طبع المقال
تحميل المقال

"القاعدة" ونموذج العصبة

بيار كونيسا *
Pierre CONESA

    جميع مقومات حوادث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر كانت موجودة قبل المأساة. لكن وعلى غرار جميع الثورات الاستراتيجية، فإن الاعتداءات قد أطرت وزاوجت بين النزاعات والتطورات الكامنة منذ سنوات. وتمثل هذه الاعتداءات تحولاً استراتيجياً مهماً لانها اطلقت العنان لاول نزاع بين دولة وعصبة وهي الحرب الاولى التي تجري من دون جبهة ولا تهدف الى احتلال اراض بل الى القضاء جسدياُ على الطرف الآخر. لذلك فان ما تتسبب به من ثورة استراتيجية يرغمنا على اعادة نظر كاملة في المفاهيم التي اعتمدها المحللون الغربيون حتى اليوم.

    قلة من المراقبين درست التطورات في العالم الاسلامي على ضوء ظواهر الانضواء العصبوي التي تخترق العالم الحديث منذ عقود. ويترك الاسلام مجالاً واسعاً للاجتهاد الديني امام المؤمنين ولا يعتبر الظاهرة الاسلامية الراهنة عصبوية. مع ذلك فان مميزات عديدة تسمح بمقارنة تنظيم "القاعدة" مع بعض الشيع والطوائف من حملة ايديولوجيا العهد الذهبي او اصحاب الانحرافات النازعة الى الموت.

    يعتمد زعيم "القاعدة" على مراجع دينية في صورة حصرية. ففي خطابه بتاريخ 7 تشرين الاول/اكتوبر والذي بثته محطة "الجزيرة" القطرية يشير السيد اسامة بن لادن قبل كل شيء الى ان الامة الاسلامية تعاني منذ 80 عاماً الذل والاحتقار. وهو يلفت في قوله هذا ليس الى فلسطين او العراق بل الى... الغاء الخلافة على يد اتاتورك عام 1924. ويضيف ان اميركا لن تنعم بالامن قبل ان تنعم به فلسطين (والمقصود هنا قبل تحرير القدس) وقبل ان يغادر جيش الكفار ارض محمد (السعودية). وهو لا يربط موقفه في المقابل بأي من الاوضاع السياسية المحلية مثل رفع الحصار عن العراق او ما يحدث في الجزائر... ولا يعبر السيد ابن لادن، وهو من دعاة الاسلام السني السلفي، عن أي تضامن اسلامي مطلق. فاغتيال القائد أحمد شاه مسعود، المسلم هو ايضاً، لا يعني له شيئاً كما انه لا يطلب أي دعم من النظام الايراني الاسلامي بالطبع، ولكن الشيعي المذهب.

    يؤدي هذا التدين المفرط الى سيطرة فكرة العصر الذهبي على خطاب زعيم "القاعدة" ولا يترك للسياسة الا الجزء اليسير. فقد ورد في "الدراسات العسكرية للجهاد ضد الطغاة"، وهي وثيقة تقارب المئتي صفحة وجدت في بريطانيا في ايار/مايو 2000، ان "الشهادة (...) تتيح بسط دين الله سبحانه وتعالى على الارض" [2] . وكما في جميع الخطب العصبوية، يطغى الديني على السياسي فيفقده معناه معلناً القيام القريب للجنة على الارض.

    ينتج هذا الشكل الجديد للاسلام الراديكالي بالطبع من عدد متزايد من الاخفاقات السياسية والايديولوجية: نهاية العالمثالثية، افلاس الاشتراكية العربية، مأزق الاسلام السياسي [3] يضاف اليها جميعها الادراك ان الانظمة القائمة قد "أممت" المرجعيات الدينية الرسمية في العالم العربي (كما في السعودية او في مصر مع جامعة الازهر.)...

    من جهة اخرى لم يتبنَّ احد اعتداءات نيويورك وواشنطن ولم ترفق بأي مطالب تفتح باب التفاوض مع "الآخر". وليس لدى أي من الارهابيين الذين قضوا في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر ماض نضالي كما لا ينتسب أي منهم الى حزب من احزاب الاسلام السياسي. وفي مسار يذكّر برفض تروتسكي اقامة الاشتراكية في بلد واحد، يرفض السيد ابن لادن فكرة النظام الاسلامي في بلد واحد وهو لا يملك استراتيجيا على المستوى الوطني لانه يعمل من اجل انتصار الله في الارض قاطبة.

    اما السمة العصبوية الاخرى لهذا الشكل من اشكال النزعة الاسلامية فهي الانحراف الى الموت. فمثل انتحاريي "حماس" ليس معزولاً. في الجزائر لا تسعى "الجماعة الاسلامية المسلحة" ولا الجماعة السلفية للدعوة والجهاد الى أي شرعية سياسية او استراتيجيا في لجوئها الى عمليات القتل الاعمى للنساء والاطفال. فقد تحولت هذه العمليات الى مسيرة الحرب نفسها. كذلك يحمل السيد ابن لادن في شكل واضح مفهوم "الشهيد" الذي يموت من اجل ايمانه الشيعي وهذا ما يميز هذا الايمان كما ظهر في نموذج "الباسيدج"، المقاتلين الشباب الذين جندهم نظام آية الله الخميني خلال الحرب ضد العراق [4] .

    وقد تطلبت جميع الاعتداءات المنسوبة الى "القاعدة" التضحية برجل او اكثر سواء في آب/اغسطس 1998 ضد سفارتي الولايات المتحدة في افريقيا الشرقية او ضد المدمرة "يو.اس.اس.كول" في تشرين الاول/اكتوبر 2000. ونعثر على ضرورة موت المؤمن او المقاتل كعبور متميز الى الجنة في الانتحار الجماعي للطوائف (غويانا، معبد الشمس) او في معاقبة الخيانة بحق عصبة سياسية (الجيش الاحمر الياباني او نمور التاميل) او دينية (طائفة اوم اليابانية). ويبدو ان سقوط الضحايا البريئة هو الشرط الذي لا مفر منه لتحقيق الهدف بحلم العهد الذهبي، فالوصية الموجودة في امتعة محمد عطا لا تعبر عن أي شفقة حيال الضحايا المحتملين الذين ينعتهم احياناً بأنهم "اعداء" لمجرد كونهم من غير المسلمين. في المقابل وبحسب طائفة "اوم شينريكو" المسؤولة عن اول اعتداء غير تقليدي بواسطة غاز "السارين" في مترو طوكيو يوم 20 آذار/مارس 1995 [5] ، يمنح الشهداء كما الضحايا الامتياز لدخول الجنة. ومن بين طوائف العهد الذهبي العديدة في العالم هناك من يذهب بهم الاعتقاد الى حد المناعة السحرية مثل مقاتلي "حركة الروح القدس" في اوغندا الذين يرمون بأنفسهم امام الطلقات لاقتناعهم بأنها لن تصيبهم بالاذى.

    ولا بد من وجود زعيم روحي كي تكتمل فكرة عودة المسيح المنتظر [6] . ويطلق المقربون من زعيم تنظيم "القاعدة" عليه لقب "الشيخ اسامة" او "الامير ابن لادن" لان معارفه الدينية لا تسمح له بالتنطح لصفة عالم الدين [7] . لكنه لا يتردد، في الاشرطة التي اوصلها الى محطة "الجزيرة"، في الوقوف امام كهف، في اشارة الى النبي محمد الذي طرد من مكة. فهو يتماهى ضمناً مع الرسول في منفاه وصلاح الدين مطارداً الصليبيين او حسن الصباح "شيخ الجبل" وزعيم عصبة الحشاشين.

    من جهة اخرى ترتكز ايديولوجيته على موقف فكري عنصري سهل ولا يحتمل المراجعة. فالاعداء هم "الصليبيون واليهود"، "الكفرة والمرتدون" كما تشير الى ذلك الفتوى التي صدرت عام 1998 دعماً للشيخ عمر عبد الرحمن الذي دين بالاعتداء الاول على "مركز التجارة العالمي". وتدعو هذه الفتوى كل مسلم الى قتل الاميركيين سواء كانوا عسكريين ام مدنيين. نجد هنا بعض اشكال التبسيط التي طبعت كلام خالد قلقال المسؤول عن الاعتداءات التي وقعت في فرنسا عام 1995 والذي يعتبر فيه اليهود مسؤولين عن قيام المذهب الشيعي من اجل اضعاف السنة.

    وتعبّر هذه العنصرية عن نفسها عبر النظرة اللاسامية لليهود المسيطرين على عالم المال. فالاعتداءات لم تستهدف الفاتيكان او الكنيست او تمثال الحرية بل (وللمرة الثانية) برجي "مركز التجارة العالمي" لتعبر هكذا عن توجه معاد للعولمة اكثر منه نحو حرب الاديان. وفي التسجيل نفسه بتاريخ 7 تشرين الاول/اكتوبر، يصف السيد ابن لادن اميركا بأنها "رمز الوثنية الحديثة". ويمثل هذا المزيج من اللاهوت ومناهضة العولمة الانفصام العميق الذي يعانيه المجتمع السعودي اذ يعيش في الخارج كل ما هو محرم في بلده ويرى في هذه الديار الاخرى وخصوصاً الاميركية جحيماً تشبه الى حد كبير الجنة الموعودة في نظر المقاتل حيث تنتظر الشهيد الخمرة والنساء بحسب الوثيقة التي عثر عليها في امتعة محمد عطا.

    ثلاثة اجيال تتجاور في تنظيم "القاعدة". فبعد الآباء المؤسسين من قدامى حرب افغانستان والقادمين من بلدان الشرق الوسط (ابن لادن ومساعده ايمن الظاهري...) التحق بالحركة ابتداء من 1992-1993 جيل جديد من المسلمين امكن اكتشافهم لمناسبة الاعتداء الاول على "مركز التجارة العالمي" (رمزي يوسف مثلاً...). انهم في الضرورة مقتلعو الجذور، ثمرة زواج بين اب وام من اصول معقدة تجعلهم بدون هوية محددة في الشرق الاوسط. فهم ليسوا فلسطينيين لكنهم احياناً من اصل باكستاني او من الفيليبين او بلدان افريقيا الشرقية (من امثال زكريا موسوي وسمير الجراح الخ...) انجرفوا الى التطرف خلال اقامتهم في الغرب. والظاهرة معروفة اذ يتم الدخول الى العصبة على حساب القطيعة الفردية مع العائلة والبلد المضيف ومسقط الرأس.

    انها رحلة لا عودة منها بالنسبة الى البعض اذ ينتظرهم السجن ان لم يكن الموت. وقد تحولت افغانستان ملجأ لمن اضطر الى الهرب او رغب فيه، والشهادة هي الطريق الملكية للخروج من المأزق. وقد مرّ جميع هؤلاء المنفيين المستعدين للموت بين يدي ابن لادن الذي اوكلت اليه حركة "طالبان" المسؤولية الحصرية في تجنيد العناصر من غير الافغان.

    وقد انضم هذا الجيل الجديد الى صفوف النضال ضد العدو الجديد المتعدد الاشكال ("الغرب") بعدما عاين فشل الاحزاب الاسلامية في مختلف البلدان. ويعكس العدد الكبير للسعوديين بين مرتكبي اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر -ما بين النصف والثلثين من الارهابيين التسعة عشر_ الازمة السياسية والاخلاقية العميقة التي يجتازها هذا البلد. وعلى غرار العدميين الروس يشكل هؤلاء الرجال المتعلمون والمتحدرون من عائلات كوادر عليا، نخبة تتوجه الى الشعب عبر القتل والاعتداء من اجل استفزازه وايقاظه.

    وهناك حلقة اخيرة تضم شباناً متمردين من اصل فرنسي او من المهاجرين كان يمكن ان ينتموا قبل ثلاثين عاماً الى التيار الماوي كاليسار البروليتاري.

    انهم ليسوا ممن لا وطن لهم بل يملكون جوازات سفر عدة من امثال وديع الحاج اللبناني المدان باعتداءات 1998 والذي يحمل جوازاً اميركياً. وهم في العديد من الحالات بدأوا مسارهم الاجتماعي الى ان انقطع تقدمهم في شكل مفاجئ فأصيبوا بالخيبة وجنحوا نحو التطرف، من امثال موسوي وكامل داوودي وخالد قلقال عام 1995. وتقع مكاتب تجنيد هؤلاء المناضلين في بعض مساجد الغرب الكبرى خصوصاً تلك التي تشرف عليها جمعية "التبليغ"، مثل مساجد فينزبوري بارك ومانت-لا-جولي وبروكلين الخ...

    وتمثل "القاعدة" نوعاً من شركة قابضة بقيادة مجلس ادارة (شورى) يضم ممثلين عن مختلف الحركات الارهابية. انها اشبه بدولة كليانية تشرف فروعها على مجموع الوظائف الاساسية: الايديولوجيا والاعلام والادارة والشؤون العسكرية. وتؤمن هذه البنية مجمل الخدمات الضرورية للعمليات الارهابية بما في ذلك العناية بعوائل الشهداء. وهي قادرة على اقامة التحالفات في نوع من تجمع المصالح الارهابية مع حركات اخرى انضمت اليها (كالجهاد الاسلامي، مجموعة ابو سياف في الفيليبين...). نوع من "الامتياز الارهابي" بحسب عبارة جان – فرنسوا داغوزان [8] .

كما ان لائحة "الاهداف" السبعة والعشرين لمكافحة الارهاب والتي نشرتها واشنطن واكملتها بلائحة اخرى من 39 هدفاً آخر في منتصف تشرين الاول/اكتوبر فيها منظمات وجمعيات خيرية وشخصيات، تدل هذه اللوائح على تشابك العلاقات التي نسجها السيد ابن لادن مع مرور الزمن. اخيرا تمتلك القاعدة بصفتها عصبة من الطراز الرفيع شبكة مالية مهمتها تأمين التبرعات والاموال من اجل اخفائها عن الانظار على غرار المؤسسات الخيرية الاسلامية (البركات مثلا).

        هكذا فان الاسلام مصاب مثل سائر الاديان المعاصرة بالظاهرة العصبوية التي تفاقم من المكنونات والتجاوزات. لذا ليس من المستغرب ان تختلط القاعدة في استهداف ثأري واحد كل من الولايات المتحدة والسلطات الاسلامية الرسمية والامم المتحدة واسرائيل والعولمة.



[1]  موظف كبير، باريس

[2]  ورد في صحيفة "انترناشيونال هيرالد تريبيون"، 29 تشرين الاول/اكتوبر 2001.

[3]  راجع مقالة اوليفيه روي حول نهاية الاسلام السياسي في مجلة "اسبري"، باريس، آب ـ ايلول/ اغسطس ـ سبتمبر 2001.

[4]    في تحليل مميز لفرهاد كوسكوكافار في مجلة

 Cultures et Conflits, N 29-30; in “Les nouvelles formes de violence, L’Harmattan, Paris, 1997.

[5]  راجع     Sylvaine Trinh, Culrures et Conflits, Ibidem.

[6]  بالنسبة للالفيين فان المسيح يحكم على الارض الف عام قبل يوم الدينونة.

[7]  مقابلة مع ابن لادن اجراها حميد مير، رئيس تحرير صحيفة "اوصافط الباكستانية.

[8]  L’Hyperterrorisme، منشورات مؤسسة الابحاث الاستراتجية، اوديل جاكوبن باريس، 2001

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم