آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010

جاك روبو

عناد الشعر

فنٌّ يقاوم تشويهه

الشعر هو هذا النوع الذي نجتهد لرؤيته هناك حيث لا يكون - في غروب الشمس وفي المناظرات وفي التشنّجات الاستعراضية لفنّان - والذي لا نراه حيث يتواجد: في المواجهة بين الشاعر واللغة. يضعه ضئل أهميّته الاقتصادية في الظلّ؛ ولكن مع ذلك تواصل المجموعات والعروض والمواقع التي خصّصت له ازدهارها؛ بل تُخبئ مفاجآت جميلة لأولئك الذين يختارون عناء تدريب بصرهم وسمعهم عليه.

الواقع

الآن وقد استقرّ القرن الحالي (القرن الواحد والعشرون) بثبات، نشهد انحساراً متزايداً للشعر في الصحافة: إذ قد يمرّ عام بكامله دون أن يتناول ملحق الكتب في صحيفة "لوموند" Le Monde des livres كتاباً واحداً جديداً في الشعر الفرنسي المعاصر؛ ولا تهتمّ به المكتبات، التي خلت غالبيّتها من الرفوف المُخصّصة لهذا النوع الأدبيّ، ولا التلفاز (لكن الأمر كان كذلك في القرن السابق). حتّى أنّ هنالك نوع من الحرج منع السلطات الثقافية، حتى وقتٍ قريب، من الإقرار بالعواقب التي يمكن أن تنتج عن هذه الظاهرة الاجتماعية. لكنّها في النهاية انقادت للأمر، ربّما دون أن تدرك ذلك.

مثالان: كانت المكسيك مدعوّة لمعرض الكتاب الأخير في باريس، فتمّت استضافة مجموعة من المؤلفين. لم يكن بينهم شاعر واحد. ولا شاعر أيضاً بين الكتّاب الذين تمّ إرسالهم في الربيع إلى الولايات المتحدة لتمثيل الأدب الفرنسي المعاصر. نلاحظ أيضاً أنّ لجنة جائزة نوبل للآداب التي أرادت تتويج كاتب فرنسي في العام 2008، قد اختارت روائياً [1] (وهذا خيار مُشرّف تماماً)، لكنّها تجاهلت أهمّ الشعراء الفرنسيّين الأحياء، إيف بونفوا.

ينجم عن هذا الوضع، أو من الأجدر القول بأنّه هو نتيجة شبه الغياب الاقتصادي للشعر؛ على الأقلّ بالنسبة إلى الشعر الذي يتمّ تأليفه حالياً. لا يمكن بيع الشعر، إذاً لا أهميّة للشعر. طبعاً ليس هذا النوع الأدبي هو الوحيد الذي يشهد على تداعي "حصّته في السوق" الثقافية المعاصرة؛ إذ يطال ذلك الرواية والأدب بشكل عام وحتّى الكتاب. لكن الشعر يشكّل المثال الأقصى لهذا الامّحاء.

من المسؤول؟

منذ حوالي قرنٍ من الزمن، تُنسَب مسؤولية هذا الوضع، بإصرارٍ مؤثِّر، إلى الشعراء أنفسهم. حيث يتمّ اللجوء دائماً إلى مجموعةٍ من الاتّهامات لتفسير وتبرير اللامبالاة التجارية: الشعراء المعاصرون عصيّون على الفهم؛ إنّهم نخبويّون؛ وهذه الممارسة رجعيّة وتنتمي إلى الماضي. والشعراء نرجسيّون؛ لا ينقلون ما يحصل فعلياً في العالم؛ ولا يتدخّلون لتحرير الأسرى ولمحاربة الإرهاب؛ ولا يطرحون حلاًّ للشرخ الاجتماعي؛ ولا يفعلون شيئاً لإنقاذ العالم. بل إنّهم لا يتكلّمون لغة الجميع... وغير ذلك. ولهذه الأسباب، ليس لديهم قرّاء؛ وبالتالي ليس عليهم سوى أن يلوموا أنفسهم.

لا يفيد أبداً التعليق على تلك الاتّهامات. فلنقُلْ فقط ما يلي: إنّ الذي يهتمّ بالشعر، ويحبّ ويعرف هوغو، وبودلير، ورامبو، وأبولينير، وإلويار، وشار وميشو مثلاً، لكنّه يجد شعراء زمنه عسيرين، لا يقرأهم، ولا يفهم لماذا هنّ أو هم يكتبون بطريقةٍ لا يفهمها، يجد نفسه في وضعٍ مماثل لمن يُرغَم على البقاء في السرير لشهر لإصابته بمرضٍ خطير، ثم يرى في نفسه، عندما يتماثل للشفاء، صعوبةً كبيرة في السير على قدميه، أو حتّى في الوقوف. كما أنّ وضع قارىء الشعر الذي توقّف عن قراءته، مماثل لذلك: فكلّما قرأنا أقلّ، كلّما تراجعت قراءاتنا، وإذا ما حاولنا صدفةً قراءة شيءٍ ما، سيبدو لنا عصيّاً على الفهم.

بيت الشعر العالمي الحرّ

الأوضاع الذي أتينا على وصفها قد أثّرت على الشعراء أنفسهم؛ وبطرقٍ مختلفة، لن أحاول هنا استنباطها من بعضها البعض. فالخطوة الأولى لـ"انهيار الشعر" قد أتت على تسريع التطوّر الشكليّ، الذي كان قائماً منذ زمن طويل. فقد كان هنالك البيت الشعري الحرّ الموحَّد للسرياليّين الذي حلّ مكان الشعر الموزون والمنظوم التقليدي؛ ثمّ تدميره من قبل الحركة الطليعية في الستينات (دوني روش) واعتماد البيت الشعري العالمي الحرّ الذي لاقى رواجاً كبيراً، والذي استورد من الولايات المتحدة كالعديد من المنتوجات سواه: فالبيت الشعري العالمي الحرّ هو بيتٌ شعري؛ بلا وزنٍ أو قافية، يتجاهل بصورةٍ عامة ميّزات التقليد الشعري المكتوب بلغةٍ معيّنة؛ فهو "يعود إلى السطر"، مُتفادياً فسخ الجمل بصورةٍ قويّة. هكذا يمكن تأليف أبيات شعر عالميّة حرّة في كافّة اللغات تقريباً. وما النفع من ذلك؟ أنّه يصبح من الأسهل تفادي "الرسوم الجمركية للترجمة"، القاسية والتي تثبط عزيمة الناشرين والمُترجمين؛ كما يتمّ التفلّت من الانعزال داخل "حدود اللغة المحكيّة"، المُخيف في زمن العولمة.

وما يزال البيت الشعري العالمي الحرّ موجوداً بقوّة على الساحة الشعريّة العالمية، في كلّ مهرجانٍ دولي، وكلّ عمل أنطولوجي أو مجلّة. قيوده الشكلية ضعيفة نوعاً ما؛ ممّا يؤدّي إلى انزلاقٍ نتلمّسه أكثر فأكثر نحو مرحلةٍ (قصوى؟) للتطوّر الشكلي: مرحلة لم يعد يُعتبَر البيت الشعري فيها ضرورياً. فغالباً ما كنتُ ألاحظ وجود نزعة، منذ تسعينات القرن المنصرِم، إلى إخفائه عند القراءة أو عند الإلقاء، من قبل عددٍ كبيرٍ من الشعراء الذين كانوا يقرؤون شعرهم كما لو كان نثراً؛ نثرٌ مُزخرفٌ على الصعيد الخطابي بالصوت، لأنّه من الضروري إبراز طابعه الشعري. في هذه الظروف، لمَ لا يكتفون بتأليف النثر؟ الشعر، وهذا ما يمكن تلمّسه بشكلٍ خاصّ لدى أكثر الشعراء حداثةً في فرنسا والولايات المتحدة، حيث يُكتَب بشكل مقاطعٍ نثريّة قصيرة، لكنّ طابعها السردي ليس جليّاً: هكذا يصبح غياب النسيج السردي الواضح هو العلامة الوحيدة للانتماء إلى النوع الشعري.

أما زلنا نستطيع أن نسمّي أنفسنا شعراء؟

لكن ما النفع، وسط هذه الظروف، من الإصرار على الانتماء إلى فئة "الشعراء"؟ هنا غالباً ما تكون الإجابات متناقضة وغامضة. إذ يؤدّي الضعف الذي يطال الشعر على المستوى الاقتصادي - وهذه نتيجة طبيعية للنموذج الاجتماعي الذي يعيش فيه الشاعر، على غرار سواه من الناس - إلى ازدراءٍ مُعلَنٍ نوعاً ما من قبل هذا العالم إزاء من يتجرّؤون على المطالبة بصفتهم كشعراء. حيث لا يتطرّق الشعر كثيراً إلى الأحداث غير المُسليّة التي تحصل في كلّ مكان (وفي الواقع لا أعتبر أنّ هذا هو دوره)؛ لكن في حال تجرّأ صدفةً على القيام بذلك، فسيردّون عليه، كما كان ستالين ليردّ على شخصٍ يحدّثه عن معارضة البابا لسياسته: "الفاتيكان؟ كم فيلقاً بإمرته؟" فبالنسبة الى العالم، وإلى "الصفحة الرابعة في الصحف"، أن تكون شاعراً لا يعني شيئاً في الحقيقة.

هكذا يُقال اليوم بأنّ الشعر، هذا الشيء النبيل، لم يعُد أبداً هو ما يصنعه الشعراء. فهم لم يعودوا أهلاً له. إذ أنّ الشعر قد أضحى في مكانٍ آخر: في الأغنية، وفي غروب الشمس، وفي الرواية.. الخ. ذلك أنّ الشعر، بالنسبة إلى العالم، لم يعُد مُمكناً إلاّ في حال تمّ إيجاده في المكان الذي لا يوجد فيه. وهذا ما يمكن تسميته، تحريفاً لتعبير يانيك ليرون، بـ"مفعول الشبح". فقد مات الشعر نسبة إلى كافة المساعي العملية، لكنّ هيبته لا تزال موجودة؛ ويمكن (لكن في شكلٍ لا يشبه كثيراً شعر الشعراء) استخدامه مثلاً في "ثقافة الشركات".

وليس مُستغرباً بالنسبة الى الكثيرين في أيامنا هذه، أن يثير اتّخاذ صفة الشاعر شيئاً من السخرية، بل حتّى المعابة. فتأثيرات التفكيك الشكليّ الذي أتينا على ذكرها، تترافق مع شعورٍ بانعدام التكيّف مع العالم، ومع رغبةٍ شرعيّة بالحصول على اعتراف المجتمع، كي تحمل عدداً كبيراً من الشعراء على عدم تقديم كتبهم ضمن فئة الشعر، وعلى إنكار صفتها الشعرية، الأمر الذي لا يمنع هؤلاء أنفسهم، أو ناشريهم، من تقديم طلبات التمويل لـ"مركز الآداب الوطنية"، إلى لجنة "الشعر".

ومن ثمّ، من ثمّ يؤدّي كلّ ذلك حتمياً إلى انتقال شعراء مُمتازين، أُثبطت عزيمتهم لعدم التجاوب مع أعمالهم (انعدام المبيعات، إضافةً إلى وجوب انتظار سنة أو سنتين كي تُنشَر أعمالهم خارج إطار دور النشر الصغيرة، أو على حساب الكاتب، والصمت الذي تلتزمه الصحافة... الخ)، لممارسة نشاطات أخرى: الرواية، المسرح، السينما أو الأوبرا.

منتجات بديلة

وبما أنّ الشعر غير مُجدٍ في إطار السهرات الاجتماعية، أي أنّه غير قابلٍ للبيع، بالٍ، رجعيّ، ونشاط لغوي قديم الطراز، ونوع أدبي مُحتضر، إعتقد الكثير من أصحاب العقول المستنيرة بأنّ اختفاءه ليس بالأمر السيّىء. وبأنّه يجب، من الآن فصاعداً، تخصيص مكانه لنتاجٍ بديلٍ جديد، متحرّرٍ من إرث الماضي الأدبي؛ نتاج يكون باختصار "حديثاً تماماً". فهذا ما سعت إليه في الماضي الحركة التي نصّبت نفسها طليعيّة، مُستبدلةً إيّاه بـ"النصّ". وقد اختفى "النصّ" دون ترك أيّ أثر؛ لكننا لاحظنا ظهوراً ثانياً حديث العهد له تحت شكل "الوثيقة الشعرية".

تظهر "الوثيقة"، من خلال هذا التعريف الثنائي، على أنّها شكلٌ جديدٌ لـ"النصّ"، تسعى لمنحه صفةً أكثر جدّية، ليست على ما يبدو ميتافيزيقية الطابع بقدر سلفها، بل تكاد تكون علمية. لكنّ روّاد هذا النوع الأدبي الجديد، الأقلّ تطرّفاً من أسلافهم في الستينات، قد أسندوه بالصفة "الشعرية". وقد حاولوا تبرير استخدام هذه الصفة، التي تُوحي إلى الكثيرين بالشعر بالشكل المُتواجد عليه في لغات أوروبا كافة منذ قرون، من خلال منطقٍ إشتقاقيّ لكلمة شعر. ففي كتابٍ صغير مُفيد، تحت عنوان La Preuve par l’étymologie [2]، أظهر جان بولهان في الماضي الطابع الهزليّ لهذا النوع من المنطق (الذي يلجأ إليه بعض الفلاسفة بإفراط)؛ إذ يستند على فرضيّة غير قابلة جداً للتصديق: أنّ معنى كلمةٍ ما يتطوّر على مرّ القرون بصورةٍ مُتوازية تماماً مع المادّة اللغوية التي تشكّلت منها هذه الكلمة في الأساس. وفي حال "الوثيقة الشعرية"، تُستخدَم الصفة التي يتمّ تفسيرها إشتقاقياً، لمنح "الوثيقة" أثر "مفعول الشبح" لكلمة "شعر".

على شبكة الانترنت

قد يبدو نتيجةً لمّا سبق قوله أنّ أيام الشعر قد باتت معدودة. مع ذلك فإنّ الاهتمام بالشعر لم يختفِ، بين مجموعة الأشخاص الذين لم يعودوا، تقريباً، يقرؤون الشعر، والذين بدؤوا حتّى يفقدون شيئاً فشيئأً صفة القرّاء. حيث يمكننا الحديث، تحريفاً لعنوان كتاب بول فورنيل ("الحاجة إلى ركوب الدرّاجة [3]") أنّ هناك "حاجة إلى الشعر". فالتطوّرات التقنية التي تسمح بإصدارات قليلة الكلفة، خاصّةً عبر التوسّع السريع لشبكة الإنترنت، مع تكاثر المواقع والمدوّنات الإلكترونية، تشجّع التعبير عن هذه الحاجة. وطبيعة الشعر نفسها، حيث تُكتَب في قصائد تكون عموماً صغيرة الحجم، يجعل الاطّلاع عليها على الشاشة أسهل بكثير من الرواية مثلاً (فهل قرأ أحدٌ رواية A la Recherche du Temps Perdu على شاشة حاسوبه؟). ولن أحكم مُسبقاً على مستقبل الكتاب الإلكترونيe-book ، الذي يعِدوننا به باستمرار منذ عدّة أعوام، والذي لم يُضمن نجاحه كثيراً بعد. لكنّ "السوق"، هذه الشخصية الفائقة القوّة التي تحكم العالم، تحضّر له الطريق، مثلاً بدءاً بإفراغ المكتبات العامة من كتبها (التي تزداد أعدادها المُباعة على الإنترنت)؛ وعلينا الإشارة إلى أنّنا نجد كمّيةً أكبر من الأشعار على الشبكة، وبأنّ الشعر قد طال، بحكم ذلك، أعداداً أكبر من القرّاء مقارنةً مع الكتب، كونه لم يعُد يباع.

في الوقت نفسه، تكاثرت القراءات الشعرية واللقاءات الخاصّة، التي غالباً ما تحظى بمجموعات قيّمة من المُستمعين. وهنا يلعب الاقتصاد مرّة أخرى دوراً في هذه الظاهرة: إذ اكتشفت العديد من البلديّات أنّ دعوة شاعرٍ أو إثنيْن أقلّ كلفةً بكثير من دعوة مُغنٍّ وأوركسترا أو باليه. وضمن هذا الإطار، وجدت "الحاجة إلى الشعر" أسلوباً تعبيرياً فريداً من نوعه: وهو الـ slam (أيّ المناظرة الشعريّة).

الـ”سْلام” (المناظرة الشعرية)

يتمّ التعبير عن "الحاجة إلى الدرّاجة" عبر امتطاء واحدةٍ منها بشكلٍ أفضل من مشاهدة سباق فرنسا للدرّاجات على التلفاز. وهذا ما يُثبته النجاح الذي حقّقه البرنامج العام لتأجير الدرّاجات الهوائية Vélib’ في باريس. بالطريقة نفسها، تجد الحاجة إلى الموسيقى منفذاً لها في غناء "الكاراوكي Karaoké" (مع الموسيقى المسجّلة) وحضور الحفلات الموسيقية، لكن لا شكّ أنّها تتحقّق، بشكلٍ أفضل، من خلال المشاركة الفعّالة في فرقةٍ غنائية أو مجموعة موسيقى الروك. وقد أتى اختراع الـ”سلام” slam، أقلّه في البداية، بناءً على فرضيّة واضحة: أنّ كلّ شخصٍ شاعرٌ ضمنيّاً. فيمكن للجميع إذاً أن "يكون شاعراً". حيث يُقال بأنّ الـ”سلام” هو "فنٌّ شعبي شفهي ومفخَّم، يُمارَس في الأماكن العامة كالمقاهي أو مراكز الجمعيّات، بشكل لقاءات ومناظرات خطابية".

وقد استخرجت من تقديمٍ للـ”سلام” المقطع التالي: "تعني كلمة "سلام" Slam باللغة العاميّة الأميركية "الصفعة"، "التأثير"؛ وقد أُخذت من عبارة "slam a door"، التي تعني حرفياً "صفق الباب". وضمن إطار الشعر الشفهيّ والعام، يقضي الأمر بالتقاط المُستمع من أذنيه و"صفعه" بالكلمات والصور، لصدمه والتأثير به. وهناك تفسيرٌ آخر للكلمة أعطاه مؤسّس هذه الحركة، مارك سميث، أثناء مداخلته في العام 2005 في مباراة الـ”سْلام” الوطنية الكبرى في مدينة نانت: إذ يشرح بأنّ اختياره لهذا التعبير يعود إلى دلالته الرياضيّة والحيويّة، نظراً لتقاربه مع تعبير "Chelem" (المباراة الكبرى في رياضة كرة المضرب، وكرة السلّة، والبريدج.. الخ.)".

ويجب الإشارة إلى الكثير من الخصائص التي تتميّز بها ممارسة الـ”سْلام” في فرنسا:
-  إنّها شفهية.
-  ولا تسعى أوّلياً لتحقيق مسعى فنّي؛ وهذا برهان، بحسب مؤسّسيها، على طابعها "الديموقراطي": حيث كان هدف سميث هو "زعزعة مبدأ النوعية في الشعر: فبعض الأشخاص الأعضاء في لجنة تحكيمٍ يتمّ اختيارها اعتباطياً، يعبّرون عن ذوقهم الخاصّ". وهنالك الكثير من الأمثلة التي يمكن الاطّلاع عليها وقراءتها أو الاستماع إليها على شبكة الإنترنت، التي تُظهر أنّ تأليف الـ”سْلام” هو بشكلٍ عام حاجة استعراضية (وهذا لا يعني بأنّه لا يمكن بهذه الطريقة انتاج شعرٍ بالمعني الاعتيادي للكلمة).
-  مبدئياً، الـ”سْلام” فنٌّ إرتجالي. وهو يجدّد بذلك الروابط مع الشعر الشعبي التقليدي.
-  يُفترَض به أن يُعيد إحياء "نوعٍ أدبيّ قديمٍ عائد الى القرون الوسطى: المُساجلة الشعرية tenson (الأوكسيتانية التي كان يمارسها الشعراء الجوّالون في جنوب فرنسا، التروبادور)، التي يتبارز خلالها شاعران في مناظرة خطابية حول موضوعٍ يتمّ تحديده مُسبقاً".

ولكن هذا التسلسل العريق يرتكز على تفسيرٍ خاطىء: إذ كانت المُساجلات الشعرية التي مارسها التروبادرو تتطلّب الكثير من المعرفة وجمهوراً قادراً على تقديرها. الأمر سيّان بالنسبة إلى الشعر التقليدي المُرتَجل، الذي كان يرتكز على ممارسات قديمة جداً، تستخدم أشكالاً معقّدة ومقيِّدة. من المستحيل التشبّه اليوم بتلك النماذج، نظراً إلى الجهل العام للشعر الذي كان يُؤلّف في السابق والآن. لذا لا نعثر ضمن إنتاج الـ”سْلام” سوى على نثرات من الشعر الكلاسيكي تجرّدت من كافة شروط وجودها، أي الأوزان والتقطيع. أمّا القافية فخرجت من سُباتها العميق، لكنّها سقطت إلى أدنى موقعٍ لها، كما هي موجودة في وظائف المرحلة الدراسية الابتدائية. هكذا نعثر في هذا السياق على بعض الذكريات المدرسية المُتلاشية، كما نتلمّس، بشكلٍ خاصّ، التعبير عن أكثر المشاعر سطحيّة، والانفعالات التي لا يمكن تمييزها عن تلك التي تقدّمها المسلسلات التلفازيّة الميلودرامية. ولنلاحظ بأنّ هذا المنحى "الدلاليّ" للـ”سْلام” يُظهره كتحريفٍ وتردٍّ لغناء "الراب"، الذي لا يعتبر نفسه شعراً؛ كما حصل في الماضي عندما ولد الروك من تحريفٍ لموسيقى البلوز.

الضجيج (Vroum vroum)

ولا شكّ أنّ الـ"سْلام" لا يشكّل خطراً كبيراً على ممارسة أكثر رقيّاً للشعر؛ لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الظاهرة التي أسمّيها هنا بـ"الضجيج" (Vroum-vroum). إنّها اجتياح حقل الشعر من قبل ما سُميّ بـ"الشعر الأدائيّpoésie de performance"، الذي ينحى، بالتعاون الوثيق مع "الفعّاليات الثقافية" في القطاعين العام والخاص، المشغوفة بـ"العرض الحيّ"، إلى التحوّل إلى النمط الشعري المفضّل، ما يقصي المكتوب لمصلحة المحكيّ. فقد بدأنا نرى في التظاهرات التي تعتبر نفسها "شعرية"، كالمهرجانات العالمية للشعر، أعداداً متزايدة من الـ"شعراء" الذين يقتصر النشاط الذي يعرضونه على الجمهور بصفة "شعرٍ"، على التدحرج إلى أسفل السلّم، وتمزيق دليلٍ هاتفيّ ضخم على المسرح، وإصدار مقاطعٍ صوتية غريبة ورائعة، بفضل المساعدة الالكترونيّة، دون النطق بكلمة واحدة. وعندما يتمّ الاستعانة باللغة، فيترتّب على نقلها إلى الورق، في العديد من الحالات، نصٌّ سخيف، كما يحصل بالنسبة إلى العديد من أغاني البوب والروك أو غيرها، في حال تمّ تجريده من الموسيقى.

إنّ كافة تلك الإنتاجات مُشرِّفة، بل تكون مدهشة أحياناً، وأحياناً أخرى ذات نوعية فنّية عالية، إنّما نادراً (الأمر ليس مُستغرَباً)؛ لكن لماذا تُسمّى "شعراً"؟ لماذا لا تُسمّى موسيقى وألعاب قوى أو لحن أوبرالي أو عرض بهلواني أو اسكاتش، وأغنية أو باليه، أو حتّى تعرِّ (ستريب تيز)؟ فأحد الأعمال الذي يعتبره أتباع الـ"vroum-vroum" من رموز هذه الظاهرة، هو عرض "Ursonate" لكورت شويترز، يعرض نفسه تحديداً على أنّه موسيقى وليس شعراً؛ بحيث يمكننا عرض الفرضيّة التالية: لا شكّ أنّ الغياب شبه التام للشعر من الواقع الاقتصادي هو الذي يسمح بهذا التحريف السخيف. فـ"شاعرٌ" من هذا النوع، يقدّم أصواتاً فقط، لن يخشى المُنافسة الشرسة التي قد يواجهها في حال أراد فرض نفسه على الساحة الموسيقية.

القراءة والإلقاء

لست نبياً ولا أعرف ما إذا كان الـ"vroum-vroum" سيصبح هو الشكل الشعري الوحيد المعترَف به. ولكن دون الوصول إلى هذه الحالة القصوى، يبدو لي أنّ هنالك خطراً (أنا أعتبره خطراً) في أن نشهد على هيمنةٍ ساحقة للبعد الشفهي للشعر، على حساب الكتاب وحتّى على حساب الشاشة. إذ سيكون ذلك بمثابة بترٍ وتراجع. حيث أنّ هنالك في فرنسا اليوم شعراً، كما كانت الحال عليه دائماً؛ وشعرٌ ممتاز. وسواء كان صعباً أم لا، يتحدّث عن كلّ شيء، عنكم، عن لا شيء؛ يخترع، يجدّد، يُدهِش، ويسحر. نجده في الكتب، في المجلاّت، في التسجيلات الصوتية، وفي الفيديو. ونجده في المكتبات (إنها موجودة) التي لم تتخلّى عن عرضه، ودعمه، وبيعه. إقرؤوه، إنسخوه، إحفظوه، كما كانوا يفعلون في السابق.

ما كتبته للتوّ هو دفاعٌ عن وجهة النظر التالية: بأنّ الشعر يقيم في لغةٍ معيّنة، وأنّه يُصنَع من الكلمات؛ فلا وجود للشعر دون كلمات؛ وبأنّه على القصيدة أن تكون نتاجاً لغوياً فنيّاً ذي أربع أبعاد، أي أن تُوضَع في الوقت نفسه لورقة، ولصوت، ولأذن ولرؤيةٍ داخلية. فعلى الشعر أن يُقرأ ويُلقى.


* شاعر، ألّف خاصّةً Churchill 40 et Autres Sonnets de Voyage, Gallimard, Paris, 2004.

[1] راجع: جان ماري غوستاف لو كليزيو.

[2] انظر: . Jean Paulhan, La Preuve par l’étymologie (1953), Le Temps qu’il fait, Cognac, 1998.

[3] راجع: Paul Fournel, Besoin de vélo, Seuil, coll. «Points », Paris, 2002.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان