الكبير ألكسي ليونتييف: أنّ الشخصيّة الإجتماعية البيوغرافية لا تساوي أبداً الفردية البيولوجية النفسية. فإن كانت هذه الفرديّة تخضع بشكلٍ كبير لمُعطيات تتعلّق بالأصول الانتمائية أو بالطفولة، فإنّ الشخصيّة تتشكّل في وقتٍ لاحق، حيث تلعب المُحدِّدات الاجتماعية، التي تنعكس من خلال السيرة الذاتية الخاصّة (البيوغرافيا)، دوراً حاسماً في تحديدها، فتضمن لها بذلك استقلاليّة عميقة.

باختصار، يمكن تحديد الفرديّة عبر صفات طباعيّة ثابتة، أمّا الشخصية فتحدّد بسيرة ذاتية مفتوحة. ما يعني أن تراجع الوظائف النفسية البدائية مع التقدّم في السنّ، في حال لم يكن مُعوِّقاً بشكل كبير (إعاقة، عدم إستقلالية، فقدان الذاكرة... الخ) لا يؤثّر بشكلٍ مباشر على الدينامية الشخصية: فللتقدّم في السن معانٍ عديدة، مختلفة تماماً. فمن الممكن أن يتمتّع الشخص بحالة نفسية وحركيّة جيّدة ولكن الطريقة التي يوظّف فيها وقته كتلك للعجزة؛ كما يمكن على العكس المحافظة على حياةٍ غنيّةٍ على الصعيد الإنساني بالرغم من تواجد الكثير من المعوّقات. هكذا كان لودفيغ فان بيتهوفن أصمّاً بالكامل عندما ألفّ رباعيّته الرابعة عشرة، التي اعتبرها من أفضل مؤلّفاته. ومنْ يعتقدْ بأنّه يمكن تحسين أحوال الشيخوخة من خلال بعض الوصفات السطحيّة لـ"محاربة الشيخوخة"، لا يدرك أبداً في الحقيقة مفهوم الشخصية الاجتماعية-البيوغرافية.

يعيدُنا الأمر إلى المعنى الجوهري للحياة. ولنأخذ مثالاً. حيث نذكر عالم الاجتماع لوسيان ليفي برول (1857-1939)، الذي اشتهر في فترة ما بين الحربين بفضل نظريّته عن "الذهنية ما قبل المنطقية"، التي تُفضي بأنّ "الشعوب البدائية" كانت غريبة عن التفكير العقلاني؛ وقد استخدمت تلك النظرية بشكلٍ كبير بالرغم من العديد من الانتقادات الموجّهة لها. لكنّه، في "دفاتره" Carnets التي كتبها في العامين 1938-1939، عشيّة وفاته - وكان قد تخطّى الثمانين من العمر - انتقد بحماسة مُلفتة نظريّته الأولى التي كانت أساس شهرته، وكتبَ دون مواربة: "كنتُ أنا على خطأ... [6]"؛ الأمر الذي دفعه إلى وضع الأُسس لبرنامج أبحاثٍ جديدة يجب الشروع بها.

وتُسقط قراءة هذه "الدفاتر" الحتميّة المزعومة للتصلّب الفكري والعناد الناجم عن الشيخوخة، الذين لا يخلوان طبعاً من الأمثلة، لكنهما لا يشكّلان قاعدةً على الإطلاق. فكيف يمكن تفسير التعمير الفكريّ الطويل للسيّد ليفي برول؟ يمكننا اختصار الإجابة قدر الإمكان: أنّه تخصّص في دراسات عليا (دار المعلّمين العليا الفرنسيّة، ودرجة الأستاذية في الفلسفة)؛ ثمّ بشكلٍ خاصّ تجديدات جذريّة في نشاطاته ومعارفه واهتماماته طول حياته وباستمرار - من الفلسفة الألمانية إلى علم الإجتماع الأخلاقي، ومن ثمّ إلى الدراسة الإثنيّة لـ"الشعوب البدائية" -؛ يُضاف إلى ذلك اهتمامٌ مُنفتحٌ جداً على الانتقادات التي طالت أعماله. وقد توفّي هذا الرجل وهو يتمتّع بكامل حيويّته الفكرية.

وما الذي نجده فجأةً عندما ندرس بتوسّع السير الذاتية لرجالٍ ونساء حافظوا بشكلٍ مذهل على قدرتهم الإبداعية مع تقدّمهم في العمر؟ تأهيل أولي من مستوى متميّز؛ وتجديدٌ لا يتوقّف كثيراً للمحفّزات الفكريّة؛ القدرات والنشاطات - وهذه نقطة أساسية -؛ واكتساباً تدريجياً للاستقلالية عن العالم وعن الذات. وفي حال لم يأتي العمر بأضرارٍ جسديةّ خطيرة، فإنّه يمكن أن يكون موعوداً بدينامية فكرية. فما يجعل تقدّم الفرد في السنّ يُعاش بشكلٍ جيد هو مسار الحياة بأكملها.

هنا وفي كلّ مكان، يمكن قياس الأضرار التي تنجم عن تلك النظرة البيولوجيّة النزعة عن الكائن البشري، التي تتماهى مع العقيدة الليبرالية - وهي التي تعتبر الإنسان حيواناً مُبرمجاً جينياً ليصبح كائناً حسابيّاً فرديّ النزعة homo œconomicus-، في حين أنّ كلّ ما يصنع الشخصية (من اللغة وصولاً إلى الذكاء النقدي، ومن المهارات وصولاً إلى الوعي الأخلاقي) يستقي جذوره من العلاقات الاجتماعية التي يتّبعها كلّ شخص على طريقته خلال حياته، وليس على خارطته الوراثية.

هكذا يبدو الشخص عرضةً للتشويه مُسبقاً بسبب المفردات المُعتمَدة. حيث يشيرون إليه من خلال تعابير "الشيخوخة"، "المُسنّين"، و"الأكبر سناً"؛ واليوم يستخدمون أكثر فأكثر تعبير الـ"seniors".. وهو تلطيفٌ نموذجيّ، لأنّ كلمة "seniores" باللاتينية تعني بكلّ بساطة "المُسنّين". بالتالي يتمّ التعامل مع ثلاثة عشر مليون شخصٍ في فرنسا على أنهم مجرّد فئة ديموغرافية، على أساس أحوالهم الشخصية؛ حيث يتمّ بدايةً تطبيع هذه المسألة الإجتماعية-البيوغرافية الضخمة والحثّ على التفكّر بها من خلال التعابير الإيديولوجية الخاصة بالتقدّم بالسنّ؛ في حين أنّ المسألة برمّتها تقضي بتنظيم مستقبل "المُتقاعدين" على الصعيد الاجتماعي، والدلالة عليهم باسمهم الاجتماعي الحقيقي.

ويقتضي الانتقال من الحكم المُسبَق على التقدّم بالسنّ إلى النقد الاجتماعي، النظر عن كثب - على مستوى أبعد من الطبّ البيولوجي الذي لا يمكن طبعاً التنديد بأهمّيته - إلى المؤسّسات الاجتماعية التي تفرض المنطق البيوغرافي، وأوّلاً إلى أكبرها حجماً: أي سياسات الشركات الرأسمالية في مجال "الموارد البشرية". فيا له من تناقضٍ مدهشٍ؛ ففي حين ارتفع معدّل الحياة في فرنسا منذ السبعينات، عشرة أعوام، تراجع في المقابل معدّل الحياة المهنية اثنتي عشرة سنة!، حسب سيرج غيران [7]. ففي غالبية الشركات الفرنسية، ستُصبح عجوزاً بدءاً من سنّ الأربعين. ويشير سيرج غيران إلى أنّ "عالم الشركات يجعل اليوم من العاملين بأجر الذين يفوق عمرهم الخامسة والأربعين "متقدّمين في السنّ seniors" قبل الأوان، ويحرمهم بشكلٍ خاصّ من حقّهم في التأهيل". فهم بالتالي يحاولون التخلّص منهم، بفضل مجموعةٍ من التدابير التي تتراوح بين التقاعد المُبكِر والتسريح: "ففي فرنسا، يبلغ معدّل نشاط الفئة العمرية بين 55 و64 سنة (38.3 في المئة)، وهو من أضعف المعدّلات في أوروبا". هكذا تتحوّل نهاية الحياة المهنية إلى كابوس بالنسبة الى مئات الآلاف من الخمسينيّين، وتبدأ بذلك مرحلة التقاعد بأسوأ طالع.

تحرير تعاقب الأعمار الاجتماعية

فهل يتمّ تقدير خطورة هذه المأساة الاجتماعية والإنسانية؟ فبما أنّ معدّل الحياة وفق نمطٍ جيّد يبلغ ويتخطّى سنّ الثمانين، فسنّ الخمسين هي، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، سنّاً مفتاحيّة يتمّ خلالها الانتقال من الحياة المهنية إلى تلك "الحياة الثالثة" الناشطة، ألا وهي "التقاعد"؛ شرط أن يكون من الممكن تطوير نشاطات أخرى خلالها، مُثقلة بمهاراتٍ جديدة غنيّة على الصعيد الإنساني. غير أنّ هذه الفئة العمريّة تتعرّض، على مرأى منّا، لسوء معاملة يصعب تحمّلها، بسبب إدارات "الموارد البشرية" من أجل أرباح القطّاع الخاصّ. وقد اكتشف الكثيرون في الآونة الأخيرة، مع سلسلة عمليات الانتحار في شركة "فرانس تيليكوم" للاتصالات France Télécom، ما تسبّبه "إدارة الأعمال الإرهابية الطابع" من "قتلٍ للعمل". لكن إعادة النظر في الدكتاتورية التي تمارسها المردوديّة الماليّة برقمين من شأنها أن توسّع نظرتها أكثر: حيث إنّ مُجمل المحدِّدات الحياتية، من إمكانيّات الحصول في البداية على وظيفة إلى حين سنّ التقاعد ضمناً، تتعرّض للتضيّق والإزعاج.

والأزمة الحالية ليست ماليّة فقط، وإقتصادية، إجتماعية، وبيئية، بل هي أيضاً أنثروبولوجية. فالجنس البشري، بقيمه وتواجده الحضاري، مُهدَّدٌ بسبب المنطق المتصلّب الذي يجعل من كلّ نشاطٍ فكريّ أو جسديّ بضاعةً، تكون إمّا مربحة أو غير صالحة للاستعمال.

وفي المستقبل، سيُحصى في فرنسا أكثر من عشرين مليون متقاعد: فما هو الوضع الذي ينتظرهم، إن كانوا قد انتظروا في غالبيّتهم سنوات قبل الحصول على وظيفةٍ أولى مقبولة، ثمّ خاضوا حياةً مهنية تسلب الإرادة، قبل بلوغهم سنّ الخمسين القاتِمة التي تُفضي إلى مرحلة تقاعد مُنتقَصة على كافّة الأصعدة، في حين أنّهم سيتحمّلون أعباء استغلال سوق "المتقدّمين في السنّ"؟ وهل سيكون التداعي السريع لحياة الناس أسرع من ذوبان جليد القطب، وألاّ يهدّدنا ذلك بكوارث على القدر نفسه من التخريب؟ حيث أنّ المحافظة على القدرة الإبداعية مع التقدّم في السنّ، لدى بعض الأشخاص المعروفين، لم تمثّل استثناءات بيولوجيّة؛ بل تُظهِر ما يمكن له أن يتحوّل إلى قاعدة، شرط "تأمين الظروف إنسانيّاً" للجميع، كما كان يقول كارل ماركس وفريدريك انغلز [8].

ويقضي الأمر بتحرير كافّة الفئات العمرية الاجتماعية نهائياً: تأمين تأهيلٍ أوّلي عالي المستوى للجميع؛ ووضع حدٍّ لبطالة الشباب؛ وتحرير العمل في العمق من الاستلاب؛ وتنظيم ضمانٍ دائم للعمل و/أو للتأهيل؛ والانتقال دفعةً واحدة من دوامٍ حرّ يؤمّن قليلاً من المكاسب الشخصيّة المعنويّة إلى حياةٍ خارج إطار العمل غنيّة بالتأهيل؛ وتسهيل إلى أقصى الحدود لعمليّة تحضير الخمسينيّين لحياتهم ما بعد العمل، وبالتالي فتح المجال واسعاً أمام إمكانية خوض عشرات الأعوام الناشطة بطريقةٍ مختلفة، لا تخضع لمحدِّدات الاستغلال، بل لنظامٍ توزيعيّ صلب بين الأجيال لمعاشات التقاعد، يعاد تقييمه استناداً على إعادة توزيع أكثر عدلاً للثروات، ويرتبط بمعدّلات الأجور. هذا ما قد يمكن أن يجعل من فرنسا في العام 2040 ما هو نقيض دولةٍ عجوز.

يجب إذاً اختراع نمطٍ حقيقيّ لـ"التقدّم في السنّ بشكل جيّد"، من شأنه أن يولّد السعادة البشريّة مجدّداً، ويخلق في الوقت نفسه فعّاليةً إجتماعية عالية، بهدف تغيير حياة العدد الأكبر من الناس الذين ينتجون الثروات التي يستفيد منها آخرون. حيث يترتّب على تطوّرات الطبّ البيولوجي ثورةً ديموغرافية مع ارتفاع معدّل الحياة؛ ويتطلّب هذا الانخراط، بطريقةٍ سلميّة إنّما نضالية، في ثورةٍ إجتماعية-بيوغرافية حقيقيّة، وإلاّ سنشهد ظاهرةً واسعة من "التقدّم في السنّ بحالة سيّئة".


* فيلسوف. أصدر مؤخراً الجزء الثاني من كتاب Penser avec Marx aujourd’hui, intitulé L’homme ? (La Dispute, Paris).

[1] خصّصت لوموند ديبلوماتيك كثيراً من المقالات حول الموضوع، آخرها كان: بيار كونسيالدي: " تغيير نوع العمل لتمويل معاشات التقاعد"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، ايلول/سبتمبر 2008؛ http://www.mondiploar.com/article22... ؛ وقبله: انطوان ريمون: "إصلاحٌ" نهائي لأنظمة التقاعد... قبل الذي يليه"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الاول/ديسمبر 2007؛ يمكن الرجوع أيضاً إلى : Jean-Christophe Le Duigou et Jean-Marie Toulisse, L’Avenir des retraités, L’Atelier, Ivry-sur-Seine, 1999 ; Paul Boccara et Catherine Mills (coord.), Les Retraites – Des luttes immédiates à une réforme alternative, Le Temps des Cerises, Pantin, 2003.

[2] Psychologies, Paris, octobre 2009, p. 68-89.

[3] انظر المقال المؤسّس لشارلوت بوهلر " Le cours de la vie humaine », Journal de Psychologie, Paris, 1932, p. 818-829.

[4] Simone de Beauvoir, La Vieillesse, Gallimard, Paris, 1970 ; réimpression, 2007.

[5] اقرأ: الإنسان؟ في المجلد الثاني من كتاب سيف: "التفكير اليوم مع ماركس"، بانتين 2008. الفصل المتعلق بليف سيمينوفيتش فيجوسكي والكسيس ليونتييف.

[6] Les Carnets de Lucien Lévy-Bruhl, Presses universitaires de France, Paris, 1949.

[7] Serge Guérin, La Société des seniors, Michalon, Paris, 2009, p. 59.

[8] اقرأ: كارل ماركس وفريدريك انغلز "العائلة المقدسة"، الناشرون الدوليون، باريس 1972، صفحة 158.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان