طبع المقال
تحميل المقال

عودة الى الرئاسة الامبراطورية في الولايات المتحدة

فيليب غولوب
Philip GOLUB

    منذ نهاية حرب فيتنام واليمين الاميركي يحلم بالامبراطورية المستعادة. ففي ما يتعدى الجانب الاقتصادي الاجتماعي النيوليبيرالي، فان "الثورة (المضادة) المحافظة" التي شهدتها الثمانينات كانت تطمح الى اعادة احياء الشعور الوطني الجريح واستعادة مفهوم الامجاد والشرف العسكري وكذلك استقلالية السلطة التنفيذية المفقودة بعد سقوط سايغون وفضيحة "واترغيت" لصالح السلطات المضادة، التشريعية والقضائية. والمفارقة في بلد "الدولة الضعيفة" هي ان منتقدي الدولة الفيديرالية هم الذيم يعمدون عند وصولهم الى الحكم الى تعزيز السلطات الملكية وخصوصا اعلان الحرب.

    فقد قاد رونالد ريغان (1980 ـ 1988) وهو من دعاة تخفيف سلطات الدولة، اكبر عملية توسع عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة في زمن السلم [1] ولو ان اعادة اطلاق النفقات العسكرية كانت قد بدأت مع الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر.. اما خليفته، الماهر في التخطيط الجيو ـ سياسي والفاشل في السياسة، جورج بوش الاب (1988 ـ 1992) فقد تابع عموما برنامج اعادة تحريك الآلة الامنية الوطنية في اطار ما بعد الحرب الباردة. لكن لا هذا ولا ذاك تمكنا من اكمال هذا المنطق الى آخره.

    ففي عهد رئيس كان متوقعاً له الفشل والعجز السياسي، يبدو ان اعادة تأسيس سلطة تنفيذية متمركزة حول ادوات الامن الوطني باتت قريبة من التحقيق. فبفضل جريمة 11 ايلول/سبتمبر التي لا مثيل لها، وما تلاها من حرب افغانستان، آخر النزاعات الثلاثة المعتمدة على التكنولوجيا المتطورة والتي خرجت منها الولايات المتحدة منتصرة في غضون عقد من الزمن، تحول الحاكم السابق القادم من الولايات الى قيصر اميركي. انه انجاز لم ينجح في تحقيقه لا ريغان ولا بوش الاب. كتبت "واشنطن بوست": "لقد ادت هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر وحرب افغانستان الى تسريع كبير في دينامية تعزيز السلطات الرئاسية التي تسعى اليها ادارة بوش(...) فالرئيس يتمتع بنفوذ يتجاوز نفوذ جميع الرؤساء ما بعد فضيحة ووترغيت وهو ينافس حتى سلطة فرانكلين. د. روزفلت" [2] .

    السيطرة: عبارة موفقة. طالما كان للحرب وجهان، خارجي وداخلي. وكان ارسطو قد اشار الى ان الطاغية يلجأ احيانا الى الحرب "كي يحرم رعاياه الترفيه وان يفرض عليهم الحاجة الدائمة الى قائد" [3] . بالطبع ليس السيد بوش طاغية بل الفائز المغامر في انتخابات مشكوك في نتائجها. وليس هو من اعلن الحرب بل ان هذه الحرب التي يقول عنها انها ستدوم، تؤمّن له الوسائل لتأكيد القوة الاميركية واعادة تأسيس سلطته السياسية الشخصية. وتسمح له على الصعيد الخارجي بالبرهنة مجددا عن التفوق العسكري ـ التكنولوجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة والتأكيد ـ الذي قدمه والده قبله في العراق ـ ان القوة لا تزال ضرورية في مرحلة ما بعد الحرب اضافة الى اعادة ترتيب المشهد الاستراتيجي الدولي. وتدفعه في الداخل الى احياء مجلس الامن القومي [4] ، والى تأكيد سلطته وايجاد المبررات لتهميش السلطتين المضادتين، التشريعية والقضائية. وبعدما كان حاكم الولاية السابق معاديا للدولة السلطوية النزعة، ها هو يبني سلطة تنفيذية قوية، موحدة، مستقلة وصاحبة سياسة تدخلية.

وقد تمكن بفضل الخضوع الطوعي للكونغرس مجتمعا الذي صوّت في نهاية ايلول/سبتمبر [5] على "القانون الوطني الاميركي" متنازلا بذلك عن جزء كبير من صلاحياته، تمكن من تزويد السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية كالحجز الاحتياطي غير المحدد زمنيا لغير المواطنين الاميركيين اذا كانوا في وضع "غير شرعي"، او ايضا انشاء المحاكم العسكرية الاستثنائية عملا بالمرسوم الرئاسي بتاريخ 13 تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم. وبقي قيد الاعتقال حتى منتصف شهر كانون الاول/ديسمبر على الاقل اكثر من 1200 شخص اوقفوا غداة الحادي عشر من ايلول/سبتمبر من دون الافصاح عن هوياتهم وطبيعة التهم الموجهة اليهم [6] .

    فلا الموقوفون ولا عائلاتهم يمكنهم الاطلاع على ملفات الاتهام. اما المحاكم العسكرية الاستثنائية التي انشئت من دون علم الكونغرس او المحكمة العليا، فانها مخولة اعتقال "الارهابيين" و"مجرمي الحرب" ومحاكمتهم واعدامهم، وهم الذين تصنفهم هكذا السلطة التنفيذية وحدها وعلى قاعدة شهادات او براهين سرية. كما تبقى سريةً الامكنة التي تعقد فيها هذه المحاكمات اضافة الى آلية عملها والاتهامات التي توجهها ومداولاتها واحكامها وتشكيلها. وخلافا للمحاكم العسكرية العادية لا يمكن المحكومين تمييز الاحكام حتى لو كانت بالاعدام.

    وكما اشارت صحيفة "نيويورك تايمز" فإن هذه الاهانات الموجهة الى المبادىء الاساسية لدولة القانون الذي يطبق بالتساوي وعلى جميع من ينطبق عليهم لن تؤدي الى "اقامة نظام قضائي مواز" [7] . من جهة المواطنين الاميركيين بمن فيهم الارهابيون من امثال تيموتي ماكفاي مرتكب اعتداء اوكلاهوما سيتي عام 199، فإنهم يمثلون امام محاكم عادية بينما تكون حصة الاجانب المقيمين او غير المقيمين في الولايات المتحدة المحاكم العسكرية الاستثنائية. في المختصر، تكون السلطة التنفيذية قد خلقت مؤسسة لاقانون في دولة القانون اضافة الى تزويدها سلطات تحقيق وتدخل شاملة. هكذا يشن البنتاغون الحرب ويحدد المذنبين ويحاكمهم.

    هكذا تكون السلطة التنفيذية قد وسعت في شكل كبير هامش تدخلها في الحياة العامة الاميركية، ومن خلال افقاد المحكمة العليا دورها كمرجع اخير وترك الكونغرس في حالة عجز، يكون السيد بوش قد اعاد النظر في صورة جدية في فصل السلطة المبنية عليه الديموقراطية الاميركية.

    لا سابقة لهذا الانحراف التسلطي في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. حتى في عز الحرب الباردة، لم تتجاوز السلطة التنفيذية الحدود على هذه الصورة. لقد شجعت بالطبع "مطاردة السحرة" كما يقال وكذلك الرقابة واللوائح السوداء والقمع العنيف لحركة الحقوق المدنية واسرار الدولة واكاذيبها اضافة الى اعطاء مكتب التحقيقات الفيديرالي سلطات ضخمة وتنفيذ العمليات غير الشرعية في الداخل والخارج. لكن لا في مناسبة حرب كوريا ولا في حرب فيتنام المعتبرتين محدودتين في الزمن، لم يُصر الى انشأ قضاء مواز تشرف عليه الرئاسة وحهاز الامن الوطني. وبحسب التعبير الصارخ لاحد كاتبي الافتتاحيات من اليمين التحرري والمتحمس عادة للجمهوريين، لا تتعدى المسألة كونها "حكماً ديكتاتورياً" [8] . يعطي المفكر والباحث الناقد السيد شالمرز جونسون وصفا مشابها حيث نشهد، بحسب قوله، "انقلابا عسكريا كامنا يحول البلد وعلى صورة المانيا الشرقية في ما مضى، الى مجتمع من الوشاة لن يشعر فيه بالامان الا المورمون البيض وحدهم".

    من دون الوصول الى هذا الحد، يبدو جليا ان الدولة الامنية في حالتها القصوى التي يريدها السيد بوش والمضادة لكل التقاليد السياسية الاميركية، لا يمكن ان تتحول الى مؤسسة الا اذا لم تعرف الحرب نهاية. وهذا هو على الارجح المغزى الخفي لخطاب الرئاسة الامبراطورية الجديدة الذي لا يطرأ عليه أي تغيير. فبحجة ان 11 ايلول/سبتمبر يمثل بداية حرب عالمية وانها "بيرل هاربور" القرن الحادي والعشرين، يعلن الكفاح الشامل ضد الارهاب بلا حدود في الزمان او المكان.

    لا حدود في المكان: فبعد انتهاء الحملة على افغانستان، يتوقع فتح "مرحلة ثانية" أشير اليها منذ نهاية ايلول/سبتمبر ويمكن توجيهها في البداية ضد البلدان المفترض انها تؤوي شبكات ارهابية سرية، في الشرق الاوسط وآسيا وافريقيا واميركا اللاتينية. في كل حال بدأ الاميركيون نشاطهم في الفيليبين حيث يساهمون بخبرتهم في مكافحة التمرد وسيبدأون قريبا في الصومال حيث اقترب البلدان من توقيع اتفاق يسمح للولايات المتحدة باستخدام مرفأ بربرا.  اما المرحلة الثالثة فيتم فيها توجيه العمليات ضد عدو اكثر خطورة، وهو العراق.

    لا حدود في الزمان: يوما بعد يوم تكرر الادارة من دون كلل ان الحرب ستكون طويلة وربما بلا نهاية. بعد القضاء على اسامة بن لادن، يجب مطاردة شبكة "القاعدة" المنتشرة في كل اقطار الارض. ثم يأتي دور من حل محلهم اذ ان الغاء مظاهر الداء لم تقضِ يوما على المرض. واذا صدقنا بعض الأطروحات السوداوية فإن الحرب يمكن ان تدوم خمسين عاما. في كل حال، "الى ما بعد موتنا" بحسب نائب الرئيس الاميركي ريتشارد تشيني المختبىء في حصن سري بالقرب من واشنطن منذ الحادي عشر من ايلول/سبتمبر. وعلى صورة الحرب المعروفة بالباردة والتي دامت اربعين عاما، فانه سيصار الى استخدام "جميع امكانات الدولة".

    ان هذا الخطاب الموحد والمتماسك موجه ربما الى الرأي العام الاميركي اكثر منه الى العالم، محاولا خلق التعبئة الدائمة وتشريعها في صفوف الشعب الملتف حول قائد لا يتعرض للنقد حتى الآن لكنه قد يواجه بسرعة بعد نهاية الحرب المنظورة، حرب افغانستان، الناخبين المستائين من وضع اقتصادي يزداد صعوبة.

    حتى الآن ادى تدخل الدولة في الاقتصاد (رأى فيه بعض السذج "عودة الى السياسة" المتحررة اخيرا من متطلبات الاسواق المعولمة) الى فوائد حصرية للشركات الكبرى والمجمع العسكري ـ الصناعي وهما الركيزتان الطبيعيتان للرئاسة الاميركية. فانفقت الدولة عشرات المليارات على شكل مساعدات مباشرة وغير مباشرة: 15 ملياراً لشركات الطيران، 25 ملياراً مساعدات غير مباشرة لجميع الشركات التي استفادت من هدية ضريبية مع مفعول رجعي و20 ملياراً اعطيت مباشرة الى وزارة الدفاع (تبلغ موازنتها 329 مليارا). في موازاة ذلك لم يقدم شيء للاجراء والعاطلين عن العمل الذين يزداد عددهم ليبلغ اليوم 6،5 في المئة من السكان في سن العمل. ووصل الامر بزعيم المجموعة البرلمانية الجمهورية السيد ديك ارمي الى القول ان تعويض البطالة "ليس جزءا من الروحية الاميركية". لكن مع تنامي الركود سيلتحق العديد من الاميركيين بصفوف العاطلين عن العمل من اليوم وحتى الانتخابات التشريعية عام 2002 والرئاسية عام 2004.

    لن يتمكن السيد بوش على الارجح من المحافظة على هذا التوجه بدون اجواء التعبئة الدائمة القائمة على الخوف. ربما انتصر بسرعة اكثر من المطلوب في حرب افغانستان، فقد تسأم الولايات المتحدة قريبا من الرئاسة الامبراطورية الجديدة.



[1]  دانا ميلبانك في "انترناشيونال هيرالد تريبيون"، 21/11/2001.

[2]  ارسطو، "كتاب السياسة".

[3]  اقرأ

Reves d empire de l administration americaine, Le Monde diplomatique, juillet, 2001.

[4]    راجع

 Michael Ratner,”Les libertes sacrifiees sur l’autel de la guerre”, Le Monde diplomatique, nov. 2001.

[5]  باستثناء الفرنسي زكريا الموسوي الذي اتهمته محكمة مدنية في 11 كانون الاول/ديسمبر بالمشاركة في التحضير لاعتداءات 11 ايلول/سبتمبر

[6]  افتتاحية "نيويورك تايمز"، 2 كانون الاول/ديسمبر 2001.

[7]  William Safire, “Seizing dictatorial power”, New York Times, 15/11/2001.

[8]    مقابلة مع المؤلف.   

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم