"طوباويّات متداعية"
إرغام الحيّز على تنظيم التدفّق السكاني وحياة المجتمعات الحضرية: يكفي إعلان هذه الغائيات لاستكشاف كلّ ما تحتويه الهندسة العمرانيّة من إمكاناتٍ تحرريّة، أو على العكس استلابية. فمن المدن ما قبل الكولومبية إلى المدينة المحظورة في بكين، ومن المهندس الروماني فيتروف إلى الفرنسي فوبان، ومن لوكوربوزييه إلى أوسكار نيماير في القرن العشرين، تجسّد المدينة التناقض بين "طوباويّة" البنّائين وثقل العلاقات الاجتماعية. بحيث يطلق الفيلسوف الفرنسي لويس ماران تسمية "الطوباويّات المتداعية" على المشاهد التصويرية التي "تتحقّق فيها الايديولوجيا في شكل أسطورة". وينطبق هذا التعريف على العديد من الحاضرات métropoles الكبرى في يومنا هذا...
لاس فيغاس
"أسواق الشرق الأوسط لا تحوي يافطات ، أما الـ"ستريب strip" ( وهو الجاّدة الشهيرة في قلب مدينة لاس فيغاس) فهو ليس عمليّاً سوى يافطات إعلانيّة. (...) وفي شوارع المدينة القروسطية الضيقة، وبالرغم من وجود بعض اليافطات، كان الإقناع يحصل أساساً عن طريق النظر والشمّ: عبر أبواب ونوافذ المخبز، حيث كان يمكن رؤية وشمّ قوالب الحلوى (...). أمّا هناك فلا تحوي الواجهات المطلّة على الشارع التجاري أيّة بضاعة. أحياناً، يسجّل عليها عرض اليوم المُغري (...). وتخفي العربات المتوقّفة نصف المبنى نفسه المتراجع عن الطريق، على صورة القسم الأكبر من المحيط المديني. (...) هكذا البضائع والهندسة منفصلان عن الطريق؛ فتبرز اليافطة لتربط السائق بالمتجر؛ وبعيداً، يسوّق منتجو الطحين والمواد المنظّفة الوطنيين لبضائعهم على يافطاتٍ كبيرة ملتوية باتجاه الطريق السريع. فقد تحوّلت الإشارة البيانية في الحيّز هي نفسها إلى هندسة هذا المشهد. (...) تتلاصق نشاطات متنوعة في الـ"ستريب": محطّات الوقود، فنادق صغيرة وكازينوهات بكلفة ملايين الدولارات؛ ثمّ تظهر هنا وهناك، مع التقدّم في السير نحو وسط المدينة، كنائسٌ لإقامة الزيجات ("نحن نقبل بطاقات الائتمان")، هي كناية عن "أكواخ" صغيرة تغيّرت وجهة استخدامها، بعد أن أضيفت إليها أبراج أجراسٍ مزيّنة بالأنوار". Robert VENTURI, Denise SCOTT BROWN & Steven IZENOUR : L’Enseignement de Las Vegas, Mardaga, Wavre (Belgique), 2008.
دبي
"في نظام الأمير-رئيس مجلس الإدارة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، المستبدّ المستنير البالغ من العمر 58 عاماً، تحوّلت دبي إلى الايقونة المعولمة الجديدة للهندسة العمرانيّة الطليعية. (...) وفي الواقع، كأنّ الأمر هو أنّ كتاب روبرت فانتوري المرجعيّ في أحوال الواقعية المفرطة، "دروس لاي فيغاس"، قد تحوّل بالنسبة لأمير دبيّ إلى ما هي عليه تلاوة القرآن في نظر المسلمين الاتقياء. فكما يروي لضيوفه، إن أكثر ما يعتزّ به هو إدخال "المجمّعات السكنية المغلقة gated communities" بالأسلوب الكليفورني إلى بلاد الخيم والبدو الرحّل. وبفضل هذا الشغف المفرِط بالحديد والإسمنت، تحوّل شاطئ الإمارة الصحراوي إلى "دارة تكامليّة circuit intégré" تُدعى النخب العابرة للأوطان من مكاتب الدراسات ومروّجي الصفقات العقارية من أجل أن تصل بها أكثر أقطاب التنمية التكنولوجية حداثةً، ومجمّعات الترفيه، والجزر الاصطناعية، و"الجبال المثلّجة" داخل أغطيةٍ زجاجية، والضواحي السكنيّة على طراز برنامج "ترومان شو" التلفازيّ. (...) فدبي، هي حاضرة الألف مدينة ومدينة، تنشر باتّجاه السماء هندسةً منفوخة بالهرمونات (...) وإذ تقارن غالباً بلاس فيغاس ومانهاتن وأورلاندو وموناكو وسنغافورة، فإن الإمارة هي كلّ ذلك معاً، لكن بحجم الأسطورة: محاكاة استيهامية لأحدث ما وصلت إليه ضخامة الأحجام وقلّة الذوق".
Mike Davis, Le Stade Dubai du capitalisme, Les Prairies ordinaires, Paris, 2007
ديزني لاند
"إن ديزنيلاند هي طوباوية تستولي عليها الإيديولوجيا، بما أنّها تصوّر العلاقة الخيالية التي تقيمها الطبقة المسيطرة في المجتمع الأميركي مع الظروف الحقيقيّة لوجودها وتحديداً مع التاريخ الحقيقيّ للولايات المتحدة.(...) يوضع زائر ديزنيلاند في وضعيّة المرتّل الاحتفالي للسيرة الأسطورية لأصول مجتمعه المتعارضة. فهو يقلّد التناقضات بالإيماء في حاضر زيارته وحركاته الطقسية، ما يقوده من مغارة القراصنة إلى الغواصة النوويّة، ومن قصر الجميلة النائمة إلى الصاروخ الفضائي؛ ويقلب من خلاله ذلك، ضمن اللعب، موجبات الحياة اليومية، ليعيد التأكيد عليها عبر تشريعها وتبريرها عن طريق حركته المؤسِّسة. فنزهته سيرة متجدّدة للمرّة الألف لتجانس الأضداد الكاذب وللحلّ الوهمي لتوتّرها المتعارض. فالزائر من خلال "تمثيله" لطوباوية ديزني "يحقّق" إيديولوجيا الطبقة المسيطرة، كما السيرة الأسطورية التأسيسيّة للمجتمع الذي يعيش في كنفه".
Louis Marin, Utopiques : jeux d’espaces, Les Editions de Minuit, Paris, 1973