"هاري بوتر" و"سيّد الحلقات"
الشر والطفل المخلص
لمناسبة اعياد رأس السنة يجتاح صالات السينما فيلمان هما "هاري بوتر والغرفة السرية" و"سيد الحلقات الفصل الثاني او القلعتان" وهما اقتباسان سينمائيان لروايتين حققتا نجاحا عالميا منقطع النظير. والمشترك بينهما ان البطل طفل او مرادف رمزي للطفل اي قزم "الهوبيت" وهو الوحيد القادر على انقاذ العالم من خطر يتهدده ويتمثل في الحرب. وكما لو أن الامر يتعلق بتحضيرنا لاحتمال النزاع المسلح، نشاهد "الخير" وهو يحارب مرغما جحافل الشر”.
ايزابيل سمادجا *
Isabelle SMADJA
حظيت رواية "هاري بوتر" لجوان كاتلين راولينغ والموجهة اساسا الى الصغار بحماسة الاهل في الوقت نفسه، ونجاحها ما زال مضطردا في اوساط البالغين. والواقع ان هذه الرواية المبنية حول فكرة الخطر المتعاظم للحرب وما تخلّفه من دمار، تدور حول طفل مكلف مهمة انقاذ العالم من الاهوال التي تتهدده وبالانطلاق لمحاربة قوى الشر. على الترسيمة نفسها تقوم رواية "سيد الحلقات" لجون رونالد تولكيين والتي يحوز اقتباسها السينمائي نجاحا لا مثيل له منذ صدور الكتاب في الاربعينات من القرن العشرين. فالمهمة شبه المستحيلة لانقاذ الكوكب من الخطر الذي يعرّضه له سورون، الشخصية المجسدة لقوى الشر، تقع على عاتق طفل او مرادف رمزي للطفل وهو قزم "الهوبيت" المفتقر الى الخبرة والذي لا يتجاوز طوله التسعين سنتيمترا ولا يزال تحت رعاية احد البالغين، الساحر غاندالف.
بالطبع، فإن موضوع المنقذ قديم جدا ولا يجهل احد ان المخلّص معدٌّ لهذا المصير الخارق منذ ولادته. فسيناريو الطفل المخلّص المتجدد هنا عريق في كلاسيكيته. مع الفارق الجوهري وهو ان يسوع او موسى... لا ينجزان مهمتهما الا عند بلوغهما سن الرشد واكتسابهما شيئا من الخبرة. ففي روايات الشباب المعاصرة لم يعد مطلوبا انتظار سن الرشد، فالابطال مدعوون لانقاذ العالم كأطفال وايضا كونهم اطفالاً (١) لماذا؟ اي ميزات واي فضائل سحرية يملكها الولد وليست في متناول البالغ كي نكلف الصغير عبر هذه الروايات مهمة الدفاع عنا وهي مهمة صعبة للغاية؟ اهي مجرد مسايرة لجيل يُحسد على ديناميته الشابة؟ ام نكاية بعالم الكبار الذي يثير الشكوك ولم يعد يعتبر قادرا على العطاء والغيرية؟
ان اختيار طفل لدور البطل يمثل ايضا على الارجح استجابة غير مباشرة للانطباع الذي يشعر به عدد كبير من البالغين من ان مكافحة الشرور التي تفتك بالكرة الارضية تتجاوز ارادة دولة واحدة، ومن باب اولى ارادة الافراد. ونشعر اكثر من اي وقت مضى وازاء الحجم الكبير للآفات المتلاحقة على شاشاتنا، بأننا اشبه بالاطفال في مواجهة عالم الكبار: فنحن مذهولون وغالبا خائفون ودائما مسحوقون. واذ تعرض لنا هاتان الروايتان، تارة "هوبيت" متواضعاً وخائفاً وضعيف القوام ينتصر على القوة العظيمة لسورون المتسلط الحائز امكانات غامضة وشريرة، وطورا يتيماً صغيراً يحارب بإصرار الديكتاتور الشرير فولديمور، فانهما تتيحان لنا قراءة ما نعجز عن تلمسه في الواقع، اي معركة داوود ضد غوليات او صغر حجمنا المنتصر على العمالقة.
هل يكفي هذا التحليل لتفسير النجاح الكبير الذي لقيه “هاري بوتر" او "سيّد الحلقات"؟ هل يوجد بين هاتين الحكايتين نقاط مشتركة اخرى من شأنها شرح اسباب نجاحهما المتزامن؟
يتناول "سيّد الحلقات" موضوع حرب عالمية يقودها تحالف سياسي ضد سورون، الديكتاتور الغاشم القاسي، والذي يعدّ العدة لارسال جيوشه لغزو الارض. كما يحكي ايضا عن شجاعة البعض وتصميمهم بالرغم من التهديد الجاثم عليهم من الفرسان العاملين في خدمة سورون، وهم مخلوقات عراة من اللحم ومع ذلك احياء يذكّر منظرهم بمنظر "موردور"، بلاد الشر التي تنتشر فيها معسكرات تشبه "معتقلات الموت”. ومع ان تولكيين رفض وجه الشبه هذا بإصرار فإن بعض الاشارات لا بد وان تذكّر بالحرب العالمية الثانية كما مثلا في تسمية "نازغي" ـ بين "النازي" وتسمية شرقية ما ـ التي يطلقها على عسكر سورون الرهيب.
ينهل "هاري بوتر" مادته ايضا من صدمة الحرب العالمية الثانية. فالشاب هاري تيتّم بسبب ديكتاتور قتل اهله ليتخلص من معارضيه الرئيسيين، هؤلاء الذين تجرأوا على مقاومته بالرغم من الارهاب الذي كان يمارسه. وبدافع الكراهية العنصرية ضد من يسري في عروقهم دم "البورب"، اي الذين لا يتحدرون من عرق "السحرة" الصافي، يعد فولديمور بالقضاء عليهم قضاء تاما عند وصوله الى السلطة. ان الاشارة الى النازية حقيقية ـ ولو ان العديد من قراء "هاري بوتر" لم يلحظوها ـ على الاقل في الحرفين الاولين أس أس من اسم سالازار سربنتار، الاب الروحي للطاغية.
تحكي رواية جوان كاتليين رولينغ ايضا كيف ان روديمون تمكن بعدما ضعف بفضل شجاعة البعض، من استعادة قوته شيئا فشيئا ليجمع حوله فرقة من الانصار. وفي نهاية الجزء الرابع الصادر اخيرا تبدو المواجهة وشيكة بين الشر المتجسد في فولديمور والخير على صورة "دومبليدور"، راعي هاري بوتر المؤمن بالقيم الديموقراطية والانسانية ومن بينها رفضه عقوبة الاعدام وتشكيكه في الوسائل القمعية اضافة الى ارادته نشر الثقافة والتربية.
لقد اعطى تاريخ الحرب العالمية الثانية الحق للتفسير الثنائي (الخير ضد الشر) للعالم. ففي ظل ديكتاتورية هتلر كان هناك الشر والحقد وارادة التدمير من جهة، والخير والشجاعة والقيم الاخلاقية من جهة اخرى. وتمثل البربرية النازية صدمة القرن العشرين الكبرى وتشكل حقيقة لا يمكن فهمها ولا تزال تدور حولها التساؤلات. يقول بول ريكور ان الوظيفة الاولى للمخيلة هي اكتشاف الحياة والسعي فيها في مختلف الاتجاهات بحثا عن معنى (٢). هذا ما تحاوله روايتا "هاري بوتر" و"سيد الحلقات" اللتان تقدمان لنا نموذجا مصغرا للكون تضعانه في متناول ادراكنا.
اما اللذة التي يشعر بها القراء البالغون فهي لا تأتي فقط من نكوص نفسي اذ لا نقرأ هنا مجرد "تكرار لطفولتنا" او نعيش مرحلة خروجنا من هذه الطفولة. بل المقصود قذفنا الى مستقبل متوعد بغية السيطرة عليه في صورة افضل او التحرر من هاجسه. انها الوظيفة التي يعطيها ليفي شتراوس للنماذج المصغرة: “تبدو الصورة المصغرة للشيء الكلي اقل تهديدا، فبسبب كونها منتقصة كميا تبدو لنا على اختزال نوعي. يمكن ادراك الحقيقة عبر المنمنمات وامساكها باليد وادراكها بنظرة عين واحدة” (٣). التمكن من تطويع العالم وادراكه وحصره وجعله اقل ترويعا من خلال نمنمته، تلك هي اذاً بعض فضائل هذه الروايات التي تبني، على غرار "هاري بوتر" او "سيّد الحلقات" عالما تسجن فيه الحياة داخل مادة واحدة.
ان مؤلف جوان كاتليين رولينغ هو في شكل خاص اكثر مدعاة للتطمين لانه وبسبب عدم اكتماله بالذات، ينجح في التسلل الى الواقع. فبينما تقفل باقي الكتب على نفسها ما ان تنشر او تنتهي كتابتها ولا تشارك بالتالي في الواقع الزمني، فإن رواية رولينغ ترتبط ارتباطا وثيقا بالحاضر كون تطور احداثها مفتوحاً وغير محسوم. وكون القارئ يجهل خاتمة مغامرات هاري بوتر فإنه يواجه حالة من عدم الاكتمال والتردد تتميز بها الحياة الواقعية وليس الروايات. خصوصا تلك التساؤلات حول القوى التي يمكن أن يستند اليها فولديمور من جهة ودومبلدور من جهة اخرى في حال اعلان الحرب، اي هذا الغموض الذي يشبه تماما ما يكتنف مستقبلنا اليوم.
لكن الحياة الحقيقية لا تنبئنا بما ينتظرنا في حين أننا نعلم شيئا اساسيا حول مغامرات هاري الا وهي ان الصبي سينتصر في نهاية المطاف والخير سينتصر على الشر. اذ لا يعقل ان تنهي مؤلفة "هاري بوتر" كتابها بانتصار فولديمور على هاري وانصاره. من هنا يأتي على الارجح قسم من النجاح: عدم اكتمال الرواية والتساؤلات والتوقعات التي تثيرها، تخلق حيزا على التخوم بين المتخيل والمعيش وتصل الى حد ادخال الخيال في الحقيقة. كما توهمنا بأن هناك في رواية رولينغ كما في الحقيقة ايضا، خالقاً يسيطر على خلقه وان الاذى الذي يلحق بنا قابل دائما للعلاج بالرغم من انفلات قوى الشر.
ولنغص بعيدا متسائلين: الا يتوافق نجاح هاتين الروايتين لدى البالغين في نهاية المطاف مع الحاجة الى الاطمئنان حول ميزان القوى الجيوستراتيجي في عالمنا الحاضر؟ فهل يعطي كل من "هاري بوتر" و "سيّد الحلقات" جوابا واضحا ولكن مختزلا جدا حول ما ينتاب عالمنا الحاضر من قلق كبير وتساؤل حول صحة المعركة بين الخير والشر كما يؤكدها مثلا الرئيس جورج والكر بوش؟ ام ان علينا الاقتناع بأن الثقافات والمجتمعات على اختلافها تولد القهر والظلم واشكال العنف، كلاً على طريقته؟
ففي حين نعرف جميعا مدى الدمار الذي تتسبب به الحروب ونعرف ايضا في المقابل خطورة التأخر في معالجة تصاعد النزاع العالمي، فإن قلة منا يمكنها تفادي هذه الاسئلة، وإن عدداً نادراً ايضا يمكنه الاجابة بصفاء وضمير كيف ان جزءا من الكرة الارضية احتكر لنفسه الخير والفضيلة والاخلاق...
الا يسعى القراء الذين يتهافتون على الروايات التي تبعث تاريخ النازية، الى اقناع انفسهم ولو في صورة لاواعية في الواقع بأن الرسم البياني الذي حدد المعركة مع المانيا الهتلرية لا يزال رسما ساري المفعول اليوم؟ الا تصدر هذه الروايات وتعرض هذه الافلام التي تقدم لنا اشخاصا يجسدون الشر في الوقت المناسب لتطميننا وانقاذنا من الشعور بالذنب؟ اما اقناعنا بأن احدى القوى المتصارعة كرست نفسها للشر والدمار فهذا ما يريح ضمير من يعلنون في كلا الطرفين قيام "صدام الحضارات”.
مختصر الكلام، هناك ما يثير القلق في التأثير الواسع لهذه الاعمال وكأن احتمال الحرب بات محسوما وكأننا في اللحظة التي تسبق مباشرة الذهاب الى المعركة. في تلك اللحظة الاخيرة قبل القرار وحيث وعلينا اقناع انفسنا بأن المعركة التي سنخوضها هي معركة الاخلاق والانسانية ضد قوى الشر. فنجاح هذه الروايات هو النذير بأننا قبلنا احتمال الحرب ولم يبقَ علينا سوى اقناع انفسنا بصحتها. ذلك انه ومن اجل الذهاب الى الحرب وارسال ابنائنا اليها علينا الاقتناع بأن بعض القوى تجسد الشر المطلق وعلينا محاربتها مهما كان الثمن. ان مغامرات "الهوبيت فرودون" و "هاري الساحر" تساعدنا على الاقتناع بتلك المعادلة من دون ان تلامس ازمة الضمير عندنا.
ربما اجبنا عن السؤال الاساسي: لماذا يكلف الاطفال هاري بوتر او فرودون خوض المعركة؟... لكن فجأة تتزاحم في ذاكرتنا جمل محفورة على نصبنا التذكارية: “الى ابنائنا الذين ماتوا في سبيل فرنسا" او "هيّا يا ابناء الوطن”.
* مؤلف كتاب
Harry Potter, les raisons d'un succès et Le Seigneur des Anneaux ou la tentation du mal, Presses Universitaires de France (PUF), Paris, 2001 et 2002.
١ يمكن اضافة روايات اخرى معاصرة الى كتابي رولينغ وتولكيين مثل
Le Passeur ou L'Élue للويس لووري وايضا ثلاثية ? la croisée des mondes لفيليب بولمان حيث تتصدى فتاة وحيدة لوالدها الشيطاني وتمنع تدمير الكرة الارضية.
Paul Ric'ur, Le conflit des interprétations, Paris, Le Seuil, 1969.
La pensée sauvage, Plon, Paris, 1962, p.38.
|
http://www.mondiploar.com/ |