طبع المقال
تحميل المقال

هندسة أمنية جديدة في الأميركتين
جانيت هابل
*
JEANETTE HABEL

أن السؤال المفتاح الذي يطرح لدى مناقشة موضوع الدفاع عن نصف الكرة الأرضية (النصف الأميركي) هو الآتي: ضد أي خطر؟ ففي ما قبل كان على الولايات المتحدة ان تواجه خطراً محدداً بدقة ويتفهمه الأميركي العادي [2] ، أما اليوم فقد بات هذا الخطر أشدّ تعقيداً وأكثر استعصاء على التحديد". هذا ما كان يقال قبل 11 أيلول/سبتمبر. فالاستاذ لويس أرثور تامبس، الديبلوماسي والمؤرخ والاستاذ في جامعة ولاية أريزونا وواضع تقرير حول مستقبل الأميركتين [3] يلخص في نقاط تسع المفاصل الكبرى التي يجب أن توجه العملية الأمنية في نصف الكرة الارضية وهي "الدفاع" و "المخدرات" و "السكان" و "الديون" و"تفكك الصناعات" و "الديموقراطية الشعبية ما بعد الحرب الباردة" و "عدم الاستقرار"  و"التصحر" و"زوال الولايات المتحدة". (سميت نقاط "D" لأن كلاً منها يبدأ بهذا الحرف في اللغة الانكليزية).

أما حرف "T" (Terrorisme = الارهاب) فلم يرد ضمن مصطلحات هذا القاموس الأمني، فالارهاب ورد ذكره في فصل "المخدرات". وقد تم تحديد عالم "المخدرات-الارهاب" على أنه "تحالف بين المنظمات الارهابية وتجار المخدرات والجريمة المنظمة، هذا التكافل الفتاك الذي يدمر العناصر الحيوية في الحضارة الغربية". وفي هذا التعداد المتناقض ظاهرياً، تحتل الحرب على المخدرات موقعاً مركزياً في الواقع، حيث ان إدارة الرئيس بيل كلينتون كانت متهمة بأنها لم تفِ بتعهداتها بالقضاء على تجارة المخدرات. أما في موضوع "الديموقراطية الشعبية" فيجري التنبيه الى حكومة الرئيس هوغو شافيز في فنزويلا، وفي موضوع "السكان" الى الأخطار التي تولدها موجات الهجرة في الولايات المتحدة (آخر إحصاء أميركي لحظ نمواً لافتاً في عدد السكان من اصل اسباني، 58 في المئة في عشر سنين أي ما يعادل 35 مليون نسمة).

ومن أجل فهم هذا البيان المتناقض وإعادة التحديد هذه لمفهوم الأمن القاري، يجب الانطلاق من السياق الناشئ ما بعد الحرب الباردة وزوال "الخطر الشيوعي". فبعد سقوط الديكتاتوريات في الثمانينات اقترنت عودة الديموقراطية بشيء من الاستقرار الهش، في حين أن الانفتاح السياسي واقتصاد السوق قد ولدا من جهتهما آمالاً كثيرة. والحال، انه ابتداء من التسعينات تراجع اقتصاد السوق وتفاقمت الأزمة الاجتماعية وعادت الأمور الى عدم الاستقرار.

وكان للأزمات الاقتصادية أو المالية، المكسيكية في 1995 والبرازيلية والاكوادورية في 1999 والارجنتينية في 2001، انعكاسات مدمرة، وأدت الظروف الاجتماعية والسياسية الى تصاعد حركات الاحتجاج ومن الأدلة على ذلك عمليات الاحتجاج الضخمة من مزارعي بوليفيا، وتمرد السكان الأصليين في الاكوادور وثورة "البيكيتيروس" في الأرجنتين. وأخيراً فإن الحرب الأهلية في كولومبيا تهدد بتفجير الاضطرابات في مجمل المنطقة، فيما حكومة السيد شافيز تثير في واشنطن سخطاً متزايداً. وبالرغم من أن هذا الجزء من القارة لا يواجه تهديداً عسكرياً من اي قوة عدوة فإن حالات "الغليان" هذه نشطت مجدداً الاهتمامات الأمنية.                                                                                                                                                                                        

أما الارهاب الدولي وتجارة المخدرات وموجات المهاجرين وتشوّه البيئة التي حددت على انها "تهديدات غير تقليدية على مستوى العالم" فهي تمثل العدو الجديد. وفي الحقيقة أن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي هو بكل بساطة الذي استخدم تاريخياً لتشريع تدخل الولايات المتحدة وسائر الأمم، والذي "يبرز مجدداً كخطر محتمل بالنسبة الى الأمن الإقليمي"، بحسب ما يستنتج الباحثان الأميركيان جوزف تولشان ورالف اسباش [4] . هذا إضافة الى أن "الحرب على المتمردين الكولومبيين الذين يسيطرون على نصف الأراضي تقريباً يمكن ان تمتد الى فنزويلا وبنما والاكوادور والبرازيل، مستدعية بذلك حالات توتر متزايدة ووجود قوات عسكرية اضافية على الحدود. أضف الى هذا ان السياسة الأميركية إزاء كولومبيا تتجه الى توسيع أبعاد هذا النزاع".

ويصبح الرد على هذه التهديدات "غير التقليدية" أكثر الحاحاً مع نجاح مسيرة تنفيذ معاهدة منطقة التبادل الحر بين دول اميركا بعد مصادقة مجلس النواب على "هيئة التنمية التجارية" (او الخط السريع سابقاً). ويرى مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية [5] ان ما بين إنشاء منطقة التبادل الحر الأميركية و"الترسيمة الأمنية في الأميركتين" المستحدثة، ترابطاً وثيقاً: "جاءت التغيرات الاقتصادية أسرع من التغيرات في المجال الأمني مما أدى الى تزايد العنف من جانب الشعوب التي تؤمّن حياتها بالوسائل غير الشرعية". وإزاء هذا التحدي الجديد "الذي لا يمكن الدول المستضعفة ان تواجهه في مفردها"، يتطلب الأمر وضع سياسة دفاعية متجانسة في نصف الكرة عبر تحديد الأهداف والوسائط المؤسساتية الضرورية لتعزيز النظام الأمني الأميركي المشترك. أما محطة 11 أيلول/سبتمبر فمن المفترض أن تساعد في تسريع الاصلاحات التي كانت بدأت في المؤسسات القارية التي أنشئت في بداية الحرب الباردة.

بعد عشرة ايام على تدمير "البرجين" وفي اجتماع استثنائي لمنظمة الدول الأميركية خُصص للبحث في عملية الرد، أعلن وزير خارجية الأرجنتين أن "معاهدة التعاون المتبادل الأميركية المشتركة لا تزال سارية المفعول وصالحة كلياً، وهي تساعد في البحث في القواعد ووضع الاطار السياسي لأي رد عسكري محتمل". وقد جاء هذا التأكيد مفاجئاً جداً، فهذه المعاهدة التي عقدت في العام 1947 وشملت جميع دول نصف الكرة الأرضية (باستثناء كوبا) لم يثر الحديث عنها منذ حرب المالوين التي وقعت بين بريطانيا والارجنتين في العام 1982، وفي ذلك الحين رفضت واشنطن تطبيق هذه المعاهدة وأيدت لندن في هذه الحرب بالرغم مما ورد في بنود المعاهدة التي تنص عملياً على ان اي اعتداء على أي من الدول الأعضاء يعتبر اعتداء على جميع الأعضاء وذلك على مبدأ مماثل لمبدأ المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي.

ومن غريب الصدف أنه قبل اعتداءات نيويورك وواشنطن بأيام، وصف الرئيس المكسيكي فيسانتي فوكس معاهدة التعاون المتبادل الأميركي المشترك بأنها "حال جلية من البطلان واللاجدوى". واياً يكن، فقد جرت الموافقة على العودة الى هذه المعاهدة بالاجماع من وزراء الخارجية الذين دعاهم الى الاجتماع الرئيس البرازيلي فرناندو هنريكي كاردوزو، إذ إن حكومات القارة اعتبرت ان اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر تمثل تهديداً لـ"الأسرة الأميركية" وللأمن في نصف الكرة الأرضية.

وفي حين ان الجمعية العمومية لمنظمة الدول الأميركية لم تستطع التوصل الى اتفاق في حزيران/يونيو عام 2001 لاقرار الميثاق الديموقراطي الأميركي المشترك الذي رأى بعض المشاركين أنه قد يشرع حق التدخل، فإن هذا الميثاق أقر بالاجماع وبدون مداولات، في الجمعية الاستثنائية لمنظمة الدول الأميركية التي انعقدت في ليما في أيلول/سبتمبر عام 2001. غير ان بعض بنودها أثار العديد من التحفظات، وإذ كان الهدف من هذا الميثاق "تعزيز ديموقراطية المؤسسات وصونها"، وفي نوع خاص ضد اي محاولة انقلاب عسكري، فهو قد حدد أيضاً أشكال اللجوء اليه والتدخل من جانب منظمة الدول الأميركية، هذه الأشكال التي بغموضها قد تؤمّن الظروف لممارسة حق التدخل.

فإذا ما قدرت حكومة دولة من الدول الأعضاء أن "مسيرتها السياسية والمؤسساتية والديموقراطية، أو أن ممارستها الشرعية للسلطة هي في خطر، فيمكنها اللجوء الى الأمين العام أو الى المجلس الدائم لمنظمة الدول الأميركية من أجل طلب المساعدة في ما خص صون الديموقراطية". وفي هذه الحال يمكن المجلس الدائم للمنظمة أن "يتخذ إجراءات خاصة بهذه الحماية أو بترسيخ الديموقراطية المؤسساتية" التي فإذا تعرضت "لانحرافات" يمكنه أن "يتخذ القرارات التي يراها ملائمة"، "وبالتحديد الخطوات الديبلوماسية". وكلمة "بالتحديد" هذه تبقى غامضة حتى أن احد المراقبين تساءل عمن هو مخول تحديد المقصود بهذا "الانحراف على المستوى الدستوري"؟

هذا ما شدد عليه السيد روجيه نورييغا، الممثل الدائم للولايات المتحدة في منظمة الدول الأميركية قائلاً: "إن القرارات التي صادقت عليها منظمة الدول الأميركية ليست محض كلام منمق، بل تشكل إطاراً للعمل، وهي تحدد الخيارات السياسية للحكومات الأعضاء في منظمة الدول الأميركية" [6] . لكن هنا أيضاً، من الذي يمسك بحق التقرير في منظمة برهنت أخيراً على تبعيتها للقوة العظمى الأميركية؟

أما السيد بيتر روميرو، مساعد وزير الخارجية الأميركي لنصف الكرة الأرضية في عهد الرئيس كلينتون، فقد أثار في العام 2000 موضوع إنشاء صندوق خاص لمواجهة الأزمات، تابع لمنظمة الدول الأميركية، والمقصود نوع من "آلية للديبلوماسية الوقائية" يمكن استخدامها مثلاً في الارجنتين كيلا تؤدي الانفجارات الاجتماعية الى أزمة مؤسسات. وليست المرة الأولى تطرح فيها على بساط البحث فكرة صوغ آلية للتدخل الاقليمي، أي نوع من "مجموعة دعم" مؤلفة من "دول صديقة" من أجل تسوية الأزمات، لكن التجارب في هذا المجال قد باءت دائماً بالفشل.

أما مجلس الدفاع الأميركي المشترك، الجناح العسكري لمنظمة الدول الأميركية، فيأسف لأن "غياب إطار شرعي محدد ومتجانس ينظم الأعمال التي يمكن أن ينفذها تشكيل من قوى عسكرية متعدد الجنسية في نصف الكرة، يعزز تحفظات الدول الأعضاء ويمنعها من المشاركة في هذه المهمات" [7] . واليوم، يجري الاعداد لمشروع قوة متعددة الطرف من أجل محاربة الارهاب وذلك بموافقة حكومة الارجنتين، حليفة الولايات المتحدة من خارج حلف الاطلسي، والتي اعلنت استعدادها للمشاركة في اي عملية عسكرية محتملة.

ولأنه الشغل الشاغل لواشنطن، فإن وضع آليات الدفاع الجماعي الخاص بالعمليات المتعددة الجنسية في إطار مقاربة استراتيجية اقليمية، يستدعي توسيعاً دائماً لمجموعة أجهزة الأمن المتعدد الطرف. وهكذا أضيفت الى مجلس الدفاع الأميركي المشترك، اللجنة الفنية الخاصة بالامريكتين والتي أنشئت في العام 1955 متشكلة من وزراء دفاع الدول الأميركية، ومهمتها بحسب ما اوضح وزير الدفاع الأميركي السابق وليم كوهن، "تعزيز العلاقات الشخصية" وتأمين الاجماع في إدارة الأزمات، واللقاءات المنتظمة بين قادة أركان مختلف الجيوش. ومنذ فترة أقرب، في العام 1999، أنشأت الجمعية العمومية لمنظمة الدول الأميركية لجنة أميركية مشتركة لمكافحة الارهاب كلفت وضع اطار بنيوي لمساعدة الدول الأعضاء في هذه المنظمة.

ومع ذلك فان المخططين الأميركيين يرون أن تعدد هذه الأجهزة لا يكفي لتعويض "ضعف المؤسسات في الاطار الأمني لمنظمة الدول الأميركية" كونها ليست ملزمة بالقدر الكافي، فدول أميركا اللاتينية ليست مستعدة للتضحية بأولوياتها الوطنية لتحقيق مكاسب على الصعيد الاقليمي" خشية نفوذ الولايات المتحدة [8] . وهكذا فإن توسيع تشكل الجيوش والعمليات العسكرية الى خارج حدود الدول، وبناء آليات الدفاع المشترك لا تزال تصطدم بمعارضة قوية، لكن الفكرة تفرض نفسها شيئاً فشيئاً، إذ برهن الضباط الأميركيون عن براعة في كسب تأييد زملائهم، حتى ان بعض العسكريين يرون في ذلك وسيلة لتحديث تجهيزاتهم وتحويل وحداتهم الى الاحتراف.

وهكذا انضمت البرازيل، في حزيران/يونيو عام 2000،  الى "بروتوكول 505" بغية الحصول على أسلحة وأعتدة دفاعية، ومقابل ذلك سمحت للولايات المتحدة بالدخول الى القواعد العسكرية البرازيلية وبوضع يدها على قاعدة "ألكانتارا" لاطلاق الأقمار الصناعية في شمال البلاد، وفي هذه القاعدة "سيكون لها حق الرقابة المطلقة 24 على 24 ساعة. ولا يسمح لأي برازيلي بدخولها بدون موافقة مسبقة من البنتاغون" [9] . وقد اثار هذا الأمر فضيحة إذ لم تبلّغ بهذا الاتفاق لا لجنة الشؤون الخارجية ولا لجنة الدفاع في البرلمان البرازيلي. والمنطق نفسه حكم صفقة بيع طائرات أف.16 القتالية من تشيلي، فحكومة السيد ريكاردو لاغوس استطاعت بذلك أن تسترضي جيشها السريع الانتفاض، ومصانع السلاح الأميركية، وهي تشكل مجموعة ضغط نافذة داخل إدارة بوش، حصلت من جهتها على ما تريد.

أخيراً، وفي منطقة تثير كل المطامع نظراً الى أهميتها الجيوسياسية ولاحتياطها النفطي، يأتي مشروع "بويبلا بنما" ليضم جميع بلدان أميركا الوسطى والواقعة جنوب شرق المكسيك. وهذا يعني تشكيل وحدات نخبوية لمكافحة الارهاب في المكسيك بحكم قربها من شياباس. وستتم عسكرة الحدود الجنوبية لهذا الممر التجاري ما بين المكسيك وغواتيمالا، بغية مراقبة تدفق المهاجرين. وهكذا زادت مشتريات المكسيك من الأجهزة العسكرية بنسبة 300 في المئة [10] ، وبحسب مؤسسة ستوكهولم الدولية للأبحاث حول السلام، فإن الانفاق على التسلح في دول أميركا اللاتينية قد زاد بنسبة 59 في المئة منذ الثمانينات.

وقد تضاعفت المناورات العسكرية المتعددة الطرف، التي لم تكن تحظى بتأييد شعبي في ما مضى، وفيها تمارس قيادة الجنوب في الجيش الأميركي نشاطاتها على أساس المبادئ المحددة في الاجتماعات الاقليمية، وسرياً في الغالب. وهذه الرغبة الأميركية في تعددية الطرف، التي تقدّم على أنها تغيير في السياسة المتبعة، ترمي في الحقيقة الى تحقيق هدف مزدوج، اي من جهة خفض الانفاق "يجب التوفير في موارد الدفاع الأميركي، فلكي تتم بنجاح عمليات التدريب في مشاركة 32 بلداً يتطلب الأمر كلفة باهظة" [11] . ومن جهة أخرى، تطبيق تعددية الطرف على الأخطار والخسائر، وذلك عبر التقليل من اهمية الوجود الأميركي والامساك دوماً بالقرار من طرف واحد. وهذا ما يؤكده احد البرازيليين: "بالنسبة الى واشنطن تعني تعددية الطرف ان تطلب الى حلفائها شيكاً على بياض وأن تجعلهم يضطلعون بمسؤولية إدارة تعويض الأضرار، مؤسسةً في الوقت نفسه لوضع آليات التدخل".

وتشكل التحديدات المطاطة موضوعاً آخر للقلق في وقت تحاول منظمة الدول الأميركية أن تضع اتفاقاً أميركياً مشتركاً لمكافحة الارهاب. ويلاحظ السيد ستيفن مونبلات، الديبلوماسي الأميركي رئيس  اللجنة الأميركية المشتركة لمحاربة الارهاب، ان في القارة نوعين من الارهاب: "فهناك إرهاب السكان الأصليين الذي يعبّر عن طموحات أو مشروع سياسي لمجموعة متجذرة في بلد واحد، والارهاب الدولي بخلاياه المترابطة دولياً". وحين لاحظ احد الصحافيين أنه لا يمكن إعطاء تحديد شامل للارهاب، رفض السيد مونبلات أن يرى تمايزاً بين الارهاب الوطني وبقية أنواع الارهاب، إذ شدد قائلاً: "نحن لا نهتم للقضية التي يجري الدفاع عنها، بل نهتم للأعمال التي ترتكب باسم هذه القضية".

لكن من الذي سيحدد من هم الارهابيون؟ ففي البرازيل اتهم العسكريون مرات عدة "حركة مزارعين بلا ارض" بأنها حركة من هذا النوع، وفي المكسيك واجه الزاباتيون التهمة نفسها. أما المجلس الوطني للاستعلامات التابع للـ "سي.أي.آي." ومركز الأبحاث العسكرية في تشيلي فقد رصدا "تحدياً جديداً للأمن الداخلي": إنه خطر السكان المحليين في المكسيك على أرض النار [12] ... وفي 20 أيلول/سبتمبر عام 2001، وضعت دائرة الدفاع الأميركي المشترك سيناريو يتوسع فيه النزاع "مما قد يؤدي الى حرب إقليمية شاملة ذات أبعاد اتنية ودينية". وعلى ذلك علق السيد دارك كوستا، منسق مركز الدراسات الاستراتيجية في مدرسة القتال العليا في البرازيل [13] : "لقد طلبت الى هوغو شافيز والى الميليشيا الكولومبية ان ينتبهوا للأمر".

وتتسارع الأمور على الأرض. فببراغماتيتهم، يدمج الزعماء الأميركيون بمهارة ما بين المفاوضات الديبلوماسية المتعددة الطرف والاتفاقات التجارية الثنائية معتمدين على حلفائهم المحليين من اجل الشروع في الأعمال التطبيقية. ففي أواخر شهر آب/أغسطس عام 2001 فوجئ الارجنتينيون حين اكتشفوا ان مناورات مشتركة تجري على اراضيهم وتضم 1300 عسكري ينتمون الى 9 دول [14] ، منها الولايات المتحدة، وفي حضور مراقبين كولومبيين.

"إيجيرسيسيو كاباناس 2001"، إنه اسم المناورة التي نفذت في منطقة سالتا، مسرح التظاهرات التي يقودها عناصر "البيكوتيروس". وإذ جرت في رعاية الولايات المتحدة وتمويلها، فهي تعتبر أهم المناورات التي نفذت في المنطقة. والمثير للاستغراب اكثر هو السيناريو الذي وضع لها، حيث جرى تصور صراع اتني تتواجه فيه "جمهورية سودستان المستقلة" و "اتحاد سودستان الحر". وما بين الاثنين تنتشر قوة متعددة الجنسية من الأمم المتحدة من أجل إعادة السلام، يشترك في قيادتها جنرال أميركي يحمل اسم باتلر(الاسم الأول) هو قائد الوحدات الخاصة التابعة لقيادة الشمال في الجيش الأميركي، وجنرال أرجنتيني يحمل اسم أوليفيرا (ايضاً الاسم الأول) هو قائد كتيبة تولى قيادتها سابقاً الديكتاتور السابق يورغي فيديلا.

وبالنسبة الى الجنرال أوليفيرا فإن "تدريب كتائب تشترك في الثقافة واللغة قد يخدم في المستقبل في تشكيل كتيبة للتحالف في إطار مهمة تابعة للأمم المتحدة". أما بالنسبة الى النائب الارجنتيني تورس مولينا فإن الأمر يتعلق في الحقيقة "بالتمرن من أجل المشاركة في قوة متعددة الجنسية ستدخل كولومبيا". والحال، انه لم تجرِ حتى استشارة الكونغرس الارجنتيني وهو الوحيد صاحب السلطة في السماح بدخول قوات اجنبية الى أراضيه.

ويرى أدولفو بيريز اسكيفال، الحائز جائزة نوبل للسلام ورئيس مكتب العدل والسلام، ان الولايات المتحدة تدفع بذلك في اتجاه "إعادة عسكرة أميركا اللاتينية على أساس توقع تزايد الصراعات الاجتماعية المرتبطة بترسيخ اتفاقات التبادل الحر في القارة". وهذا ما عناه التقرير الصادر عن مجلس الدفاع الأميركي المشترك الصادر في أيلول/سبتمبر عام 2001 عندما اشار الى أن "الفقر الشديد" و"نهضة الحركات الوطنية المحلية" و"تنامي البطالة" هي الاسباب المحتملة لعدم الاستقرار وللعنف في المنطقة. وفي المؤتمر الخاص بالأمن، المنوي عقده في العام 2004 في المكسيك، سيجري إقرار دور المجلس كمنظمة عسكرية وحيدة في نصف الكرة الأرضية هذا، "ليكون مسؤولاً عن قيادة القوات المتعددة الطرف" و"ليكون الضامن للعلاقة الفعلية بين السلطات السياسية والسلطات العسكرية". وهذا تطور يرى فيه البعض "عودة الى الاستعمار".



[1]  أستاذ محاضر في جامعة مارن لا فالي وفي مؤسسة الدراسات العليا الخاصة بأميركا اللاتينية.

[2]  المقصود مكافحة "التخريب الشيوعي" الذي برّر دعم الديكتاتوريات.

[3] James P. Lucier, " Santa Fe IV - Latinoamérica hoy ", Comité des affaires  étrangères du Sénat des Etats Unis, Washington, 2000

[4] Joseph Tulchin et Ralph Espach, " A call for strategic thinking " in Latin America in the new international system, Lynne Rienner Publishers, Boulder (Etats-Unis) & Londres,  2001.

[5] Toward a new security architecture in the Americas. The strategic implications of the  FTAA, Patrice M. Franko, The CSIS Press Vol. XXII, n0 3, Washington 2000.

[6] Roger Noriega, " The Western hemisphere alliance : the OAS and U.S. interests ", Heritage Foundation Lecture, Washington,  20 novembre 2001.

[7] Inter-American defense Board  Towards a new hemispheric security system  Washington, 6 septembre 2001.

[8] Cf Patrice M. Franko op.cit

[9] " Menaces américaines sur la base d'Alcantara au Brésil ",  Espaces Latinos, Paris,  n0 188 novembre 2001

[10] Chiapas al dia, CIEPAC, Mexico 21 novembre 2001

[11] Patrice Franko op.cit

[12] Edouard Bailby, Espaces latinos,  n0 187, Lyon, octobre 2001.

[13] Pagina 12.com.ar ; 21 septembre 2001.

[14]  هي البرازيل وتشيلي والبيرو والاكوادور والباراغواي والأوروغواي وبوليفيا والارجنتين والولايات المتحدة.

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم