جرائم دون عقاب في افغانستان
لورنس جوردان
Laurence JOURDAN
"ان جميع الاشخاص الذين ادلوا بشهاداتهم في هذا الفيلم عرّضوا حياتهم للخطر. وهؤلاء الشهود الذين يمنعهم الرعب من اظهار وجوههم عند الكلام، مستعدون للشهادة في اطار تحقيق دولي مستقبلي اذا توافرت لهم الضمانات حول امنهم الشخصي”. هذا ما ذكّر به في 19 تشرين الثاني/نوفمبر جايمي دوران، المخرج البريطاني للفيلم الوثائقي بعنوان "مجزرة في افغانستان، موكب الموت” (١). بعدما عرض فيلمه امام البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ، اعلن المخرج ان اثنين من الشهود قد تعرضا للاغتيال كما تم تعذيب غيرهما منذ حزيران/يونيو 2002.
وتلافيا للاخطار قرر جايمي دوران عرض فيلمه في 12 حزيران/يونيو 2002 امام نواب من البرلمان الاوروبي من اجل تأمين حماية الشهود ومواقع المجازر المفترضة في صحراء دشت ليلي في شمال افغانستان وحيث يعتقد انه تم دفن 3000 من “طالبان” الاسرى لدى قوات تحالف الشمال بقيادة الجنرال عبد الرشيد دوستم في تشرين الثاني/نوفمبر 2001، لكن عبثا.
ليس فقط لم يُفتح اي تحقيق رسمي بل تعرض كل شاهد فضح اعمال التعذيب التي ارتكبها امراء الحرب، للتهديد والتعذيب والخطف او الاغتيال. وذلك بالرغم من وجود قوة دولية مكلفة السهر على "اقامة الديموقراطية" في البلاد، وبالرغم من معرفة هيئات الامم المتحدة بما جرى. ففي اسلوب ديبلوماسي، أقر احد المسؤولين الدوليين في مقابلة مع صحيفة “ذا غارديان” (٢) انه "بالرغم من عدم تقديم البرهان على جميع الادعاءات فلدينا ما يكفي من الادلة ان مشكلات جدية قد حصلت”. هذا أقل ما يقال. يوضح جايمي دوران في فيلمه الوثائقي ان الامم المتحدة تخشى في واقع الحال "على سلامة عناصرها والولايات المتحدة ترفض ان تلاحق بتهمة ارتكاب جرائم حرب مفترضة”.
لكن نظرا الى العلاقات المميزة التي تقيمها مع الجنرال دوستم فإن الولايات المتحدة وحدها القادرة على الضغط من اجل وقف الارهاب المسلط على الشهود. لكن هل لها مصلحة في ذلك؟ ألم يتهمها هؤلاء عندما رووا كيف اقدم الجنود الاميركيون على ارتكاب اعمال التعذيب في حق اسرى الحرب من “طالبان”؟ كان جواب البنتاغون (٣) انها "ادعاءات لا اساس لها من الصحة”. بعد مرور عام على الاحداث لا يزال الاميركيون هم القوة الرئيسية في تلك المنطقة من افغانستان وما زال رجال دوستم يخرقون حقوق الانسان من دون التعرض لاي عقاب...
"عندما طردت الولايات المتحدة “طالبان” في تشرين الثاني/نوفمبر 2001، أمل الافغان بعهد جديد من الديموقراطية واحترام حقوق الانسان... لكن هذا الامل لم يترجم". هذا ما يلاحظه "مرقب حقوق الانسان" Human Rights Watch في تقريره حول القمع والعنف في غرب افغانستان (٤). وفي نظر المنظمة الاميركية غير الحكومية، "على الامم المتحدة وممثليها التزام الدفاع عن حقوق الانسان في افغانستان لكن من الواضح انهم لم يفعلوا ذلك”.
مع بقاء الاتهامات الموجهة الى الجنرال دوستم بارتكاب "جرائم حرب" حبرا على ورق، فإن الارهاب الذي ينشره امير آخر من امراء الحرب في حيرات غرب البلاد لا يثير اي استنكار ولا اي رد فعل.
فبالرغم من الوجود العسكري الاميركي والايراني في تلك المنطقة، "فإن اسماعيل خان الذي اطلق على نفسه لقب امير حيرات يحكم المدينة بقبضة من حديد"، على ما يقول "مرقب حقوق الانسان". وكان هذا النقيب السابق في الجيش الافغاني يحكم المدينة عام 1992 لكنه فر الى ايران مع وصول “طالبان” عام 1995 ليعود في تشرين الثاني/نوفمبر 2001 بدعم مالي وعسكري من قوات التحالف.
ان الرجل الذي يقول عنه وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد انه "متعقل ومعتدل وأهل للثقة" قد "لطخ يديه بالدم" بحسب "مرقب حقوق الانسان" الذي يوضح في تقريره ان الممارسات اليومية تقوم على الاعتقال والتعذيب والتعنيف الجسدي والتهديد والاضطهاد (خصوصا في حق الاقلية البشتونية) ومنع حرية التعبير والتمييز ضد النساء. ويضيف: “ماذا تغير في افغانستان؟ لقد خابت جميع آمالنا... فأمراء الحرب هم انفسهم والاصولية تحكم مجددا وتترسخ يوما بعد يوم”.
واذ يطالب "مرقب حقوق الانسان" بتوسيع نطاق عمل قوة الامن الدولية لتشمل البلاد كلها وتضمن احترام حقوق الانسان، فإنه يدعو القوات الاميركية والايرانية لحماية المواطنين المهددين. وطالبت المنظمة غير الحكومية الرئيس حميد قرضاي بإرسال بعثة تحقيق الى حيرات بمساندة بعثة الامم المتحدة في افغانستان (٥) مشددة على ضرورة حماية الشهود.
حيرات، مزار الشريف... للمرة الثانية في غضون اشهر قليلة طالبت المنظمات
غير الحكومية بحماية الافراد الذين كانت لهم الشجاعة للشهادة ضد الفظاعات
والاعتداءات التي ارتكبها امراء الحرب. ويلاحظ في هاتين المنطقتين وجود قوي
للقوات الاميركية المنتشرة هناك باسم المعركة من اجل الديموقراطية... اما
الامم المتحدة التي تعرف تماما مناخ الارهاب السائد في شمال افغانستان كما
في غربها، فإنها لا تبدو على عجلة من أمرها لوضع حماية حقوق في رأس سلّم
اولوياتها، كما يلاحظ "مرقب حقوق الانسان”.
|
http://www.mondiploar.com/ |