آداب ومراجعات > كانون الثاني/يناير > 2010

قراءات

أنيسيه موب

الكونغو، عملاق تحت الوصاية

بعد خمسين عامٍ على استقلاله

تبدو المآسي وانعدام الاستقرار حصّة جمهورية الكونغو الديموقراطية التي رتبط اسمها غالباً بالحرب التي لا تنتهي شرقي أراضيها. ويفسح كتابان ينطلقان من معطيات صلبة ووقائع غنيّة، المجال لفكّ رموز الوضع في بلد البحيرات الإفريقية الكبرى، الذي سوف يحتفل بالعيد الخمسين لاستقلاله عام 2010.

تولّى تيودور تريفون، مدير المركز البلجيكي للخبرات حول وسط إفريقيا (ECA - Creac) في بروكسل، تنسيق كتاب "الإصلاح في الكونغو، انتظارات وخيبات" [1] Réforme au Congo. Attentes et désillusions الذي يحلّل التأثيرات - المفيدة أو الكارثية - للتدخّل الدولي في جمهورية الكونغو الديموقراطية. فانتصارية المسؤولين التي تغذّيها بعض الصحافة الوطنية والأجنبية، لا تحجب الفشل الذريع للمساعدات الأجنبية. فهذا الدعم الذي أفسده سوء إدارة المؤسّسات الدولية، قد تعرّض للاضطرابات أيضاً بفعل المنافسة بين المفوضية الأوروبية من جهة، حيث بعض الدول معنيّة بتوسيع الاتحاد الاوروبي شرقاً أكثر من اهتمامها بمصير بلدٍ إفريقيّ، و البلدان الحريصة على تأكيد أو تعزيز مواقعها في القارّة السوداء من جهة أخرى.

ومن خلال وقوعهم بين فكَّي الانفلات الأمني والعنف الاجتماعي المتفاقمَين بسبب اقتصادٍ إجرامي واستدانة مفرطة متصاعدة، يجد الكونغوليون أنفسهم محرومين من الرافعات التي تسمح لهم بالتأثير على توجّهات حكومتهم. وتتوزّع مسؤولية هذا الوضع بين "المجتمع الدولي" والنخب المحليّة المهتمّة بتثمير مردود توظيفاتها تحت الرعاية الأجنبية أكثر منه بالدفاع عن مصالح الكونغو الحيويّة.

لكن الدراسة التي نسّقها تريفون، وبالرغم من دقّة تحليلها، تبقى محصورة ضمن النطاق الثقافي النيوليبرالي. أضف إليه أن انعدام التوازن المذهِل بين الباحثين الكونغوليين (واحد) والأجانب (تسعة) يؤمّن ضمانةً فكريّة لمعاملة وسط إفريقيا معاملة الأطفال.

"من الحرب الى الانتخابات. صعود جوزف كابيلا وولادة الجمهورية الثالثة" De la guerre aux élections. L’ascension de Joseph Kabila et la naissance de la troisième république [2] يقدّم عناصر جديدة لفهم جمهورية الكونغو الديموقراطية، من خلال إعادة رسمٍ دقيقة لحبكة تاريخٍ يصنع في الحاضر. وإذ تبدأ القصة في كانون الثاني/يناير 2001 مع صعود السيد كابيلا إلى رأس الدولة، فهي تنتهي مع حصول الانتخابات العامة في تموز/يوليو 2006 التي يعتبرها المؤلّف بمثابة معجزة. الكتاب رواية ومرجع التحليل الأساسي.

ويستأنف الكتابان الصادران ضمن سلسلة "دفاتر إفريقية" التابعة للمتحف الملكي لوسط إفريقيا في ترفورين (بروكسل) تقليد "مركز الأبحاث والمعارف الاجتماعية-السياسية" (Crisp) البلجيكي الذي كرّس العديد من الدراسات لتاريخ الكونغو: كتابات متعدّدة تهتمّ أيضاً بالممارسات الاجتماعية وروح الابتكار عند الفرقاء المحلّيين الرافضين لأشكال الاستعباد كلّها [3].

كتابة ودراسة وتدريس تاريخ الكونغو... لكن أيّ تاريخ؟ هكذا يدعونا كلّ من غي دو بوك وايزيدور ندايويل إلى تحليلٍ نقديّ للتأريخ الاستعماري البلجيكي بغية (إعادة) قراءة ذكيّة لكافّة جوانب ومندرجات المأساة الحالية [4]. فطوال عقود من الزمن، عمدت كتب التاريخ الكونغولي التي كتبت في بلجيكا، إمّا إلى إنكار أو الى تخفيف العنف الاستعماري. ولاحقاً، سيستفيد الجنرال موبوتو من تلك الوسائل لتصنيع رؤية للتاريخ مناسبة لعظمته.

وتتيح القراءة المقارنة لهذه الكتب التخلّص من ميثولوجيات عتّمت على الذاكرة الكونغولية. هكذا قد نستعيد معنى التاريخ الذي يمثّل ثلاثة آلاف عام من المغامرة البشرية...


[1] Theodore Trefon (sous la dir. de), Réforme au Congo (RDC). Attentes et désillusions, Musée royal de l’Afrique centrale -L’Harmattan, Tervuren-Paris, 2009, 275 pages, 30 euros.

[2] Gauthier De Villers, République démocratique du Congo, de la guerre aux élections. L’ascension de Joseph Kabila et la naissance de la troisième république, Musée royal de l’Afrique centrale -L’Harmattan, 2009, 478 pages, 42 euros.

[3] Xavier Mabille (sous la dir. de), Le Crisp, 50 ans d’histoire, Crisp, Bruxelles, 2009, 165 pages, 12,50 euros.

[4] Guy De Boeck, Les Héritiers de Léopold II ou l’Anticolonialisme impossible, Dialogue des peuples, Bruxelles, 2008, 3 volumes, 1 500 pages, 75 euros ; et Isidore Ndaywel, Nouvelle Histoire du Congo. Des origines à la République démocratique du Congo, Le Cri – Afrique Editions, Bruxelles, 2009, 744 pages, 35 euros.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان