انهيار نموذج "صندوق
النقـد الدولي"
أزمة
مطبقة في الأرجنتين
عندما رفض صندوق النقد الدولي، في 5 كانون الأول/ديسمبر عام 2001، منح الحكومة الأرجنتينية، وهي التلميذ الامثل له، قرضاً بقيمة 1.264 مليار دولار وهي تواجه ديناً خارجياً بقيمة 132 مليار دولار، فقد فجر في الأرجنتين أزمة ذات حجم لا سابق له. فالذين اهملهم نظام الليبيرالية المطلقة خرقوا حال الطوارئ رافضين الاجراءات التقشفية الجديدة وأجبروا الرئيس فرناندو دو لا روا على الاستقالة. أما الرئيس الموقت، السيد أدولفو رودريغز سا، الذي عينه الكونغرس في 23 كانون الأول/ديسمبر، فقد أعلن قراره تعليق دفع الدين الخارجي، لكن ما يملكه من هامش مناورة يبقى ضيقاً سواء بالنسبة الى الدائنين أم بالنسبة الى شعب يعيش حالاً من القطيعة الجذرية مع طبقته السياسية.
كارلوس غابيتا
*
CARLOS
GABETTA
إن ما انهار أخيراً هو بالتحديد حالة نموذجية. ففي النهاية انفجر الوضع في الارجنتين، ذاك ان عدداً من المراقبين ما كانوا يخفون استغرابهم هذا الجمود في مجتمع ذي تاريخ طويل في النضال وعلى مستوى رفيع من التنظيم السياسي والنقابي، وفي ما مضى كان الارجنتينيون يقلبون البلاد رأساً على عقب بسبب أمور أقل أهمية بكثير من الوضع غير المحتمل الذي يواجهونه اليوم: معدل بطالة بنسبة 20 في المئة، 14 مليون شخص، على عدد سكان يبلغ 37 مليون نسمة، يعيشون على عتبة الفقر وتراجع القدرة الشرائية بنسبة 50 في المئة في مدى خمس سنوات.
ومع ذلك، وحتى يوم 19 كانون الأول/ديسمبر هذا، الذي شهد نزول عشرات الألوف من المواطنين بشكل عفوي الى الشارع، بدا المجتمع أصم وعاجزاً عن التعبير عن استيائه. ولأن المواطنين لا يزالون يتذكرون زمن الديكتاتورية العسكرية الدامية (1976_1983) وهزيمة حرب المالوين (1982) وصدمة التضخم الهائل في العام 1989، فقد تحملوا ابتزازات القادة السياسيين الذين ما انفكوا يهددونهم بخطر "العودة الى الماضي" (الى الاستبدادية والانهيار الاقتصادي) مستمرين في الوقت نفسه في تطبيق النموذج الاقتصادي النيوليبيرالي نقطة بنقطة، والذي كان الجنرالات قد شرعوا في تنفيذه.
وما يجب التذكير به انه في الواقع في ظل هذا النظام غير الشرعي، الذي قضى على أكثر من 30000 شخص، كان الدين العام الخارجي قد ارتفع من 8 الى 43 مليار دولار موقعاً البلاد في دوامة جهنمية. وخلال هذه المرحلة كانت "الحرب القذرة" وسياسة الأمن القومي قد فرضتا مرحلة تحضيرية لخطة الاصلاح، وقد شغل فيها الأدوار الرئيسة كل من الجنرال الرئيس خورخي فيديلا، ووزير الاقتصاد مارتينيز دو لا هوز، وأحد كبار موظفي صندوق النقد الدولي، السيد دانتي سيموني، الذي كان يعمل لصالح النظام، بالإضافة الى رئيس البنك الدولي وهو المدعو ...دومينغو كافالو [2] .
والى دومينغو كافالو نفسه هذا كانت حكومة كارلوس منعم البيروني قد طلبت في العام 1991 أن يقضي على التضخم الهائل. وإذ حظي بتأييد المجموعة الدولية المالية، وأعدّ لـ"ثورة اقتصادية" برزت إصلاحاتها بين الأكثر راديكالية في القارة، فقد عمد هذا الأخير الى تطبيق التعليمات الآتية من الخبراء في واشنطن بكل دقة، من تفكيك القطاع العام عبر تسريح مئات الألوف من الموظفين، الى الخصخصة وتحرير الاقتصاد والمبادلات الخارجية الى رفع معدلات الفائدة. وقد ابتدع السيد كافالو نظام التحويل، اي معدل سعر صرف ثابت بين الدولار والبيزو، الذي سيتحول قيداً بالنسبة الى اعمال التصدير.
وقد دخلت البلاد سنتها الرابعة من الركود فأفلست عشرات الألوف من الشركات اما تلك التي لا تزال صامدة بصعوبة في نشاطها فإنها تعاني من تخلف تكنولوجي رهيب. وعندما انتخب الرئيس فرناندو دو لا روا من وسط اليسار في 24 تشرين الأول/اكتوبر عام 1999، كانت الديموقراطية قد باتت واجهة لمّاعة لدى افضل تلميذ للنيوليبيرالية، تديرها إدارة بلغ فيها الفساد ما يفوق الخيال [3] . وعندما استنجد به مجدداً، في 20 آذار/مارس عام 2001، حصل مدبر "المعجزة" في التسعينات، السيد دومينغو كافالو، من البرلمان على صلاحيات خاصة وعمل في 30 تموز/يوليو على إقرار "قانون تصفير العجز". ومن الاجراءات التي اتخذها في شهر تموز/يوليو، خفض مخصصات الموظفين وبعض رواتب التقاعد بنسبة 13 في المئة. أما مشروع موازنة العام 2002 فهو يقترح خفضاً في النفقات بنسبة 18.6 في المئة بالنسبة الى موازنة العام 2001، اي حوالى 9.2 مليار دولار.
لكن يبدو ان الارجنتينيين قد استعادوا حسهم الحيوي، فإذا الانتفاضة العظيمة تودي اولاً بوزير المالية المكروه ثم بكامل الحكومة وأخيراً في 20 كانون الأول/ديسمبر بالرئيس دو لا روا نفسه وقد اضطر الى تقديم استقالته.
وقد انطلقت شرارة هذه الانتفاضة عندما انقض ألوف الغاضبين وهم في غالبيتهم من العمال العاطلين عن العمل منذ سنوات والمحرومين من اي تغطية اقتصادية او اجتماعية، انقضوا على المخازن الكبرى وعلى المحال التجارية ونهبوها من أجل تأمين قوتهم. وبعد خطاب غامض من الرئيس دو لا روا أكد فيه أن أعمال الاحتجاج كانت من تدبير "اعداء الجمهورية"، لجأت الطبقة الوسطى المفقرة الى الـ "كاسيرولازو" [4] في جميع الاحياء من جميع مدن البلاد. ثم وبعفوية المتظاهرين الاول نفسها، نزلوا الى الشارع وتوجهوا الى "ساحة أيار" في بوينوس آيرس، وامام مقار السلطة في بقية المدن.
والفرق اللافت بين هذه الانتفاضة وبقية الانتفاضات ان الارجنتينيين لم يرفضوا النظام الاقتصادي وحسب بل أيضاً مجمل الطبقة السياسية والنقابية الا في بعض الاستثناءات النادرة (ومنها اتحاد العمال الارجنتينيين). وإذا كانوا من قبل يخضعون لتعليمات الاضراب ويتظاهرون في شكل منظم وتحت رايات منظماتهم النقابية والسياسية، فانهم هذه المرة تظاهروا بصفتهم الافرادية كمواطنين. فلم ترفع خلال التظاهرات أي اعلام، باستثناء علم البلاد، وللمرة الأولى منذ ما يزيد على نصف قرن، لم تكن هناك طبول البيرونيين التقليدية الضخمة. اما بعض الزعماء السياسيين الذين حاولوا الانضمام الى الجماهير فقد طردوا، كما حاول بضع مئات من المتظاهرين أن يقتحموا مبنى الكونغرس.
وفي تحديه حال الطوارئ التي أعلنت في 19 كانون الأول/ديسمبر، حوّل هذا التمرد الاجتماعي الأزمة الاقتصادية أزمة سياسية كفيلة ان تفضي الى أزمة مؤسسات. فالارجنتين تعيش نهاية عصر، واحدى اللحظات التاريخية التي لا يمكن التكهن بنتائجها. فمن الواضح ان المجتمع قد اطلق صرخته الصارمة "كفى!" في وجه الفساد المستشري [5] ، في وجه طغمة حاكمة تعيش منذ ربع قرن حياة مرفهة متقاسمة المنافع التي تمنحها إياها المصارف الكبرى والشركات المتعددة الجنسية وبقية مراكز القوة المعولمة. ذاك انه وفي حين ان البلاد هي "التلميذ المطيع لصندوق النقد الدولي"، وان 90 في المئة من مصارفها و40 في المئة من مصانعها هي في عهدة الرساميل الدولية، جاءت النتائج مدمرة.
ومنذ أوائل سبعينات القرن الماضي ارتفع الدين الخارجي من 7.6 مليار دولار الى 132 مليار دولار (وبحسب بعض التقديرات أنه يبلغ 155 مليار دولار)، وذلك بدون الحديث عن الـ40 مليار دولار التي جنتها الدولة من عملية الخصخصة وانتهت بالتبخر... وفي هذه الأثناء ارتفعت نسبة البطالة من 3 في المئة الى 20 في المئة، والفقر المدقع من 200000 شخص الى 5 ملايين، والفقر العادي من مليون الى 14 مليون شخص، والأمية من 2 في المئة الى 12 في المئة والأمية الوظيفية من 5 في المئة الى 32 في المئة... في حين ان ما أودع في الخارج من ثروات الزعماء السياسيين والنقابيين وارباب العمل يبلغ 120 مليار دولار. فـ"التلميذ النموذجي" شكل مدرسة في كل شيء من الاختلاس الى انعكاساته الاجتماعية المدمرة.
وقد طفح الكيل بعملية "السلب بالقوة" التي قررها السيد كافالو في الأول من كانون الاول/ديسمبر عام 2001. فتحت ضغط الاستحقاقات المالية الدولية، حيث كان على الدولة ان تسدد 750 مليون دولار قبل نهاية العام 2001 وما يزيد على ملياري دولار قبل نهاية كانون الثاني/يناير عام 2002 قررت الحكومة الحد من السحوبات المصرفية لاصحاب الودائع الخاصة "من اجل وقف عملية هرب الرساميل"، فلم يعد في امكان الارجنتينيين أن يسحبوا أسبوعياً أكثر من 250 دولاراً نقداً من حساباتهم المصرفية. وبالتأكيد اتخذ هذا الاجراء بعدما كان كبار المضاربين المحليين والدوليين قد أخرجوا من البلاد ما يزيد على 15 مليار دولار [6] ...
وفي كلمة أخرى وقعت صدمة الانعاش الأخيرة التي أعطيت للنظام، على كاهل الصغار والمتوسطين من المودعين وعلى الشركات الوطنية التي لم تعد إثر ذلك قادرة على التصرف بحرية بأموالها مرتعدة في كل يوم اكثر من احتمال انخفاض أسعار العملة الذي يمكن ان يحول مدخرات حياتهم كلها عملة هوائية... وقد استغلت المصارف حال اليأس التي يعيشها المواطنون للحصول على المال نقداً، ففرضت عمولات على استخدام بطاقات الاعتماد بنسبة 40 في المئة على البيزوس و29 في المئة على الدولار محتفظة لنفسها بحق زيادة هذه المعدلات [7] ! وقد جاء هذا الاجراء ليزيد على ملايين المواطنين الغارقين في الفقر ملايين عدة من الطبقة الوسطى التي "جردت من رأسمالها".
أما الثمن المأسوي لهذه الانتفاضة الشعبية فقد كان 31 قتيلاً سقطوا ضحية القمع البوليسي، وألوف المتاجر المنهوبة والعديد من أحياء المدن الكبرى التي أقفرت وجمهورية بلا قيادة [8] . وبعد أربعة ايام من المداولات الحادة قررت زمرة "لصوص السياسة" الذين ملأوا الكونغرس (النواب والشيوخ معاً) ما خلا قلة منهم، ان يتولى الرئاسة موقتاً حاكم مقاطعة سان لويس السيد أدولفو رودريغز سا في انتظار تسليم السلطة الى رئيس جديد ينتخب في اقتراع حدد موعده في 3 آذار/مارس المقبل [9] .
وهل ان الطبقة السياسية التي باتت تخشى على حياتها ستعمد الى معالجة الوضع بشيء من العقلانية، متجاوزة، أقله للوهلة الأولى، الانقسامات السياسية والمطامع الشخصية ونزاع المصالح؟ الارجح ان المهمة لن تكون سهلة، فالاقتصاد مدمر والمجتمع في ثورته طرح مطالب ملحة. وبعدما أنكر الزعماء السياسيون على مدى سنوات الازمة البديهية للنموذج البالغ الليبيرالية سيكون عليهم ان يتحملوا مسؤولية فشله في أسوأ الظروف إذ إن احتياط العملات الأجنبية الذي غرف منه السيد كافالو لتسديد مستحقات الدين الخارجي لم يعد له عملياً اي وجود [10] .
وقد اعلن السيد أدولفو رودريغز سا مجموعة من الاجراءات الاجتماعية الصارمة وعلق رسمياً عملية تسديد الديون في انتظار مفاوضات جديدة مع الدائنين. وإذ وعد بإصدار عملة جديدة في محاولة إعادة تنشيط الاقتصاد أكد أيضاً أنه لن يعمد الى خفض سعر البيزو، وهذا ما كان يخشاه المواطنون والمستثمرون المحليون الغارقون في الدين بالدولار، مع انه على أرض الواقع بات معدل سعر العملة بالنسبة الى الدولار سراباً، فالمصارف لم تعد تبيع دولارات والعملة الاميركية تستبدل في السوق السوداء بـ2 بيزوس.
اما أزمة التمثيل السياسي فقد أخرت ردة الفعل الاجتماعية وتحمل على الخشية من تحول هذه الأخيرة الى الفوضى، ولتجنب الأسوأ على السلطة الجديدة أن تختار، فاما ان تفضل مصالح الشركات المتعددة الجنسية كما فعلت على الدوام، واما أن تعرض نفسها لانتفاضة شعبية جديدة. ويلاحظ بعض المراقبين بشيء من القلق التماثل بين الوضع الحالي والانهيار العالمي الكبير في الثلاثينات، بما في ذلك التطورات والنتائج السياسية التي رافقت جمهورية فيمار.
قد يبدو ان في هذه المقارنة شيئاً من المبالغة، لكن هذا الاعتقاد يسقط عند النظر في التاريخ الارجنتيني أخيراً، من خسارة حرب المالوين الى سنوات من القمع الى فقدان ممثلي الشعب صدقيتهم الى سقوط الثقة في المؤسسات الى انسداد الآفاق التي يمكن اللجوء اليها الى الأزمة العالمية... ففي هذا السياق كيف يمكن استبعاد الفكرة القائلة بأن الفراغ في السلطة قد يفضي الى مخرج عبر سلطة استبدادية او محاولة السير في ركاب أحد المغامرين؟
[1] مدير طبعة "لوموند ديبلوماتيك" في بيونس ايرس.
[2] Lire Arnaud Zaccharie, "Aux origines de la crise argentine", dans le dossier "Crise de la dette argentine" du Comité pour l'annulation de la dette du tiers-monde (CADTM) : http://users.skynet.be:cadtm
[3] Lire Carlos Gabetta, "Le lent naufrage de l'Argentine" et Jorge Beinstein, "Entre dette et pillage, une économie à genoux", Le Monde diplomatique, respectivement octobre 1999 et juillet 2001
[4] أحد أشكال الاحتجاج، يقف المحتجون على النوافذ أو ينزلون الى الشوارع وهم يقرعون بصخب على "الكاسرولات" أو أواني المطبخ
[5] إن التهرب من الضرائب الذي بلغ في العام 1998 ما يقارب 40 مليار دولار، حرم الدولة نصف الواردات المالية التي كان من المفترض ان تحصلها. وهكذا فان 17 في المئة من المداخيل المرتفعة تدفع ضريبة دخل. المرجع الوارد أعلاه
[6] Daniel Muchnik, "La economía en la cuenta regresiva", Clarín, Buenos Aires, 16 janvier 2001.
[7] Gustavo Bazan, "Tarjetas de crédito : sólo prestan en dólares y a tasas muy altas"(traduire le titre), Clarín, 18 décembre 2001.
[9] إن منصب نائب الرئيس شاغر منذ قدم السيد كارلوس شاشو" استقالته في تشرين الأول/أكتوبر عام 2001. وفي هذه الحال يمكن الكونغرس (يسيطر عليه الحزب البيروني) أن يدعو الى انتخابات عامة أو يوكل الى أحد أعضائه أو أعضاء الحكومة أو الى أحد حكام المقاطعات ان يتولى المنصب الشاغر حتى انتهاء مدة الولاية في كانون الأول/ديسمبر عام 2003.
[10] Julio Nidler, "Mucho plan, pero pocos dólares", Pagina 12, Buenos Aires, 21 décembre 2001. Voir également le dossier "Argentina, un país empantanado", Le Monde diplomatique édition Cône sud, décembre 2001.
|
http://www.mondiploar.com/ |