جنوب غرب آسيا في صلب الهجوم الاميركي
بول ماري دولاغورس *
Paul-Marie DE LA GORCE
تندرج الاستراتيجيا الاميركية ضمن ثلاثة اطر مختلفة تتطابق جزئيا: السياسة التي جرى تحديدها بعد الحرب الباردة لمنع اعادة انبعاث اي قوة منافسة شبيهة بما كان عليه الاتحاد السوفياتي (من هنا السعي الى اضعاف روسيا)، الحرب الشاملة على الارهاب والدول المساندة له وايضا هؤلاء الذين قرروا امتلاك اسلحة الدمار الشامل او سبق لهم ان امتلكوها، واخيرا الحرب التي اعلنت في 7 تشرين الاول/اكتوبر 2001 ضد افغانستان مع ما استتبعها من ارتدادات. وتتطابق هذه الاطر الثلاثة الى حد كبير مع الحيز الجغرافي القائم بين كل من العالم الآسيوي والصيني والهندي والسلافي والعربي والذي يشير اليه الخبراء الاميركيون بمفهوم "الجنوب الغرب الآسيوي”.
كان مسرح العمليات في حرب افغانستان معروفا اذاً من المسؤولين الاميركيين وبدا وكأنهم حققوا اهدافهم بعد تشتيت آخر مجموعات “طالبان” ورجال “القاعدة” وفرارهم، ومع قيام سلطة في كابول يترأسها ولو اسميا حميد قرضاي. لكن ابتداء من شهر آب/اغسطس 2002، اعلن الجنرال تومي فرانكس قائد العمليات العسكرية في افغانستان ان القوات الاميركية باقية "لوقت طويل جدا . وتضم هذه القوات ما بين 7 آلاف و8 آلاف رجل ومن الاخبار القليلة المتسربة حول نشاطاتهم يكمن الاستنتاج بأنهم يبقون اغلب الاوقات داخل معسكراتهم في غياب المعلومات التي من شأنها مساعدتهم في مطاردة الناجين من مجموعات “طالبان” و”القاعدة”. من جهة اخرى لا يزال حبل الامن مختلا في نصف الاراضي الافغانية تقريبا وخصوصا في مناطق الباشتون.
وكان حوالى الالف من وجهاء البشتون اجتمعوا في بيشاور قبيل الحملة العسكرية الاميركية وطالبوا بخروج عناصر “القاعدة” من افغانستان كما ابدوا معارضتهم التدخل العسكري الاميركي. وادى هذا الفصل الى فشل محاولات تشكيل حكومة ترتكز على الباشتون بديلة من حكومة “طالبان”. وهكذا تغيّر مسار الحملة.
ففي الايام الاولى ركّز الاميركيون نيرانهم على مستودعات المعدات والذخائر والوقود الخاصة بـ”طالبان” لكنهم شددوا على قوات تحالف الشمال دعم التحرك. وقد دفع الفشل في محاولات تشكيل حكومة ذات اكثرية باشتونية بواشنطن الى تكثيف قصفها على المدن المستهدفة بالهجوم الارضي مثل مزار الشريف وكابول وجلال اباد وقندهار. وقد دخل تحالف الشمال الى هذه المدن دون معارك تقريبا بينما لم ينجح التحالف في المناطق الباشتونية وحيث لم تبرهن الوحدات المحلية المجندة عن الحماسة والروح القتالية المطلوبتين.
هكذا يكون الهدف المنشود قد تحقق جزئيا فقط لان المطلوب كان التدمير الكامل لـ”طالبان” وتنظيم “القاعدة” والقبض على زعمائهما. وخير دليل على هذا النجاح الجزئي تشكيلة الحكومة الجديدة التي يهيمن عليها الاوزبك والطاجيك وبنسبة اقل الهزاره (الشيعة) وضعف سلطة الرئيس حميد قرضاي واختلال الامن في القسم الاكبر من البلاد بما فيها العاصمة. اضافة الى ذلك فإن سهولة عبور الحدود بين افغانستان وباكستان والسلوك المشترك للباشتون في طرفي الحدود قد اكد ان جميع المناطق الباشتونية غير خاضعة لسلطة الحكم الجديد في كابول ويمكن ان تقوم فيها حرب عصابات تستند الى قواعد خلفية في باكستان.
حرب افغانستان اصبحت ايضا حرب باكستان. وكانت الاشارات الاولى في الاعتداءات على المقرات الديبلوماسية الاميركية ومن ثم اقفالها والعملية الارهابية التي اودت بحياة 11 تقنياً فرنسياً من البحرية في كراتشي في الثامن من ايار/مايو 2002 . بالنسبة الى الولايات المتحدة كان التزام الرئيس برويز مشرف الكامل الموقف الاميركي ورقة رئيسية لكن غير كافية. والبرهان جاء في نتائج الانتخابات التشريعية في العاشر من تشرين الاول/اكتوبر حيث وبالرغم من فوز الرابطة الاسلامية اي حزب الرئيس فوزا كبيرا في المناطق التي له فيها قواعد شخصية وقبلية، تفوقت الاحزاب الدينية المتحدة في "مجلس الايمان" في مناطق الباشتون المتاخمة لافغانستان كما في اقليم بلوشستان المجاور.
لكن الاحزاب الاسلامية المتطرفة المنضوية في هذا الحلف تحمل ثقافة اقرب ما تكون الى توجه “طالبان”: "جماعة علماء باكستان" الاصولية المتشددة، "جماعة أهل الحديث" ذات التوجه الوهابي، "الملة الجعفرية في باكستان" التي تضم الطائفة الشيعية والمجموعات الاكثر تطرفا داخل "جماعة علماء الاسلام" والتي يدير احد زعمائها الشيخ سميع الحق احدى اشهر المدارس القرآنية في البلاد في اكورا خطاق حيث درس كل من الملا عمر واسامة بن لادن. ويعلن نائب رئيس "مجلس الايمان"، القاضي حسين احمد، رغبة حزبه في ازالة القواعد الاميركية من الاراضي الباكستانية واخراج بلاده من الحلف "المناهض للارهاب" الذي اقامته الولايات المتحدة، مضيفا انه يسعى الى بسط "الشريعة الاسلامية الكاملة" في المناطق التي يسيطر عليها و"عدم القبول بالثقافة الغربية”.
ولا يختلف المناضلون في صفوف احزاب المجلس وخصوصا الشباب منهم في الجوهر عن هؤلاء المنتمين الى “طالبان” او “القاعدة” ويلتزمون شيئا فشيئا الكفاح المسلح الى جهتي الحدود. ولا يمكن تخيل نتائج ذلك في بلد ما زال بالرغم من الطابع الديكتاتوري لنظامه منقسما بين جماعات مستقلة الى درجة كبيرة وحريصة بقوة على خصوصياتها.
كل حرب هي بمثابة دوامة متشابكة تدفع الولايات المتحدة الى توسيع دائرة تدخلها في ما يتجاوز الاراضي الافغانية والباكستانية. فقد تم تعزيز القوات البرية المحمولة في قاعدة دييغو غارسيا في وسط المحيط الهندي، ووصل للاقامة في اليمن مئتا "مستشار" برهنوا عن قدرتهم العملانية عندما استطاعت طائرة من دون طيار اصابة سيارة على متنها ستة من مسؤولي تنظيم "القاعدة”. كما ارسلت وحدات خاصة بصورة سرية الى جيبوتي قبل ان يقام فيها مركز للقيادة العامة الاميركية مع اركانها والدوائر الملحقة بها. لا يهدف هذا الجهاز العسكري فقط الى متابعة الحرب على الجماعات الارهابية التي يمكن ان تكون قد تغلغلت في هذه المناطق ـ كما تبيّن ذلك في الاعتداء على ناقلة النفط الفرنسية "ليمبورغ" ـ حيث تجند الانصار وتستأنف نشاطاتها، بل ان المطلوب ايجاد البديل من القواعد العسكرية الاميركية في السعودية اذا ما اصر حكام هذا البلد على قرارهم عدم السماح باستخدامها للحرب ضد العراق. وحول هذا القرار صرح الامير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، انه ليس قرارا لا رجوع عنه.
يبقى الاساس بالنسبة الى السياسة الاميركية هو مسرح العمليات في جنوب غرب آسيا والحيزان المكونان له اي ايران والجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى. اما الاولوية التي يعطيها الرئيس بوش للحرب على العراق فإنها لا تحجب كون ايران لا تزال في صلب مشاريع واشنطن. فبإدراجها ضمن "محور الشر" مع العراق وكوريا الشمالية، فاجأ الرئيس الاميركيي العديد من المراقبين. ففي الحرب على “طالبان” كانت ايران اقرب الى الحليف للولايات المتحدة من خلال التسليح والتمويل لميليشيا الهزاره الشيعية المشاركة في تحالف الشمال. وجات هذه المساهمة لتشكل حجة استخدمتها الاوساط الديبلوماسية والاقتصادية وحتى البرلمانية الاميركية المؤيدة دائما للتقارب مع طهران. لقد بات هذا الخيار بعيد المنال اليوم.
لماذا؟ التفسير الاول يعود الى تحليل سلبي للنظام القائم في ايران (١). فالداعون الى مواجهة عنيفة معه لا ينكرون وجود مراكز قرار متعددة ومتناقضة بل هم يرفضون السلطة اي "ولاية الفقيه" التي تتحكم بمجمل الشأن العام والاجتماعي. ومرشد الثورة هو ايضا قائد الجيوش والاجهزة الامنية وحراس الثورة والميليشيات شبه العسكرية والمؤسسات القضائية و"أئمة الجمعة” (الذين يعبرون في مواعظهم عن توجهاته) وحتى الاذاعة والتلفزيون. من هنا يعتبرون الرئيس محمد خاتمي عاجزا عن التغيير في النظام (٢).
لكنهم يتحدثون قبل كل شيء عن سبب استراتيجي. "ان ايران عدوتنا الرئيسية وليس العراق، فإيران سوف تمتلك القنبلة الذرية في حدود العام 2005 ”. هذا ما صرح به بنيامين بن اليعازار، وزير الدفاع الاسرائيلي السابق ابان زيارته العاصمة الاميركية. ويشاطره المسؤولون الاميركيون الرأي عن حسن او عن سؤ نية لاقتناعهم بأنه اذا كان نظام الشاه رضا بهلوي قد خطا الخطوات الاولى لاقتناء السلاح النووي، فالنظام الاسلامي يمتلك دوافع اكبر لذلك. فطهران تشعر بنفسها محاطة بالاعداء القدامى او المحتملين والذين قد يملكون يوما ما ترسانة نووية: العراق، اسرائيل، باكستان، والولايات المتحدة في طبيعة الحال. ومن المفترض ان تعمل الاسلحة التي يصممها العلماء الايرانيون بواسطة الاورانيوم المخصب جدا والمنتج بواسطة بطاريات مركز التوليد التي سعت ايران فعلا للحصول عليها او على الارجح من خلال الفصل الكهرومغنطيسي للنظائر المشعة. كما تملك ايران 60 صاروخاً من نوع سكود ـ سي يصل مداها الى 500 كيلومتر تم شراؤها من كوريا الشمالية اضافة الى صاروخ "شهاب" وخصوصا "شهاب ٣” الذي يبلغ مداه 1200 كيلومتر و"شهاب ٤” الذي يمكن ان يصل الى جنوب اوروبا.
كل شيء يدفع الى الاعتقاد ان المسؤولين الايرانين ما زالوا يترددون امام ثلاثة خيارات: متابعة الابحاث حتى الحصول على المواد القابلة للانشطار ووسائل فعالة لاطلاقها وذلك تحسبا لاخطار خارجية محددة قد تجبرهم على امتلاك ترسانة نووية فعلية، بناء اسلحة نووية سرا على غرار اسرائيل او اجراء تجربة نووية في المستقبل على مثال الهند وباكستان. كلها فرضيات لا تقبلها واشنطن، فلا مجال لترك ايران تتحول الى قوة مهيمنة في المنطقة، ولا ان تضطر الولايات المتحدة لاعطاء انظمة الخليج الملكية ضماناً نووياً او ان تستخدم هناك قوتها التقليدية او النووية. فيكون الاستنتاج الممكن ان ايران قد تتحول في شكل من الاشكال الى حالة تطبيقية للعقيدة الاميركية الجديدة حول العمل العسكري الاحترازي (٣).
ليس في مقدور احد هناك تجاهل هذه النقطة. فكما ادت الحرب في افغانستان الى اضطراب في باكستان لا نشهد سوى اشاراته الاولى، فكذلك يمكن الحرب على العراق ان تثير ردودا ايرانية اقرب واكثر توقعا مما يعتقد. ان طهران لن تنجد الرئيس صدام حسين، لكن اذا اقدمت الولايات المتحدة على تطويق ايران في صورة كاملة من خلال وجودها العسكري في بلدان الخليج وباكستان وآسيا الوسطى وتركيا، مضافا اليها سيطرتها على العراق، فإن النظام الاسلامي سوف يمد يد العون الى الاحزاب والحركات المعارضة في باكستان وافغانستان. كما يمكنه الاعتماد على الشيعة لمنع النظام الجديد في العراق من الانضواء كليا في التوجه الاستراتيجي الاميركي. فدوامة الحرب المتوقعة ما بعد 11 ايلول/سبتمبر يمكن ان تتخذ اشكالا اخرى وابعادا اخرى.
لقد ادت الهجمة التي قامت بها ادارة بوش الى تعديل الرقعة السياسية والاستراتيجية في بلدان آسيا الوسطى، السوفياتية سابقا. ومثلت الاولوية التي سعت اليها السياسة الاميركية حتى الآن في منع تشكل قوة جديدة مشابهة لما كان عليه الاتحاد السوفياتي. فحاولت الولايات المتحدة بالتالي الحد قدر الامكان من اي وجود او نفوذ روسي في آسيا الوسطى كما في البلقان او القوقاز. وقد نجحت في مهمتها تلك بالاتكال على الحكومات والاحزاب والمنظمات ذات القاعدة المحلية والاسلامية. مقابل ذلك، وباسم الحرب على الارهاب، وقعت موسكو اتفاقا مع قرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان توسع ليشمل الصين وحمل اسم "مجموعة شنغهاي”.
اعتقد البعض ان اعتداءات نيويورك وواشنطن ستؤدي الى اعادة النظر في هذا كله. وقد سارع الرئيس بوتين الى الاعراب عن دعمه للولايات المتحدة التي قبلته واعلنت انها ستستخلص النتائج المناسبة خصوصا في اعطائها الاولوية من الآن وصاعدا لمكافحة الارهاب بعد ما قدمت ولوقت طويل في العالم الاسلامي عونا مدروسا للحركات والحكومات والاحزاب السياسية ذات التوجه الديني. لكن الاحداث اللاحقة بينت ان واشنطن لم تتخلَّ عن تحالفاتها وافضلياتها وعلاقاتها النابعة من سياستها السابقة كما انها لم تتخلَّ عن اهدافها.
هكذا صدمت ادارة بوش عمدا المواقع والمصالح الروسية في اربعة مجالات اساسية. فهي تخلت عن معاهدة الحد من الاسلحة البالستية الموقعة في العام 1972 والتي تحظر استخدام الدفاعات المضادة للصواريخ في الفضاء. وقد توسع حلف شمال الاطلسي ليشمل غالبية الديموقراطيات الشعبية السابقة ومنها ثلاث جمهوريات سوفياتية سابقة اي استونيا وليتونيا وليتوانيا. كما تمتد الترسيمة المعتمدة للانبوب المخصص لضخ قسم من نفط بحر قزوين من باكو الى شيحان فيمر كاملاً في جنوب سلسلة جبال القوقاز وبالتالي خارج الاراضي الروسية (٤). واخيرا وقّعت الولايات المتحدة مع جمهوريتين من جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة ـ وسيرتفع العدد قريبا الى ثلاث جمهوريات على الارجح ـ اتفاقات تضع قواعد موجودة في اراضيها في تصرف القوات الجوية والبرية المحمولة الاميركية في صورة دائمة. ففي ما يتعدى العمليات في افغانستان، يكون الهدف الطويل المدى ابقاء الوجود العسكري الاميركي في قلب منطقة جنوب الغرب الآسيوي.
تجاوزت جدلية الحرب اذاً ضرورات مكافحة الارهاب نحو تطوير الاغراض السياسية
والاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم.
ويمكن ان تقود غدا الى قيام توتر يدفع بواشنطن الى مواجهة محاولات موسكو
الاحتفاظ بمواقعها في منطقة واسعة ما زال وجود السكان الروس فيها كبيرا
بالرغم من تراجع عددهم، كما قد تواجه الاهتمام الصيني الذي لا مفر منه بهذه
الاصقاع. خصوصا ان حاجة الصين للطاقة سوف ترتفع في شكل كبير اذا ما استمرت
وتيرة نموها الاقتصادي على ما هي عليه خلال العقدين المقبلين
(٥). كذلك وعلى العكس يمكن هذه الجدلية
ان تفضي وبحسب رغبة بعض الاوساط النافذة في واشنطن الى توافق مدروس بين
القوى الاربع الكبرى ـ "الاربعة الكبار الجدد" كما يسمونهم ـ المعنية
بإدارة جنوب غرب آسيا، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند. ربما
يكون هناك محور العالم.
* صحافي، مؤلف De Gaulle, Perrin, Paris, 2000
Frédéric Tellier, ' L'Iran à l'heure du réformisme ', Politique étrangère, Paris, n? 3, 2002.
Mohammad-Reza Djalili, Iran : l'Illusion réformiste, Presses des Sciences Politiques, Paris, 2001.
3اقرأ
Ce dangereux concept de la guerre préventive ', Le Monde diplomatique, septembre 2002.
Marie Jego, ' Grandes man'uvres autour de la Caspienne ', Le Monde, 21 mai 2002.
Philip Andrews Speed, Xuani Liao, Roland Mannruther, The Strategic Implications of China's Energy Needs, Adelphi Paper, Londres, n' 346.
|
http://www.mondiploar.com/ |