حريّة التعبير
غالباً ما يكون الاعتراف بحريّة التعبير إحدى الخطوات الأولى تجاه الديمقراطية. فهذا المطلب المشترك بين أنصار الليبرالية السياسية وأنصار الجمهوريّة يعد صنواً لحرية الضمير، ويتعارض مع طبيعة العقائد الراسخة غير القابلة للزحزحة: عقيدة الملَكيّة (جريمة إهانة الذات الملكية)، والدين (التجديف). هكذا يقول "فيغارو" ساخراً بلسان بومارشيه: "إذا لم أتناول السلطة ولا العبادة ولا السياسة ولا الأخلاق ولا الحكّام ولا الهيئات القائمة ولا الأوبرا ولا باقي الفنون المشهدية ولا أيّ أحدٍ يمت بصلةٍ ما إلى أي شيء، فسيمكنني أن أطبع ما أريد بحريّة، تحت أعين رقيبين أو ثلاثة".
ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان من بين ما امتازت به الثورات الإنكليزية والأميركية والفرنسية الاعتراف بحريّة التعبير، محققةً بذلك جزءاً من برنامج عصر التنوير. وتوفِّر جميع النصوص الوطنيّة والدوليّة الضامنة لحقوق الإنسان مكانةً مميزة لهذه الحريّة: من قائمة الحقوق البريطانية في عام 1689 (حريّة الكلام والنقاش في البرلمان، حريّة رفع المذكّرات) إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في عام 1948، مروراً بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في عام 1963. ومن اللافت للنظر أن حرية التعبير ترِدُ بين الحريّات الأولى التي ألغتها الأنظمة الاستبدادية، لاسيّما عن طريق إلغاء الرقابة على الصحافة والفنون. بيد أنه إذا كان مبدأ حريّة التعبير مقرٌّ ومحصّنٌ، فإنّ حدود هذه الحرية ما زالت خاضعة للنقاش. الولايات المتحدة، وحدها، لا تضع لها أي حدود. فالتعديل الأول على الدستور الأميركي صريحٌ جداً: "لا يجوز أن يسنّ الكونغرس أي قانونٍ يحدّ من حرية التعبير أو حريّة الصحافة". والمحكمة العليا ترفض باستمرار النصوص التي تسعى لحماية الأحداث مستخدمي الإنترنت. وفي الواقع، لا وجود لحريّةٍ مطلقة، لأن أيّ حريةٍ لا تُمارَس إلا في إطار القوانين التي تنظّمها باسم المصلحة العامة. ففي فرنسا مثلاً، تخضع المنشورات الموجّهة إلى الشباب إلى نظامٍ خاصٍ يعود إلى العام 1949، يحظّر أي تشجيعٍ على اللصوصية أو التخاذل أو السرقة. بيد أن هذه القيود المشرّعة بدقّة تنزعُ إلى الزوال، لاسيّما تحت تأثير أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: فهذه المحكمة قد أدانت في عام 2001 المرسوم الصادر في العام 1939 والذي يعطي وزير الداخلية سلطةً واسعةً لمنع المنشورات الأجنبية.
ولقد تجدّد في الآونة الأخيرة النقاش حول ممارسة حقّ التعبير. فإضافةً إلى بروز التقنيات الجديدة، هناك عواملٌ سياسيةٌ تساهم في ذلك. فالتشريعات الهادفة إلى محاربة الإرهاب (ومنها القانون الوطني في الولايات المتحدة Patriot Act) تنصّ على اتهاماتٍ غامضة تعزّز دور الحكومات الرقابيّ. كما أدّى الظهور المتجدّد لأحزاب اليمين المتطرِّف إلى معاقبة بعض التصريحات، مثل إنكار المحرقة اليهودية. فبعض المؤرخين الذين تخوّفوا مما اعتبروه عودة لمفهوم الـ "حقائق الرسميّة"، أطلقوا نداءً الـ19 من أجل حرية التاريخ في وجه جميع القوانين المتعلّقة بالذاكرة. فهل تمرّ ضرورة مكافحة العنصريات بتبنّي ترسانةً قانونيةً جديدةً تحدّ من حرية الكلام؟
وتأتي التأكيدات الدينية الجديدة لتزعزع بدورها بناء حرية التعبير. فالمؤمنين من كلّ الأديان يحاولون، منذ بضع سنوات، منع الأفلام ("تجربة المسيح الأخيرة" لمارتن سكورسيزي) أو الكتب ("الآيات الشيطانية" لسلمان رشدي و"مجمع الحبّ" لأوسكار بانيزا) أو رسوم الكاريكاتير الصحافية (رسوم النبي محمّد (ص) في الدانمرك). ويعتبر بعض المسؤولين والمثقّفين أنه يجب مراعاة "المشاعر الدينية"، لاسيّما الطوائف الأقليّة، في حين يستنكر البعض الآخر العودة إلى جرم التجديف.
تجري هذه النقاشات في الوقت الذي تجتاز فيه الأفكار والتصوّرات السياسية أزمةً لا يعود من السهل معها تأكيد المصلحة العامّة المحدّدة لمجموعةٍ من الحقوق المقبولة من الجميع. آنياس كالاّمار التي ترأس جمعية "المادة 19" (من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تحمي حريّة التعبير) تدافع عن مفهومٍ مطلقٍ لهذه الحرية. فبنظرها، ستستفيد السلطات القائمة من أي تقييد، حتى ولو كان نابعاً عن حسن نيّة.
* المديرة التنفيذية لجمعية "المادة 19" (Article 19)