|
|
الخريطة | ||
كشمير في الزمن الأفغاني
حتى قبل الهجوم الانتحاري على البرلمان الهندي المتهمة بتدبيره "جماعات ارهابية" واوقع 12 قتيلا في 13 كانون الاول/ديسمبر، كان من شأن الأزمة الأفغانية أن أثارت الاهتمام بنزاع اقليمي آخر كان المجتمع الدولي قد تناساه الى حدّ ما: إنها قضية كشمير التي تتواجه فيها الهند وباكستان عبر المقاتلين المسلمين المسخرين لها، والذين تعتبرهم نيودلهي "إرهابيين" في حين ترى فيهم اسلام اباد "مناضلين من أجل الحرية". وقد اغتنمت الهند الفرصة لتقدم نفسها على أنها ضحية حرب صليبية تشارك فيها جنباً الى جنب حكومة باكستان وقواتها المسلحة وبعض الحركات الاسلامية المقربة من حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة". وهذه الخطة تجبر الحكومة الهندية على البقاء في حالة استنفار وتتسبب منذ إثني عشر عاماً بتدمير منطقة ظلت حتى الأمس القريب تعتبر "جنة" سياحية.
رولان
بيار بارانغو *
ROLAND - PIERRE PARINGAUX
تعتبر مدينة سريناغار، عاصمة ولاية جامو وكشمير، في شمال الهند، في حالة حصار بسبب الانتشار الواسع لجيش الهند وقواتها الأمنية [2] . إنه الانطباع الذي يتولد بمجرد الوصول الى المطار حيث تتعدد الإجراءات الأمنية، فلا يمكن السير في المدينة ومحيطها لمسافة مئة متر من دون مصادفة بعض الجنود ورجال الشرطة. هم في كل مكان، يكمنون في متاريسهم وفي مراكز المراقبة، يرتدون سترات مضادة للرصاص ويحتمون وراء الدروع أو الأسلاك الشائكة أو صفائح مدرعاتهم، حتى ان سايغون وبيروت في أسوأ ظروفهما لم تشهدا هذا القدر من التوزيعات العسكرية. وفي وسط المدينة يقوم بعض العمال بترميم حائط مجلس نواب الولاية الذي دمر إثر هجوم انتحاري نفذه أحد رجال القومندوس في تشرين الأول/أكتوبر عام 2001 أدى الى سقوط 40 قتيلاً و80 جريحاً.
ويمتد انتشار هذه القوات الى العديد من القرى في الوادي (القسم الأوسط من كشمير) ويلامس حدود خط المراقبة، وهو الخط الذي رسم عند وقف النار السابق ويخترق البلاد من الشرق الى الغرب عبر منطقة جبلية يتواجه فيها من حين الى آخر الجيشان الهندي والباكستاني. وفي كل مكان، الحياة هي رهن "المجموعات المسلحة" والحضور العسكري والبوليسي المكثف التي تصبح فظة أحياناً، بفعل هوس الاعتداءات، مما يصيب بالاحباط شعباً تضغط عليه كماشة الحرب والبؤس. فعلى شاطئ بحيرة دال الواقعة بين سريناغار وتضاعيف جبال حملايا، يندب أصحاب الـ"هاوس بوتس"، تلك المراكب - الفنادق من الخشب المحفور، المنّ السياحي الذي ذهب أدراج الرياح. فقد تراجعت حركة السياح في كشمير من 800000 سائح سنوياً في التسعينات الى بضعة آلاف فقط. وبسبب فقدان الزبائن يترك الكثيرون منهم مراكبهم للتلف. فهنا ايضاً حل العسكريون الذين يخيمون في إطار مظاهر لافتة وراعبة مكان الزوار الأجانب.
على الدوام كانت الهند تتهم باكستان بالمسؤولية الكاملة عن هذا الوضع القائم. وبالطبع لم يوافق زعماء اسلام أباد قط على ضم جامو وكشمير الى الاتحاد الهندي، وقد دعموا على الدوام القوات الانفصالية في كشمير وجعلوا من عملية استرجاعها قضية مقدسة، ويشهد على هذا أن الجيش الباكستاني هو الذي خطط ونظم، في أيار/مايو عام 1999، عملية اجتياح منطقة كارجيل الواقعة في الجهة الهندية من خط وقف اطلاق النار [3] . غير أن الجمهورية الاتحادية ليست بريئة تماماً في هذه القضية، وفي شكل خاص في ما يتعلق بالشق الداخلي من المسألة، أي بطريقة المعاملة التي تتبعها نيودلهي مع كشمير والكشميريين، إن من ناحية هويتهم او من ناحية حقوقهم أو تطلعاتهم المشروعة.
فعلى خلفية المواجهة العسكرية والديبلوماسية نمت حالة متداخلة من فقدان الثقة والتفاهم. فمنذ بداية المشكلة اتهمت السلطة الغالبية المسلمة، بكليتها، بالتواطؤ مع الانفصاليين المقربين من باكستان. وهذا ما أوضحته السيدة مهبورا مفتي، النائبة ورئيسة حزب كشميري مقرب من الهند، حين قالت: "على الدوام هناك استياء وعدم ثقة في أوساط الزعماء الهنود إزاء مسلمي كشمير، وهذا ما يؤدي الى رفض أي نقد وأي مبادرة سياسية". وهكذا تم إهمال الاستفتاء الشعبي الذي دعت اليه منظمة الأمم المتحدة في العام 1948. ورغم المحاولات التي بذلتها المنظمة الدولية، لم يجرِ استفتاء السكان المحليين، ولا يسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية كما يجب. وظل شعور العداء يتنامى الا ان دلهي تجاهلت الأمر لفترة طويلة.
وفي كتاب له صدر أخيراً، يلخص وزير خارجية الهند السابق، السيد جيوتندرا نات ديكسيت، الوضع على الشكل الآتي: "إن زعماءنا ودولتنا كانوا يمتنعون عن الاعتراف بأن الاضطرابات في كشمير لم تكن فقط نتيجة النشاطات الباكستانية، وإنما هي أيضاً نتيجة العداوة تجاه بعض فئات الشعب (...). فالناس جميعاً يتفقون في أحاديثهم على القول بأن النزاع لا يمكن أن يحل بالقوة وحسب، وأن من الضروري إصلاح مسار الحركة السياسية لكن ما من سياسة عملت على إطلاق هذا الاصلاح" [4] . وعلى مدى عقود ظل مصير مسلمي كشمير المنقسمين ما بين الهند وباكستان يحتل المرتبة الثانية، ولأنهم يعتنقون إسلاماً من النوع الصوفي المشهور باعتداله اكتفوا بالعض على جروحهم.
وفي انتخابات العام 1987 كان الأمل كبيراً في حدوث تطور ديموقراطي على "الطريقة الهندية"، وقد بدا ان ائتلاف الأحزاب تحت راية الجبهة الاسلامية الموحدة (الاستقلاليون والمقربون من الهند والمقربون من باكستان وأنصار الحكم الذاتي الواسع) كان في طريقه الى تحقيق الفوز في مواجهة حزب "المؤتمر الوطني" الرسمي. فهل خافت السلطة نوعاً من التنكر لها يلحق الهزيمة بالهند؟ في اي حال، لجأت الى إجراءين عنيفين، فقد تلاعبت بالانتخابات لتؤمن الفوز لحزب "المؤتمر الوطني"، ثم عمدت الى اعتقال العديد من زعماء الجبهة الاسلامية. وقد تذرعت نيودلهي بنتائج الانتخابات هذه للايهام بتعلق الكشميريين بالهند وفي الوقت نفسه لأجل استبعاد فكرة استفتاء يمكن ان يجرى في رعاية الأمم المتحدة. لكنها بهذه الانتخابات ولدت العداء الدائم في نفوس ملايين المسلمين في كشمير الذين شعروا بأنهم مخدوعون ومكروهون ومحرومون أكثر من أي وقت مضى من أي تطلع سياسي. فاذا بالشعور المعادي للهند يتفاقم، واذا بشباب الطائفة يشعرون بالسخط ويضجون بالثورة، وهذا هو الوضع الذي ستستغله باكستان.
ويذكّر السيد عبد الغني بهات وهو مثقف يرأس مؤتمر "تجمع الأحزاب الحرة"، أي تحالف الحركات الاستقلالية والانفصالية المقربة من باكستان أنه: "على مدى 40 سنة لجأنا الى جميع الوسائل الديموقراطية والسلمية، وقد ردت الهند بالعنف، والعنف يستدعي العنف والحقد يولد الحقد، ولم يكن هناك مفر مما حدث". وفي العام 1989 أيدت اسلام أباد مشروع الكشميريين الذين دعوا الى الكفاح المسلح مؤمّنة لهم قاعدة خلفية في أراضيها. ويوضح السيد جافيد مير، الذي كان من أوائل من حملوا السلاح في وجه الآلة العسكرية الهندية قائلاً: "لقد أجبرنا على القتال، ولم يكن ذلك لأسباب دينية أو حباً بالعنف، وإنما كي يسمع صوت الشعب وكي تؤخذ تطلعاتنا في الاعتبار. وكي تكف الهند عن التصرف كجيش احتلال وتمارس هنا ايضاً الديموقراطية كما تمارسها عندها". وهذا القائد الطلابي السابق، وهو اليوم نائب رئيس "جبهة تحرير جامو كشمير"، أحد الاحزاب الاستقلالية، كان قد برز على الساحة بعدما أوقف واعتقل مرات عدة بسبب نشاطاته السياسية "مثل الكثير من المعارضين المسلمين" بحسب ما يؤكد.
وبعد، فإن الكبت الذي تعرض له الكشميريون لم يكن المحفّز الوحيد على الكفاح المسلح. وهذا ما يعلق عليه الناشر طاهر محيي الدين قائلاً: "كانت سنة 1989 ايضاً سنة انهزام السوفيات في أفغانستان، وفي غمرة النصر اعتقد البعض أن من الممكن تكرار ما حققه المجاهدون في بلادهم ما بين كشمير والهند". وذلك مثلاً عبر إعادة توجيه قسم من المقاتلين الاسلاميين المسرّحين والمساعدات التي يستفيدون منها عبر باكستان، من أجل تجنيدهم في كشمير.
والعام 1989 هو التاريخ البارز كونه شهد انطلاق حرب عصابات فيها عمد من يسمّون هنا بـ"المناضلين"، وهم في شكل أساسي من مسلمي الوادي، الى عبور الجبال وخط الرقابة ليلتحقوا بمخيمات التدريب في كشمير الباكستانية وفي باكستان، كما في أفغانستان وإن في ما ندر. وهناك تلقوا إعداداً عسكرياً سريعاً استكمل بدروس في التربية الدينية. وقد أمنت باكستان اللوازم اللوجستية وتولت دفع النفقات. وفي غضون شهر أو شهرين عاد المقاتلون الجدد الى الوادي، فعملوا في تشكيلات قومندوس من خمسة الى عشرة عناصر مستفيدين من سرعة الحركة حيث يضربون أهدافهم ويتوارون.
وعلى مدى خمس سنوات خاض المعركة في شكل أساسي "المناضلون" الكشميريون، والدليل، كما يقال هنا أنهم يحظون بدعم واسع في اوساط شعب فقدت كل عائلة فيه عملياً أباً او ابناً أو اخاً أو حتى صديقاً، ذاك ان ضريبة هذه الحرب التي لا يهتم لها باقي العالم قد بلغت عشرات الألوف من الضحايا، وتسببت بآلام تفوق الوصف تعود الى البروز في كل حديث. فهل يستنتج انه، من أجل التعويض عن هذه الخسارة في الرجال، تزايد في شكل واضح، ابتداء من العام 1993، عدد المقاتلين الأجانب، من الباكستانيين في شكل أساسي، وإنما ايضاً من الأفغان والسودانيين وإن كانوا قلة حتى تلك الفترة؟ هذا ما يظنه البعض، والبعض الآخر يذكر بأنه في تلك الحقبة، وبالتحديد أكثر ما بعد العام 1996، أي سنة استيلاء "طالبان" على السلطة في أفغانستان، كان هناك زعماء دينيون باكستانيون متطرفون، مثل السيد مولانا مسعود، يدعون علناً الى "تحرير كشمير كجزء من مشروعنا لتدمير الهند" [5] وحتى الأشهر الأخيرة هذه كانوا، أيضاً على الملأ، يجندون المتطوعين ويجمعون التبرعات من أجل معركة الجهاد الجديدة هذه.
هذه التطورات عدلت من ميزان القوى في هذا النزاع المسلح. فبحسب المفتش العام الجنرال راجيندر سينغ، الضابط في قوات الأمن الحدودية الذي يقدم الشاي والإحصاءات في متراسه في سريناغار، أن نسبة "المرتزقة الأجانب" في عديد المقاتلين الذين يقدر عددهم بـ2000 رجل هي اليوم ما بين 40 و50 في المئة. وهو يرى أن الفصيل المسلح الأهم في الوادي يبقى "حزب المجاهدين" الذي يضم حوالى ألف مقاتل 85 في المئة منهم كشميريون. أما الألف الآخرون فهم في الاجمال موزعون على مجموعات باكستانية أربع هي: عسكر طيبة التي تنفذ منذ سنة سلسلة من العمليات الانتحارية، وجيش محمد، المعروف بقربه من تنظيم "القاعدة" التابع للسيد أسامة بن لادن، وأخيراً حركة الأنصار والبدر.
وفي مواجهة هذه التشكيلات يبلغ عديد الجيش الهندي وقواته الأمنية ما يزيد على 200000 مقاتل على الأرض. وعلى مدى السنين اتخذت الحرب طابعاً وحشياً أكثر حتى انه سقط فيها ما بين 25000 و40000 قتيل في منطقة الوادي، في عمليات روتينية مرعبة. فالعناوين الرئيسة في الصحف تنقل ما يسقط يومياً من القتلى، هم أساساً من المقاتلين وإنما أيضاً من المدنيين الذين يستهدفون أو من الذين وقعوا بين نارين. ففي سريناغار وبارامولا وكوبوارا وسوبور وفي العديد من القرى الأخرى امتلأت المقابر بـ"الشهداء" الشباب. ولا يغيّر في الأمر شيئاً إصدار القوانين الاستثنائية التي تعتمد لمكافحة التخريب، مثل قانون السلامة العامة، أما الأحزاب والمنظمات اللاعنفية فانها تتذمر لأنها تدفع الثمن لمجرد إبداء أدنى معارضة.
أما عمليات التوقيف فأمر بات عادياً، وكذلك حالات الاختفاء، ويندر ان يكون هناك أسرى حرب، فالسيد منذور غاناي، المحامي في المحكمة العليا في كشمير يرى "ان العسكريين في العادة لا يتلبكون بالأسرى". وبعض الوحدات شبه العسكرية هي ذات سمعة سيئة، مثل "فريق العمليات الخاصة" و"البنادق الوطنية" وهي على الدوام تتهم بتنفيذ اعمال القتل والاغتصاب والابتزاز وغيرها من الأعمال التي تنتهك حقوق الانسان، وذلك كله من دون ان يلقوا أي عقاب.
وفي العام 2001، اي في سنتها الثانية عشرة، وبدلاً من أن تخف حدتها، شهدت الحرب في كشمير موجة جديدة من العنف، في معنى آخر مذبحة جديدة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أظهرت الاحصاءات الرسمية أنه وقع 4000 حادث مقابل 2500 في السنة السابقة، سقط فيها ما يزيد على 3000 قتيل (1600 من "المناضلين"، 1000 من المدنيين و500 جندي هندي) و4000 جريح معظمهم من المدنيين. وهو تزايد لافت هنا.
وعلى الدوام تطلق النداءات من أجل وضع حد لحمّام الدم هذا، وللتخلي عن القتال المسلح والعمل على مسار ديموقراطي، لكن البعض في سريناغار ما عادوا يؤمنون بذلك، او انهم لا يريدون تصديقه. فبالنسبة الى هؤلاء ليس هناك اي رغبة في إقامة الحد الأدنى من الثقة كشرط مسبق، ولم يُفعل أي شيء لتحقيق انفراج في الأجواء، بل أن العكس هو ما يحدث بحسب ما يلحظ السيد يوسف جميل بشيء من الأسف: "في السنوات الأخيرة لم تقم أي محاولات جدية لردم الهوة بين الهند والشعب، وهنا تكمن مأساة كشمير. فبالنسبة الى هذا الصحافي الذي يحظى باحترام الجميع أن "عدم الرغبة في التمييز بين المجموعات المسلحة والتعامل معها كلها على أنها إرهابية، يعني التغاضي عن الحقيقة وقطع الطريق على اي إمكان للتفاوض" ويقول آسفاً "والحال انه رداً على كل المسائل الحقيقية كان جواب الهند هو القمع فقط، لقد فرطت دلهي بالقسم الأكبر من رصيدها، وفات الأوان في الظرف الحالي".
هل حقاً فات الأوان؟ هذا ما يعتقده العديد من الكشميريين، فيما يريد بعضهم القول بوجود فرصة أخيرة. فهم يقولون ان في امكان الهند في العام 2002 أن تستغل سلسلة من الظروف الملائمة إذا أرادت تحريك الأمور، منها إنهاك الشعب والاستحقاق الانتخابي الجديد والنتائج الايجابية للأزمة الأفغانية. فالسيد محبوب مفتي يرى ان القضية باتت واضحة "فاذا كانت الحكومة الهندية ترغب في وقف المذبحة، فمن الضروري إعادة الثقة، وذلك أولاً عبر إجراء انتخابات نزيهة، وبدون هذا لا إمكان لأي شيء".
وفي اطار التحضير لسنة الانتخابات في كشمير تعهد رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي في آب/أغسطس عام 2001 بأن يجري هنا استفتاء "حراً ونزيهاً". غير انه يبقى هناك أمر انتخابي سلبي يشكل إزعاجاً، فبعد تزوير الانتخابات في العام 1987 قاطعت الاحزاب الاستقلالية والانفصالية استفتاءي العامين 1996 و1999. فمؤتمر الاحزاب الحرة ، وهو القوة المعارضة الرئيسة أكد انه لن يشارك في انتخابات تجريها الهند، وعلى خطى باكستان بات يطالب باجراء انتخابات في رعاية الأمم المتحدة وإجراء مفاوضات مع الهند في مشاركة كشميريين. وفي هذا السياق هل سيكون في امكان الهنود المجازفة بانتخابات حرة فعلاً فيما يبدو من المسلّم به أن الشعب لا يؤيدهم؟ ففي تشرين الثاني/نوفمبر عام 2001 كتبت صحيفة "كشمير تايمز": "رغم غالبية الثلثين الانتخابية فإن المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) بقي بعيداً عن الجماهير".
كما أن في امكان الهند ان تستفيد أيضاً من الأزمة الأفغانية كي تحاول تحقيق تقدم في ملف كشمير، لكنّ في هذا خياراً ذا حدين. فالتعبئة الدولية ضد الارهاب، وسياسة الجنرال برويز مشرف المتقربة من الأميركيين وتفكيك نظام "طالبان"، كل ذلك وجه ضربة قاسية الى المجموعات الاسلامية الناشطة في كشمير وعزز فيالوقت نفسه موقع الهند سواء على الصعيد الداخلي او على الساحة الدولية. وعلى غرار انديرا غاندي التي انتزعت في العام 1972 التنازلات من علي بوتو الذي بات ضعيفاً بعد خسارته باكستان الشرقية (التي اصبحت دولة بنغلاديش)، فان الزعماء الهنود اليوم هم في موقع قوة في مواجهة عسكريي باكستان، لكن ليس من المؤكد أنهم يرغبون في تحريك هذا الملف، أقله طالما لا يحصلون على براهين مقنعة وعلى ضمان بأن الزعماء الباكستانيين قد قرروا فعلاً تفكيك الشبكات الموجهة للعمل ضد كشمير الهندية، وذلك بحسب ما يلخصه موظف هندي رفيع المستوى "من أجل وضع حدّ للارهاب والجهاد". وهذا ما يبدو بعيد المنال.
كما ان الهند لا تبدو مستعجلة لفتح هذه المسألة الشائكة كونها لا تريد شريكاً لها فيها، وهذا من ثوابتها السياسية. والحال، ليس مستبعداً ان يهتم المجتمع الدولي الذي استفاد من دروس الأزمة الأفغانية بهذا البركان في كشمير، وان يصر على تفكيك هذا اللغم عبر حض الطرفين، وكلاهما يملك سلاحاً نووياً، على التفاوض. ويعتقد السيد شابير دار، الأمين العام للمؤتمر الاسلامي في كشمير أن "التهديد الكامن في النزاع الكشميري بالغ الخطورة ليس بالنسبة الى منطقتنا وحسب وإنما للعالم أجمع، وعلى المجتمع الدولي ان يفعل شيئاً ما". وأياً يكن الأمر، تبدو الهند عازمة على عدم الرضوخ بسهولة، وهذا ما يؤكده بقوة احد كبار الموظفين في وزارة الخارجية: "نحن لسنا دولة صغيرة تدفع بالرغم عنها الى تنازل من هنا ومن هناك، او الى هذه التسوية او تلك".
ويطيب لمؤيدي مواصلة الحل العسكري سماع منطق القوة العظمى هذا. والحال أنه ليس هناك تقصير في هذا المجال، ويوفر النزاع من حين الى آخر الأجواء للمزايدات الوطنية. وفي هذا الاطار طالب أخيراً وزير دفاع الاتحاد السيد جورج فرنانديز، ووزير الداخلية السيد لآل كريشما أدفاني، ورئيس وزراء جامو وكشمير السيد فاروق عبد الله، بمنحهم حق الملاحقة من اجل التمكن من مطاردة "المناضلين" حتى في معاقلهم الباكستانية. كما أن بعض "الصقور" يحلمون بكل صراحة بـ"حرب فعلية" مع باكستان من اجل القضاء على مصدر الشر. وهؤلاء جميعاً يلقون صدى جيداُ وناخبين في اوساط المجتمع الهندي، وبالتأكيد في أوساط جميع المنتفعين من الحرب، مدنيين كانوا أم عسكريين. وفي هذه الأجواء يعلق بشيء من التهكم صحافي من كشمير: "أن إبقاء الآلة العسكرية وسقوط 500 جندي سنوياً لا يكلف غالياً أمة يبلغ عدد سكانها مليار نسمة".
[1] صحافي.
[2] تتشكل ولاية جامو وكشمير، التي ضمت الى الهند، من ثلاثة كيانات: كشمير (وتسمى عادة الوادي)، وهي تعتبر النقطة المركزية، وجامو الواقعة في الجنوب، ولاداك في الشرق. ويقدر عدد سكانها بثمانية ملايين نسمة، 61 في المئة منهم من المسلمين الموجودين بشكل أساسي في كشمير، و30 في المئة من الهندوس، في جامو، و6 في المئة من البوذيين في لاداك.
[3] Lire Negarajan V. Subramanian, " Ombres nucléaires sur le Cachemire " et Selig S. Harrison, " Les liaisons douteuses du Pakistan ", Le Monde diplomatique, respectivement juillet 1999 et octobre 2001.
[4] Jyotindra Nath Dixit, Across Borders : 50 years of Indians Foreign policy, Thomson Press India Ltd, année de publication, New Delhi.
[5] في تصريح لمجلة "نيوزلاين" الباكستانية، كراتشي، شباط/فبراير 2000.
|
http://www.mondiploar.com/ |