طبع المقال
تحميل المقال

الامل المتأرجح في جنوب لبنان المحرر

مارينا دا سيلفا *
Marina DA SILVA

فجأة يخترق دوي الرشقات الاوتوماتيكية صمت هذه الليلة الرمضانية. وتتعالى الهتافات والاهازيج كأنها منطلقة من حنجرة واحدة وأشبه ببيرق يصفق في الهواء وترجّع صداه طرق المخيم الرئيسية. فالخبر انتشر من باب الى باب ليخرج الجميع، الاطفال والشيوخ كما الرجال والنساء، من منازلهم البائسة: في القدس عملية انتحارية جديدة تضرب الاسرائيليين في هذا اليوم الاول من كانون الاول/ديسمبر. في مخيم البداوي الصغير للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، يحتفل نبيل واقاربه بالعملية لان الموت هذه المرة ليس حصة الفلسطينيين وحدهم. "نشهد يوميا تصفية عناصرنا وسط لامبالاة مطلقة. يضحّي الفلسطينيون بحياتهم منذ أكثر من خمسين عاما وفي مختلف الاشكال وهذه التضحية لن تتوقف. عندما ينتابك الشعور بأن الجميع ضدك تدرك ان ليس لك سوى نفسك ولا سلاح الا جسدك. هذا هو الشعور الذي يقود الانتفاضة".

من شمال لبنان الى جنوبه، داخل دزينة المخيمات التي تحولت الى غيتوات في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية اللبنانية، لا يفوّت الفلسطينيون لمحة واحدة من الانتفاضة. فالمنازل تتابع التلفزيون من دون انقطاع والصور هنا، لاسيما تلك التي تبثها قناتا "المنار" او "الجزيرة" [2] في شكل خاص، قاسية لا مساومة فيها تنقل يوميا واقع القمع ووحشيته، تؤجج مشاعر الظلم وتضاعف الاحساس بالتضامن. وبالرغم من كون مستوى المعيشة في تلك المخيمات ادنى من مستوى المعيشة في غزة، أقله قبل الانتفاضة، فإن التبرعات من اجل الانتفاضة تحقق مبالغ لا بأس بها.

فقد اتاحت شبكة الانترنت ومن خلال المقاهي المخصصة لها تأمين تواصل سريع وفعال بين فلسطينيي الداخل والشتات. ويؤكد السيد ابو علي حسن، احد مسؤولي عين الحلوة، المخيم الرئيسي في ضواحي صيدا: "لم تكن العلاقات يوما وثيقة كما هي الآن". الشوارع لا تفرغ والشبان يهتفون: "بالروح، بالدم، نفديك ابو عمار" وهم يسيرون في تظاهرات استنكار للحرب التي اطلقها أرييل شارون والتي يجتمع فيها جنبا الى جنب مناضلو حركة "فتح" المسلحون بالبنادق الاوتوماتيكية مع تلامذة المدارس.

توترت الاوضاع بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر. فقد تعرضت حواجز الجيش اللبناني عند مداخل المخيم لاعتداءات متكررة بالقنابل اليدوية مما ادى الى تطويق المخيم بواسطة الدبابات، ودفع بحسان الى الاستنكار: "انها اعمال استفزازية تخدم الاسرائيليين وحدهم. ليس لدينا أي سبب للمواجهة مع الدولة اللبنانية المساندة للانتفاضة والمناهضة للاحتلال".

في الرشيدية، حول مدينة صور، حيث يقوم اقرب المخيمات الى فلسطين، يعتبر عادل وهو مناضل شاب في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ان تأثير حوادث 11 ايلول/سبتمبر على الاوضاع العالمية "سوف يدفع ثمنه الفلسطينيون بسبب الخلط بين الارهاب والنضال المشروع ضد الاحتلال. ونحن لا نعتبر الكفاح ضد الاحتلال حقا فقط بل واجباً".

تتبنى هذا الموقف ايضا الطبقة السياسية والرأي العام اللبناني الذي اعترض على طلب الولايات المتحدة تجميد أرصدة "حزب الله" المالية وادراجه في قائمة المنظمات الارهابية. فـ"حزب الله" حزب شرعي له تمثيله الواسع في البرلمان ومنخرط بقوة في الحياة العامة كما يتمتع ببنية تحتية وشبكة خدمات شعبية لا مثيل لها. وحتى الذين يناصبونه العداء السياسي، يكنون له الاحترام بسبب فعاليته وخصوصا دوره في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. وقد لقي تصنيفه في خانة الارهاب استنكارا عاما، حتى من البطريرك الماروني نصرالله صفير.

يعتبر اللبنانيون يوم التحرير يوما مقدسا، ولا ينسى عدنان تاريخ 23 ايار/مايو 2000 الذي لا يمكن تصديقه. "رأى الناس فجأة في مرجعيون والخيام وبنت جبيل كيف هرب الاسرائيليون في هزيمة نكراء، وقد سارع الجميع لتأمل المشهد. انتشر الخبر مثل النار في الهشيم ومع نهاية النهار كان مئات الألوف من الاشخاص يتقاطرون نحو الجنوب". 

معتقل الخيام السيىء الصيت والاداة الرئيسية للارهاب الاسرائيلي في المناطق المحتلة، اقيم منذ العام 1985 في هذا الموقع الجبلي الحصين. وقد أمضى فيه عدنان اربع سنوات ونصف سنة. "عقوبة تكاد لا تذكر" مقارنة مع بقاء رفاق له سيئي الحظ 13 او 14 عاما تحت الاستجواب والتعذيب. ويدير "حزب الله" اليوم هذا السجن ـ المتحف الذي اراده مكانا للذاكرة الجماعية. وبعدما تم تنظيفه، ما زال ينضح قلقا وموتا. في فناء السجن رُسمت جدارية ضخمة عليها صور الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذين القى "حزب الله" القبض عليهم في منطقة شبعا في تشرين الاول/ اكتوبر 2000، وهم يمثلون ورقة ضغط في يد "حزب الله" الذي يطالب في شكل خاص باطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين الذين ما زالوا في السجون الاسرائيلية.

ما زال لبنان ورغم تحرير اراضيه رهينة الوضع الاقليمي، و"حزب الله" لا يجهل ذلك. "لا تزال اسرائيل تحتل اراضي لبنانية ولا يمثل الخط الازرق الحدود الدولية كما ان الدولة اللبنانية لم تعترف به. لذلك نحن مستمرون في المقاومة".

بالنسبة الى حسن عز الدين، مسؤؤل الاعلام في "حزب الله"، فان الخط الازرق ابقى مزارع شبعا [3] وعددها سبع عند الحدود مع الجولان السوري تحت الاحتلال الاسرائيلي. كما قسم بلدة الغجر [4] وهناك اعتراضات على ترسيمه في يارون وعلما والعديسة... كما ان القمع في فلسطين يغذي التوتر. ويعتبر السيد حسن نصرالله، الامين العام لـ"حزب الله" ان الدعم السياسي للانتفاضة واجب: "اننا مصممون على تحمل مسؤولياتنا المباشرة بالرغم من الضغوط والتهديد بالحرب ضد سوريا ولبنان. واذا كان لا بد من حرب لتقرير مصير المنطقة فلتكن".

لا يلقى هذا الموقف الاجماع. فاللبنانيون الذين انهكتهم 22 عاما من الحرب لا يرغبون في استعادة السيناريو نفسه. لكنه يعكس شعور الرأي العام العربي تجاه الانتفاضة. وقد اعلن الرئيس اللبناني اميل لحود في العديد من المناسبات "دعم لبنان للانتفاضة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي". من جهتهم المواطنون العاديون يعتبرون العمليات ضد افغانستان حربا ظالمة في خدمة نظام عالمي جديد بات هدفه التالي معروفاً سلفاً الا وهو العراق وكل من يرفض الانصياع. فالمعطيات السياسية الجديدة التي اوجدتها الاعتداءات على "مركز التجارة العالمي" ترمي بثقلها على تطور الاوضاع في المناطق المحررة وتفاقم من تردي الاحوال الاقتصادية. لكن وبحسب الخبير الاقتصادي والمدرّس يوسف خليل، فان "حصارا تفرضه الامم المتحدة وحده قادر على التأثير على لبنان الذي يتلقى نسبة زهيدة من المساعدات الاميركية مقارنة مع مصر واسرائيل، فهو يتعامل بشكل رئيسي مع اوروبا".

أسس خليل جمعية للتنمية الريفية اهتمت في البداية بصيادي مدينة صور ولاجئي مخيمات الجنوب قبل ان توسع نشاطها الى المناطق التي كانت واقعة تحت الاحتلال، وهو يشير الى الآفة الحقيقية التي يعاني منها لبنان وهي التمركز المطلق للثروة الذي يحول دون أي امكان للتنمية. "يستفيد واحد في المئة من الدائنين من نصف القروض المصرفية في بلد ارتفعت نسبة ما تنفقه فيه العائلات على المواد الضرورية من 40 الى 55 في المئة خلال سنوات معدودة. وما تزال نسبة 45 في المئة من المساكن بدون تجهيزات صحية في بعض قرى البقاع والشمال. كما يرزح لبنان تحت ديونه العامة ويعاني ركودا اقتصاديا وهجرة للشباب بالألوف". 

وقد تحققت اعادة اعمار الجنوب من طريق الاستدانة. وفرّخت المنازل والبنايات الخارجة من الدمار كالفطر وسط فوضى التنظيم المدني الذي يميز لبنان ويهدد بتشويهه نهائيا. وتنتشر المستشفيات والمدارس شيئا فشيئا كالعمود الفقري. ويقوم مجلس الجنوب الذي كلّفته الدولة اعادة الاعمار والذي انشىء منذ العام 1970 لمساعدة الاهالي في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، بتأمين التعويضات لعائلات الجرحى  والشهداء والمعتقلين السابقين. ويتمتع المجلس بموازنة طوارىء تبلغ 200 مليون دولار تقريبا كما خصصت 300 مليون دولار اضافية للتعويض عن 95 في المئة من المنازل (ما مجموعه خمسة آلاف وست قرى مهدمة كليا) بمعدل 20 ألف دولار تقريبا للمنزل المهدم. لكن قسما كبيرا من السكان ينظر الى مجلس الجنوب الذي يشرف عليه السيد نبيه بري، زعيم حركة "أمل" الشيعية ورئيس مجلس النواب، على انه "اداة من ادوات النظام الطائفي والخدماتي الذي يساهم في افساد لبنان".

كانت المنطقة المحتلة تغطي حوالى 850 كيلومتراً مربعاً أي عشر مساحة لبنان، أفرغت من ثلاثة ارباع سكانها الذين بلغ عددهم عام 1978، في بداية الحرب، 300 ألف نسمة. وهي تمثل رمزا يكتسب بعدا اسطوريا وعاطفيا كبيرا. وقد عاد اليها بكثرة لبنانيو الداخل والمهاجرون لاستعادة املاكهم. ومع ان اعدادا كبيرة منهم تمضي فيها يوما او يومين حيث يمكن اجتياز الـ 250 كيلومترا من الشمال الى الجنوب في ساعات معدودة، الا ان عدد المقيمين ليس مرتفعا. ذلك انه لم يبذل أي جهد تنموي جدي للقدرات الانتاجية من اجل فسح المجال امام الاهالي للعمل هناك. وقد اقدم الاكثر جسارة من بينهم على ابتداع حياة جديدة بما تيسر والمثال الاكثر وضوحا ومدعاة للتواصل الاجتماعي هي مقاهي النبعة التي ازدهرت في انحاء المنطقة وتمثل في ايام الطقس الجميل مكانا للالتقاء.

ليلى لم تتردد. فبالنسبة الى هذه المناضلة الشيوعية السابقة من بلدة الخيام والمرأة الاولى التي تعرضت للاعتقال عام 1985، وعانت في بيروت حياة الحرمان الكامل، انها وسيلة بسيطة ومباشرة للعودة الى الجنوب. واذا كان ليس واردا تقديم الكحول في الخيام فمن السهل الالتفاف على الممنوعات والاستيطان على بعد كيلومترات بالقرب من ابل السقي، البلدة المسيحية ــ الدرزية. لا تشعر ليلى بالخطر من سيطرة "حزب الله" على المنطقة ولو انها ليست سعيدة بها. "تمثل المقاومة تاريخنا نحن ايضا وليس تاريخ "حزب الله" وحده. فحتى التحرير كان هناك مناضلون من مختلف المشارب يقاتلون الاحتلال مع "حزب الله" او الى جانبه. فنحن من هنا وناضلنا وهدمت بيوتنا. لا يمكن منعنا من ان نعيش على هوانا".

من اجل الانتقال من الخيام الى بنت جبيل يجب المرور في محاذاة الحدود. وقد وضعت مصابيح جديدة يتم اشعالها في انتظام على طول الطريق المتعرجة والممتدة عبر مناظر طبيعية كأنها من يد نحات ملهم. تشتعل الانوار وترمي بلمعانها فوق الصخور والاعشاب. التحرير يعني بالنسبة الى الجنوب اعادة الاعمار زائداً الكهرباء ...  في الجانب الاسرائيلي، تدين البساتين بوفرتها المنبثقة في هذه "الصحراء" بما يشبه الاعجوبة الى الماء الغزير "الذي يضخ من الاراضي اللبنانية في صورة غير شرعية" كما يقول المزارعون. الطريق مزدانة بملحمة  مصوّرة تمجد المقاومة. صواريخ الكاتيوشا والدبابات واعلام "حزب الله" وحركة "أمل" في شكل خاص تهزأ من نجمة داوود كأن حلم المعارك ما زال في الاذهان. اما الموقع الذي يشهد اكبر نسبة من الاقبال فهو مارون الراس في قضاء بنت جبيل اذ يمكن من اعلى هذه التلة الرائعة الاشراف على الجليل. يمكن السياح القادمين في باصات مزدحمة ان يجلسوا هناك امام مقهى سياحي مطل يقدم لهم القهوة والحلويات والمنظار. كذلك يوجد فيه موقع لـ"حزب الله" الذي يوجه منه اربعة صواريخ كاتيوشا في اتجاه اسرائيل الى جانب يافطة ضخمة تضاء ليلا ليشع عليها شعار: "قادمون يا قدس".

في بنت جبيل الشيعية يسيطر "حزب الله" المحاط بهالة انتصاره. "لقد عدنا غداة التحرير وقد شهدت الطرق ازدحاما كبيرا. التأثر لا يوصف وقام الناس بمعانقة بعضهم وحتى المحتشمون منهم والمتدينون الذين ما كانوا ليلمسوا يد امرأة في الاحوال العادية". السيدة عزة شرارة، الاستاذة في الجامعة اللبنانية، شعرت بحماسة كبيرة ازاء هذا التحول في الناس وفي التاريخ. وبالنسة اليها كما الى زوجها عالم الاجتماع احمد بيضون، لا ينصب الاهتمام الرئيسي على الامن: "توجد بالطبع اخطار ناشئة من الوضع الاقليمي خصوصا بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، لكن هذه الاخطار تطاول جميع اللبنانيين اذ يمكن اسرائيل ان تضرب في أي مكان في لبنان".

في المقابل، يعتبر تحويل المنطقة الاولى المحررة منطقة قابلة للحياة تجتذب ابناءها تحديا رمزيا كبيرا. "تنبأوا بنوع من كوسوفو لبنانية ومواجهات اسلامية ـ مسيحية لكن شيئا من ذلك لم يحصل وكانت الحوادث ذات الطابع الطائفي او تصفية الحسابات نادرة. حتى انه لم يتم التعرض للفيلا التي شيدها الرجل الثاني في "جيش لبنان الجنوبي"، حافظ هاشم، بما فرضه من خوة على التجار. لقد برهن الاهالي عن نضج كبير". كما سمحت نهاية الاحتلال بتجاوز بعض الحواجز الداخلية اذ حاول الذين نزحوا ان يتفهموا سبب بقاء من لم ينزحوا. بين قطبي المقاومة والتعاون مع الاحتلال، كانت هناك موافقة على القبول بوجوه ومصائر مختلفة.

جاءت حوادث 11 ايلول/سبتمبر لتنعش المخاوف وتهدد مظهر الوحدة الوطنية البالغ الهشاشة. "يمكن الولايات المتحدة ايجاد أي ذريعة للضغط على لبنان مما يفاقم من شعور العداء لاميركا. يشعر الناس بقلق كبير. هناك عدد كبير من اهالي بنت جبيل هاجروا الى الولايات المتحدة، في ولاية ميشيغان. ويشكلون المعين الاقتصادي لعائلاتهم، لكن لا بد ان يتأثروا بشعور العداء للعرب المنتشر اليوم في اميركا. فالعديد من طلاب دول الخليج تسجلوا في الجامعة الاميركية في بيروت اذ باتوا عاجزين عن السفر الى الولايات المتحدة او غير راغبين في ذلك".

اذا كان يمكن لبنان ان يواجه حربا مالية مع الولايات المتحدة فان الجنوب ليس قريبا من الخروج من وضعية المنطقة ـ الرهينة. بالنسبة الى السيد ستيفان دي ميستورا، الممثل الشخصي للامين العام للامم المتحدة، فان التحرير الحقيقي للجنوب لم يحصل بعد. "ما زال هناك في الجنوب 130 ألف "جندي" ساهرين ليل نهار، مستمرين في اعمال القتل في الصيف كما في الشتاء". عمليات نزع الالغام التي قصدها السيد دي ميستورا بطيئة. ويفترض ان تقوم بها فرق متخصصة من الولايات المتحدة وكندا وفرنسا والنروج واوكرانيا. وبحسب احد الديبلوماسيين ووفق المعدل الحالي، فان الالغام سوف تنزع من الجنوب بعد... 53 سنة! بينما لا يتطلب الامر اكثر من اربع سنوات اذا ما تأمنت الموازنة الضرورية وهذا ما يؤمن العمل لعشرة آلاف شخص.

ترتبط مسألة نزع الالغام بلعبة المفاوضات ايضا. لا يتردد السيد دي ميستورا باعتبار الدعوة  لارسال الجيش اللبناني الى الجنوب "موقفا دوغمائيا بعض الشيء"، كما يدافع عن موقف الحكومة اللبنانية التي ترفض مراقبة الحدود الاسرائيلية طالما ان القرار 242 لم يطبق. "من قال ان سيادة الدول لا تتمثل الا بعناصر مسلحة تجلس عند الحدود مقابل عناصر مسلحة اخرى؟ غالبية البلدان تبرهن عن سيادتها من خلال وجود أطباء واساتذة وقضاة ومؤسسات..." والمشكلة في نظر دي ميستورا الذي لا ينفك يستنكر الخروق الاسرائيلية للاراضي اللبنانية، تكمن في خفض عديد قوات الطوارىء الدولية [5] التي تتحول الى قوة مراقبة اكثر منها قوة حماية بينما يعتبر الجنوب "اكثر المناطق المهددة بالانفجار في الشرق الاوسط بعد الضفة الغربية وغزة".

يتوقع المرء ان يجد في لبنان تفهما أكبر للاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم 350 ألفا وذلك بسبب القرب من فلسطين ومعاناة الاحتلال والتضامن المعلن مع الانتفاضة في صورة اجماعية وعاطفية. لكن الواقع مختلف تماما. كأن المعني شعب آخر وفقا لنظرة انفصامية. ففلسطينيو لبنان الذين يعيشون اسوأ انواع التمييز والبؤس الفريدة من نوعها في العالم العربي، موجودون خارج الاحداث وخارج الحياة. وباسم رفض توطينهم في لبنان، يتخذ منذ زمن بعيد في حقهم اسوأ التدابير الرسمية وغير الرسمية في مجالات العمل والسكن والتربية والصحة. وفي العام 2001، وما ان عاد السيد رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة حتى تم اصدار قانون يحرم على الفلسطينيين أي شكل من اشكال التملك.

باستثناء "حزب الله" الذي يؤيد مطالبهم المدنية ـ مع كونه معارض لتوطينهم "ضمانا لحقهم في العودة الى فلسطين" ـ وشمل مخيمات اللاجئين بخدماته الاجتماعية، لم يقم أي حزب سياسي بحملة جدية تطالب لهم بحقوقهم وبالعيش بكرامة. مع ذلم فان وسائل الاعلام اللبنانية وليس فقط تلك التابعة لـ"حزب الله" أدت دورا في دعم الانتفاضة على الصعيد الاعلامي وتعبئة الرأي العام العربي. كيف لا يدرك احد، لا من هنا ولا من هناك، ان رياح الانتفاضة يمكن ان تلهب مخيمات اللاجئين في لبنان؟



[1]  صحافية.

[2]  وهما تلفزيون "حزب الله" وتلفزيون قطر.

[3]  لم تعترف اسرائيل بلبنانية مزارع شبعا التي اقرت بها سوريا.

[4]  الغجر بلدة علوية تضم 1300 نسمة ولا يزال قسم منها تحت الاحتلال الاسرائيلي.

[5]  لا يزال هناك حوالى 40 مركزا للامم المتحدة و3500 رجل على الحدود الممتدة بطول 95 كيلومترا

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم