طبع المقال
تحميل المقال

هذا الافتتان القاتل بالدولار

ميشال هوسون *
MICHEL HUSSON

       شكل ربط سعر صرف البيزوس بالدولار محور الأزمة الارجنتينية. فبعدما جرى تحديد هذه الموازاة في العام 1991 لم يعد في الامكان السيطرة عليها، غير ان هذا المآل المتوقع أساساً لم يكن النتيجة الوحيدة لسياسة لا تفي بالمرام. فالاضطرابات النقدية ليست الا انعكاساً لحالات التناقض في النظام النيوليبيرالي على الصعيد الخارجي (اي اندماج في السوق العالمية؟) والداخلي (أي توزيع للثروة المتحققة؟). ومن أجل فهم ذلك يجب العودة الى ثمانينات القرن الماضي، ففي تلك الحقبة حدث انعطاف مهم في السياسة النقدية في الدول الثلاث الكبرى في اميركا اللاتينية، اي البرازيل والمكسيك والارجنتين.

فغداة الأزمة المكسيكسة في العام 1982، والتي اتخذ فيها وزير المال السيد خيسوس سيلفا قراراً بتأجيل دفع فوائد الدين العام قبل ان ينتزع المساعدات من صندوق النقد الدولي ومن البنك الدولي ومن واشنطن من اجل تحاشي وقف الدفع، كانت كل مشاريع الاصلاح الأولى تدعو الى خفض قيمة العملة، والمنطق الذي ساد فيها هو توجيه النشاط الاقتصادي الى السعي المنتظم وراء العملات الضرورية بغية دفع الدين. كان من المفترض إذاً ترتيب وضع الموازنة من أجل التخلص من "منافسة" الدين العام (الادارة المركزية) ولاعطاء الأولوية للدين الخارجي، كما تطلب الامر تالياً خفض الطلب الداخلي وإعطاء الأفضلية للصادرات.

وقد ادت سياسات الخفض التنافسي للعملة فعلاً الى نمو الصادرات لكن الثمن المعاكس الفوري كان التضخم، فإذا كان خفض قيمة العملة ساعد في تدني أسعار الصادرات نسبياً، فقد كان له أثر موازٍ هو رفع ثمن الواردات مما انعكس ارتفاعاً في مجمل السلع والخدمات. وما يلاحظ هنا هو تداخل آلية ليست كلياً اقتصادية، ففي معظم الحالات كان المستوردون يستغلون ارتفاع الأسعار الناتج من خفض قيمة العملة كي يحققوا، وفي طريقة يمكن وصفها عن حقٍ بالمضاربة، حصصاً إضافية في هوامش الربح المتاحة.

 وقد ادى التضخم الى ارتفاع فاحش في معدلات الفوائد، وبدورها راحت تتزايد الفوائد المدفوعة عن الدين العام. وحتى عندما كان يصار الى إقامة التوازن في الموازنة (قبل دفع الفوائد) وأيضاً الى تعويمها، كان العجز العام يتعمق. فكان على الدولة ان تستدين كي تدفع الفوائد التي تتزايد مع التضخم، وتضاءلت الموارد المتوافرة لدفع الدين الخارجي بالقدر نفسه. وسرعان ما اتخذت هذه الآلية منحى انحرافياً خارجاً عن السيطرة، إذ جسّد التضخم خسارة ملموسة في قيمة العملة ستؤدي في دورها الى تغذية الحلقة الجهنمية. وستتجلى ظاهرة التضخم الهائل في معظم الدول وتبلغ حداً اقصى خارقاً وصل الى 4900 في المئة في العام 1989 في الأرجنتين حيث تسبب في حال من التفكك الاجتماعي. ففي أواخر شهر أيار/مايو من تلك السنة هزت روزاريو، المدينة الثانية في البلاد، اضطرابات وأعمال نهب تسبب قمعها بسقوط 14 قتيلاً.

عندذاك بدا ان ربط معدل صرف العملة المحلية بالدولار هو الرد على هذه الكارثة. وقد حدث هذا المنعطف في المكسيك في كانون الأول/ديسمبر عام 1987، وهذا ما لجأت اليه البرازيل في ما بعد مع مشروع الريال في العام 1994، اما الأرجنتين فإنها أرست، في العام 1991 مع السيدين كارلوس منعم ودومينغو كافالو (وزير المالية) وعبر قانون "التبديل"، مبدأ ربط سعر صرف البيزو بالدولار.

إن ذكرى سنوات "ذوبان النقد" هذه قد أنتجت عنصراً أساسياً من بيان التبريرات البيرونية. ولأن السيد منعم عرف كيف يضع حداً لكابوس التضخم الهائل فقد ظل المرجعية رغم رائحة الفساد التي أحاطت بسنوات حكمه الأخيرة [2] . وهذا ما يساعد في فهم سبب عدم رغبة تحالف وسط اليسار لدى وصوله الى السلطة في العام 1999 في المخاطرة في إعادة النظر في مبدأ التبديل، وأيضاً في فهم لماذا تمت الاستعانة مجدداً بالسيد كافالو من اجل الحفاظ بأي ثمن على معدل سعر الصرف.

إن وضع حد للحلقة المفرغة المتمثلة في التضخم وخفض سعر العملة ليس الصفة الإيجابية الوحيدة لنقد قوي قادر على التخفيف من الحجم الاسمي للدين الخارجي وعلى تخفيف العبء الفعلي للدين الخارجي. لكن النموذج النيوليبيرالي لا يعمل الا إذا جاء الدعم المنتظم من الرساميل الخارجية ليعوّض من العجز المزمن في ميزان المدفوعات العادي والذي تفاقم منه أكثر قليلاً العملة القوية. كما ان سعر الصرف الثابت قد يشكل تعهداً إزاء الرساميل الأجنبية إذ يمنح ضماناً يجنبهم رؤية ممتلكاتهم تفقد قيمتها فجأة، لكنه يتطلب بالطبع التخلي عن المسّ بمعدل سعر العملة.

لكن هذه الإيجابيات الأكيدة واجهت عقبات جديدة، اهمها فقدان القدرة التنافسية لسلع البلد ذي العملة القوية، وهي الآلية التي اتخذت حجماً متميزاً في الحال الارجنتينية. ففي المرحلة الممتدة ما بين العام 1997 و2001، حافظ معدل سعر الصرف ما بين البيزو والدولار على نسبة 1 مقابل 1، فيما ظلت الأسعار مستقرة. في الوقت نفسه كان الريال البرازيلي، الذي راح يتراجع قبل ان يفقد 50 في المئة من قيمته في كانون الثاني/يناير عام 1999، يفقد 60 في المئة من قيمته إزاء الدولار في وقت زادت اسعاره في الداخل بنسبة 25 في المئة. تضاعفت إذاً الأسعار بالدولار عما كانت عليه في البرازيل. وقد تبين فقدان القدرة التنافسية في الرصيد التجاري، إذ امكن الحفاظ عليه في وجه الولايات المتحدة نظراً الى سعر الصرف الثابت بين البيزو والدولار، لكن في المقابل تراجع إزاء بقية دول اميركا اللاتينية وخصوصاً في سوق الجنوب المشتركة (مركوسور) [3] ومن ضمنها البرازيل، كما إزاء اوروبا ايضاً. وقد شكلت الصادرات الارجنتينية 9 في المئة من مجمل الناتج المحلي في العام 2000 وهو معدل منخفض في شكل غير طبيعي.

وهذا العجز التجاري المتنامي ولّد الشكوك لدى المستثمرين، إن من ناحية الحفاظ على معدل سعر الصرف أو من ناحية قدرة بوينس أيرس على وفاء التزاماتها. وعلى مدى اشهر الأزمة كانت المؤشرات المالية تزيد يوماً بيوم من فقدان الثقة هذه. ومن أجل كبح هذه الحركة وإعادة الثقة الى الرساميل، تطلب الأمر اللجوء الى زيادات خيالية في معدلات الفائدة في طريقة كانت تهدف الى تأمين الضمانات ضد أخطار الصرف، وفي شكل بديهي، ضد خطر الافلاس [4] . وما كان من ارتفاع معدلات الفوائد هذا الا أن تسبب في المزيد من الخلل في المالية العامة. ففي المرحلة الممتدة من العام 1996 الى العام 2000 فقط تضاعفت فاتورة الدين العام إذ ارتفعت من 4.6 مليار دولار الى 9.65 مليار دولار، أما اموال الانقاذ التي أتت من صندوق النقد الدولي فقد ابتلعتها الدوامة مثلما حدث لمبلغ الـ39.7 مليار دولار الذي جرى التفاوض عليه كمساعدة في أواخر العام 2000 في إطار المشروع الذي عرف بـ"الدرع المالية".

وتبدو هذه الآليات صارمة بقدر ما هو الزامي نظام ربط سعر  صرف البيزو بالدولار، فالكتلة النقدية هي رهن الاحتياط الرسمي من العملات والذي يتطور هو نفسه وفقاً لرصيد ميزان المدفوعات. وهنا يطبق فخ السياسة المتشددة ويقود الى سياسة الـ"كورراليتو" (الحد من السحوبات من الودائع في المصارف). يبقى البيزو قوياً لكن لا يبقى هناك من بيزو!

إن السعي المستحيل لتحقيق سعر صرف أفضل، يبرز عدم تجانس المسلّمة التي تستند اليها العولمة الليبيرالية، إذ يفترض ببلد مثل الارجنتين مثلاً أن يتمكن من ان يتماشى مع معايير السوق العالمية، والانفتاح على المنافسة يشكل المؤشر الذي يوفر أرباح الانتاجية  الضرورية للبقاء على هذا المستوى. أما مرحلة العجز التي تطلب إصلاحها دخول الرساميل فقد اعتبرت انتقالية. وفي عالم الواقع تفقد أشكال العولمة هذا النموذج ثباته ويتأرجح سعر الصرف بين عاملي "الجذب" المتناقضين اللذين يفترض اللجوء اليهما في آنٍ واحد، اجتذاب الشارين بواسطة الاسعار التنافسية (إذاً بعملة هي بالأحرى ذات قيمة أقل من قيمتها الفعلية) واجتذاب الرساميل عبر انتاجية مكينة (إذاً بعملة تعطى قيمة زائدة). وكون الفرضية الأساسية خاطئة فإن غالبية بلدان الجنوب محكومة بمواجهة أزمات دورية تجعلها تنعطف في أشكال حادة من خيار الى آخر.

ولم يكن في الامكان معادلة البيزو بالدولار الا عبر عملية انكفاء اجتماعي لافت. فما بين العامين 1991 و1998 سجلت الارجنتين متوسط معدل نمو بلغ 5 في المئة مقابل 3.4 في المئة في مجمل بلدان أميركا اللاتينية. وتطورت إنتاجية الفرد في المرحلة نفسها بنسبة بلغت حوالى 30 في المئة، غير ان معدل الرواتب تراجع بنسبة 3 في المئة. وهذا هو أساس هذا النموذج، اي توزيع غير متكافئ اكثر فأكثر لارباح الانتاجية. ورغم هذا النمو المدعوم نسبياً فإن معدل البطالة قد ارتفع من 7 في المئة في العام 1992 الى ما يزيد على 17 في المئة اليوم بدون الحديث عن انواع العمل الموقت [5] .

أما ارباح هذا النموذج فتستأثر بها طبقة اجتماعية ضيقة جداً. كما أن هذا التوزيع غير العادل وغير المقبول اجتماعياً هو من النوع الذي يتسبب بالتآكل اقتصادياً، ذاك ان غياب الدينامية من السوق الداخلية لا يشجع الاستثمارات في النهاية ويكسب الطبقة الحاكمة تصرفاً ريعياً مكشوفاً. ففي بوينس أيرس، وفي خضم الأزمة، ارتفعت اسعار البورصة بسبب شراء بعض السندات التي كان من الممكن إعادة التفاوض عليها بالدولار، وقد قدرت في الاجمال عملية تهريب الرساميل بـ120 مليار دولار (منها 24 مليار دولار ما بين آذار/مارس وكانون الاول/ديسمبر عام 2000) اي ما يقارب مجموع الدين العام.

أما موازنة الدولة فهي التي وقعت عند تقاطع التناقض ما بين "الخارج النقدي" و"الداخل الاجتماعي"، فقد ترجم التوجه الليبيرالي الهائل في خفض الضرائب المتزايد على مداخيل الطبقات الميسورة، حتى ان السيد فيتو تانزي، وهو كان آنذاك مدير قسم القضايا الضرائبية في صندوق النقد الدولي، صرح لصحيفة "كلاران" (في 11 آب/أغسطس) ما معناه "أن البنية الضرائبية الحالية قد سهّلت للكثير من الناس تحقيق الثروات كونهم لم يدفعوا ضرائب وتحديداً اولئك الذين ربحوا الكثير مستفيدين من الرأسمال والفوائد والأسهم". وما يساعد في تفسير الحجم الذي اتخذته الأزمة هو تصرف الطبقة الحاكمة عبر التهرب من دفع الضرائب وإخراج رؤوس الأموال ناهيك بالفساد.

وكان من شأن تداخل الداخلي بالخارجي انه ولّد تنوعاً واسعاً في المصالح، من الموظفين الى صغار المدخرين والمتقاعدين الى المصارف والدائنين الأجانب الى الرأسماليين الأجانب الذي يصدرون وغيرهم من الرأسماليين الى المجموعات المتعددة الجنسية، الاسبانية والفرنسية وحكوماتها، ناهيك بالمؤسسات من مثل صندوق النقد الدولي أو وزارة المال الأميركية، كل هؤلاء "العاملين" كانوا معنيين بالسياسة النقدية.

كما ان الخلافات بين الأرجنتين والبرازيل قد طرحت على بساط البحث إمكان استمرار السوق المشتركة، حتى ان الأمر وصل بالأرجنتين الى اتخاذ إجراءات حماية لمواجهة اجتياح البضائع البرازيلية كما ان توسع المبادلات داخل منطقة السوق قد شهد بدوره توقفاً ملحوظاً. وبدا ان البرازيل اضحت أكثر عزلة بسبب تحفظاتها، إن في موضوع منطقة التبادل الحر في الدول الأميركية [6] المتوقعة في مشارف العام 2005 أو في موضوع سياستها النقدية واحتفاظها بمسافة إزاء انتشار سياسة الدولرة.

وهنا يجب التمييز بين مسألتين، تلك المتعلقة بالدولرة وتلك المتعلقة بالتكامل الاقتصادي. فبالنسبة الى الولايات المتحدة ليس هناك موقف مبدئي لصالح الدولرة، فهي تؤيد ان تكون عملتها بمثابة مرجع لكن شرط ألا تجعل الخزانة الاتحادية تأخذ على عاتقها، نتيجة ذلك، مسؤولية "الإقراض كمخرج أخير"، وتقرير ملتزر [7] حول الاصلاح في صندوق النقد الدولي يترك الخيار ما بين "معدل سعر صرف ثابت [الدولرة] او متقلب".

وقد تجد الأرجنتين في الأزمة فرصة مناسبة لإعادة الحياة الى السوق المشتركة على أسس نقدية عقلانية. وهذا يستدعي ترك مسافة، على غرار البرازيل ثم بالاشتراك معها، مع منطقة التبادل الحر للدول الأميركية الخاضعة للدولرة. وفي اي حال، يبدو من المحتمل أن من انعكاسات المثل الأرجنتيني الحد بقوة من قدرة الدولرة على الإغراء. والحل الفوري كان اتخاذ القرار بتأجيل دفع الديون مما يعطي فرصة لمعرفة من سيتحمل العبء الناتج من خفض العملة: "من هم تحت" أم من "هم فوق". والضغوط التي يتعرض لها الرئيس ادورادو دوهالدي من الشعب الأرجنتيني من جهة ومن صندوق النقد الدولي واللجنة الأوروبية [8] من جهة اخرى، تسلط الضوء على تناقضات نموذج يفتقر الى الثبات.



[1]  اختصاصي في الاقتصاد، باريس

[2]  في 21/1/ 2002 جمّد القضاء السويسري حسابين مصرفيين للسيد كارلوس منعم وقيمتهما حوالى 10 ملايين دولار. وكان قد اطلق سراح الرئيس السابق مطلع كانون الاول/ديسمبر 2001 بعد 167 يوما من الاحتجاز بسبب ما نسب اليه من مسؤولية عن الاتجار غير المشروع بالاسلحة مع كل من كرواتيا والاكوادور بين 1991 و1995.

[3]  تضم المركوسور كل من الارجنتين والبرازيل والاورغواي والباراغواي اضافة الى دولتين شريكتين هما تشيلي وبوليفيا.

[4]  على سبيل المثال ما حصل مؤخرا من عملية تحويل ناجحة للديون في حزيران/يونيو 2001 اذ سمحت بمبادلة المستحقات حتى الـ 2005 (29،5 مليار دولار) بسندات تمتد الى 30 عاما مقابل نسبة فوائد مرتفعة (معدلها 10 في المئة) مما يزيد فاتورة الدين.

[5] Estudio económico de América Latina y el Caribe 2000-2001 http://www.eclac.cl/estadisticas

[6]    اقرأJanette Habel, “ Intégration forcée pour les Amériques ”, Le Monde diplomatique, octobre 2000.

[7]  http://www.house.gov/jec/imf/meltzer.pdf

[8]  انتقدت اللجنة بقساوة خطة دوهالده بسبب "افتقادها للمصداقية" لكن في الواقع بسبب غياب الضمانات المقدمة للموجودات الاسبانية والفرنسية، راجع El País, 16 janvier 2002.

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم