القانون الدولي في مواجهة القوة
مونيك شومييه ـ جندرو *
Monique
CHEMILLIER - GENDREAU
يعيش المجتمع الدولي الذي تهيمن عليه اقتصادات معسكرة، مرحلة تراجع من وجهة نظر الاسس القانونية والدولية التي يمكن ان تقوم عليها الجماعة الدولية. ولعل موقفه من النزاع الاسرائيلي ــ الفلسطيني خير دليل على هذا التراجع.
ارسيت منذ العام 1945 مبادىء تتعلق بحقوق الانسان ومبادىء اخرى تؤمن المحافظة على السلام وتضمن حق الشعوب كما بدأ أخيرا السعي في اتجاه قيام قانون جزائي دولي تحاشيا للافلات من العقاب. لقد تجاهلت الحكومات الاسرائيلية المتتالية هذه العناصر جميعها مدعومة من الادارة الاميركية. ان شرعة حقوق الانسان الصادرة في العام 1948 (غير الزامية لكن ذات قيمة رمزية عالية) والمعاهدات الدولية في العام 1966 حول الحقوق المدنية والسياسية وحول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من النصوص ـ وبينها اتفاقيات جنيف حول الحق الانساني في حالة النزاع المسلح، والاتفاقية ضد التعذيب او اتفاقية حقوق الطفل (وهي مجموعة نصوص الزامية) تمثل جميعها القيم المشتركة للمجتمع الدولي في حالي السلام والحرب.
منذ تأسيسها، تنتهك دولة اسرائيل هذه المعاهدات. وعاني العرب داخلها مختلف اشكال التمييز التي تنتهك مبدأ المساواة. اما في الاراضي المحتلة فالتعذيب ممارسة شائعة ولا تنحصر في حالات استثنائية، فهي كانت مقبولة رسميا في احدى المراحل ولم يتوقف يوما العمل بها. حتى انها تمارس على الاطفال الذين يخضع العديد منهم للاعتقال [2] . وتستنكر مختلف المنظمات الحريصة على حقوق الانسان، بمن فيها المنظمات الاسرائيلية، التعرض لحق التجول الحر ولكل الحقوق التي تقرها الاتفاقيات [3] .
وتشكل هذه التجاوزات خرقا للحقوق العامة وخصوصا للضمانات الواردة في معاهدات جنيف. وتقدم اسرائيل في صورة منهجية على تهجير السكان بالقوة واقامة المستوطنات السكنية لصالح المحتلين وتدمير البيوت واقتلاع المزروعات والاعتقالات العشوائية والاغتيالات المبرمجة وغيرها من التدابير الآيلة الى تجويع السكان وتدمير الاقتصاد واعاقة أي اتصال بالخارج. وتتكاثر هذه الممارسات المهينة لمرتكبيها كما يفعل المستوطنون في الخليل عندما يرمون نفاياتهم على البيوت الفلسطينية في المنحدر الى درجة اضطر السكان الى نصب شباك حماية فوق المدينة.
لقد جرى العبث بأسس المحافظة على السلام. وتم تجاهل حظر اللجوء الى القوة واحتلال الاراضي الناتجة منها اضافة الى سيادة الشعوب الاخرى واستقلالها.
هكذا ينكر حق الشعوب على الفلسطينيينن ليس لجهة ممارسته بل ايضا من حيث مبدأ وجوده. وقد اعطي هذا الحق الى الشعب الفلسطيني بتأكيد ميثاق عصبة الامم وضمانه والذي ترسخ بموجب شرعة الامم المتحدة باعتباره احد اهدافها وذلك في الوقت نفسه الذي حرم منه هذا الشعب من نصف اراضيه. وبدل ان تحاول اسرائيل وحلفاؤها اقناع هذا الشعب بقبول هذا الانسلاخ من طريق التفاوض، سعت الى تحقيقه لا بل الى تجاوزه من طريق القوة. وبعدما تناست التضحيات المطلوبة من الفلسطينيين، انطلقت اسرائيل وعلى مراحل في عملية السيطرة على الجزء الثاني من فلسطين، المخصص لاقامة دولة فلسطينية.
لم تتوقف يوما الهيمنة الاسرائيلية على فلسطين، من عمليات التوسع خلال حرب 1948 - 1950 ومن بعدها ابان حرب 1967، والسيطرة العسكرية على ما تبقى من اراض فلسطينية وصولا الى فرض الرقابة الدائمة على الجزء المفترض انه يتمتع بالحكم الذاتي (عملا باتفاق اوسلو عام 1993). ومع ان اليمين هو صاحب المشروع فإن اليسار ساهم فيه بكل اندفاع. وقد جرى توسيع المستوطنات في عهد الحكومات العمالية التي تخضع لتأثير الارهاب الذي يفرضه بعض المستوطنين المستنيرين. ولم توضع مفاوضات السلام تحت شعار الاعتراف الكامل بحقوق الانسان والشعوب. كما ان شروط الدعم الاميركي سواء في عهد الادارات الديموقراطية او الجمهورية لم تكن كافية لفرض حدود واضحة على اسرائيل.
من الواضح ان سياسة السيد أرييل شارون الحالية تهدف الى تصفية الشعب الفلسطيني وحقه في الوجود. والنقاش بين اسرائيل والولايات المتحدة يدور حول ضرورة المحافظة على السيد ياسر عرفات او التخلص منه كما كان زمن الاستعمار يبتّ خلع حاكم او تثبيته. صحيح ان اعتداءات "حماس" جواب اجرامي لكن عدم توفير وسائل المقاومة السلمية للفلسطينيين يعرّض امن الاسرائيليين انفسهم للخطر.
اخيرا ابعد القادة الاسرائيليون عن المسؤولية الجزائية اذ قامت لجنة تحقيق وطنية بتبييض صفحة السيد شارون عن مجازر صبرا وشاتيلا كما ووجهت فكرة انشاء محكمة جزاء دولية بالرفض وتم الاقرار العلني بالجرائم "الموجهة" ضد المسؤولين الفلسطينيين من دون ترك فرصة لملاحقة مخططي هذه الاغتيالات ومنفذيها. هذا ما يفترض بالضمير الاسرائيلي تحمله امام التاريخ. اما مرحلة مفاوضات السلام القصيرة فقد بدت على حقيقتها عقب انهيارها: مسار لم تنجح فيه مبادىء العدالة بالتفوق على الافكار المسبقة. وتكذب الشهادات المباشرة (بما فيها الاميركية) حول مفاوضات القمة في كامب ديفيد بين السادة بيل كلينتون وايهود باراك وياسر عرفات في تمز/يوليو 2000 فكرة الاقتراب من التوصل الى اتفاق. في المقابل بدأت التسويات بين الاسرائيليين والفلسطينيين ترتسم في طابا (كانون الثاني/يناير 2001) لكنها جاءت متأخرة مع اقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية [4] .
لا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن السياسة الدولية في مجملها. فالاساليب نفسها باتت تجمع بين اسرائيل واميركا وايضا روسيا حيث كل دولة من هذه الدول معنية بقمع شعب تواجهه: الشيشان والفلسطينيين والعراقيين مع لائحة اضافية غير محددة المعالم في المشروع الاميركي. واذ تنعت هذه الشعوب بأنها "ارهابية" او "دول مارقة" بحسب الحالة، فانها تعاني من ارهاب الدولة الذي تزداد قساوته لانه من فعل حكوات تتمتع بتفوق عسكري كاسح. وهذه الشعوب مدعوة لاحترام القواعد التي يعفي اسياد العالم انفسهم من التقيد بها في صورة مستمرة.
فالذين يتحصنون وراء سياسة الحماية يذكرون الآخرين دائما بضرورات التبادل الحر. ترفض الولايات المتحدة تطبيق بروتوكول كيوتو، لكن على البلدان النامية احترام الحد من انبعاث الغاز المسخن للارض. يستمر العمل بالعقوبات ضد العراق المتهم بحيازة اسلحة بيولوجية لكن الولايات المتحدة ترفض الاتفاق الداعي الى الرقابة على هذه الاسلحة [5] . كما يلحظ مشروع قانون اميركي تطبيق اجراءات مضادة على الدول التي تعتمد طريق محكمة الجزاء الدولية.
تطالب اسرائيل السلطة الفلسطينية باعتقال مرتكبي الاعتداءات وتسليمها اياهم في وقت تستهدف الهجمات الاسرائيلية بالتحديد مراكز الشرطة الفلسطينية وعناصرها مما يجعل من المستحيل عليها القيام بأي تحرك واسع. واذا حصل (لكن من يجرؤ على ذلك؟) وطالب ياسر عرفات او مسؤولون غيره السيد شارون باعتقال مرتكبي الاغتيالات بحق القيادات الفلسطينية وهم معروفون تماما وتسليمهم الى المحاكم الفلسطينية، فسيبلغ عندها الاستنكار ذروته!
حازت الحكومات الاسرائيلية المتتالية (لا يمكن اعتبارها تمثل الشعب الاسرائيلي بأكمله) دعماً عالمياً كبيراً. ويبرهن انصار اسرائيل هؤلاء عن نشاط واسع النطاق في تأمين التأييد للسياسة الاسرائيلية وهم لا يترددون في اللجوء الى التخويف والتهديد ضد الذين يطالبون اسرائيل بالانصياع للقانون الدولي. حتى انهم لا يترددون عن توجيه تهمة العداء للسامية الى من يتجرأون على انتقاد سياسات الحكومات الاسرائيلية المعادية للفلسطينيين.
كيف الخروج من هذه الورطة؟ فالمخاطر لا تطال الشعب الفلسطيني وحده او سائر الشعوب التي تعاني من قمع مماثل روسي او اميركي. انها مخاطر اشمل من ذلك بكثير. فبلدان الجنوب في مجملها وخصوصا بلدان العالم العربي ـ الاسلامي تجهل الديموقراطية ولا تعرف الحرية ولا ثمن الحرية. ان ابراز الدول الكبرى هذا القدر من الاحتقار لقواعد القانون الدولي ومبدأ السيادة المتساوية للدول والذي يشكل حجر الزاوية لمشروع الديموقراطية الدولية المنتظر بناؤه، من شأنه تشجيع حكومات الدول النامية على تعزيز نزعتها التسلطية. فلا يبقى امام الشعوب سوى اليأس الذي يغذي كل اشكال التعصب.
كبيرة مسؤولية البلدان الاوروبية التي شكلت مهد القيم التي يجري العبث بها حاليا من ضمن حركة تراجعية واسعة. ويقترب موقفها الحذر من الجبانة امام ما تعانيه الشعوب ولا سيما الشعب الفلسطيني من عذابات.
بيد ان اجراءات ثلاثاً يمكن ان تغير الوضع. الاول ارسال قوة فصل، يمكن ان تكون تابعة للامم المتحدة. اما الفيتو الاميركي فلن يشكل حاجزا الا امام الذين لا يريدون الاقدام. فعندما تشل قدرة مجلس الامن بفعل الفيتو يمكن الجمعية العامة ان تكون بديلا منه، وهذا ما حصل في الماضي بمبادرة من الولايات المتحدة. وانه لمن المثمر بالنسبة الى مستقبل الامم المتحدة المهددة بالغرق بسبب عجزها، اعادة الاعتبار لدور الجمعية العامة. كما ان قوة اوروبية تمثل فرصة جيدة لامتلاك الدول الخمس عشرة سياسة خارجية ودفاعية هي في أمس الحاجة اليها. وفي الحالتين يجب التعامل مع معارضة الولايات المتحدة واسرائيل في طبيعة الحال. لكن المطلوب خوض المقاومة امام خطر يتهددنا جميعا، والمقاومة دائما مكلفة.
الاجراء الثاني اقتصادي: منع دخول البضائع الاسرائيلية المنتجة في المستوطنات الى الاتحاد الاوروبي من اجل تأكيد الطابع غير الشرعي لهذه المستعمرات. كما يجب حرمان اسرائيل أي مساعدة اوروبية طالما ان سياستها لا تلتزم التوصيات الكاملة للحق الدولي.
اما الاجراء الاخير فيتعلق بالاعتراف بدولة اسرائيل. فجميع الحكومات اعلنت موافقتها على قيام هذه الدولة. لا بأس. فالاعتراف في متناول اليد وفلسطين سبق واعلنت نفسها دولة عام 1988 واعترفت بها دول عدة. لا شيء يمنع الاتحاد الاوروبي والدول الاعضاء فيه من الانضمام الى هذه اللائحة. واذا كان المطلوب اعلان الدولة من جديد يمكن تشجيع السيد ياسر عرفات للقيام بذلك بدل محاولة ردعه. ان عدم اتخاذ اجراءات كهذه يوازي التواطؤ مع ما يحصل.
[1] استاذة في جامعة باريس السابعة، دنيز ديدرو
[2] " Enfants palestiniens détenus par Israël : exigez le respect de leurs droits ", plate-forme des ONG françaises pour la Palestine, novembre 2001.
[3] اقرأ تقارير منظمة العفو الدولية ومرقب حقوق الانسان وجمعية بتسالم الاسرائيلية للدفاع عن حقوق الانسان
[4] اقرأ Robert Malley, " Quelques légendes sur l'échec de Camp David ", Le Monde, 17 juillet 2001, et Alain Gresh, " Proche-Orient, la paix manquée ", Le Monde diplomatique, septembre 2001.
[5] Le Monde, 25-26 novembre 2001.
|
http://www.mondiploar.com/ |