| |
الخريطة | ||
النزاع على خطوط البترول الاكوادوري
فرنسواز بارتيليمي *
FRANÇOISE
BARTHÉLÉMY
آبار نفط ولهب غاز هائلة تشتعل في الهواء، أنابيب نفط متعرجة على طول الطرق وأحواض واسعة تتأسن فيها نفايات النفط الخام السامة. ذاك هو المشهد حيث يرتع سكان مقاطعة سوكومبيوس الأمازونية، الفقراء في معظمهم، في الشمال الغربي من الاكوادور. ومن الأمازون يستخرج 96.6 في المئة من النفط الخام الذي تنتجه البلاد، ومع ذلك فإن سوكومبيوس لم تستفد شيئاً من هذه الثروة. فالمقاطعة هي في آن واحد الأكثر بؤساً وغلاء في البلاد بفعل وجود الشركات البترولية وموظفيها. فالعديد من المجتمعات الفلاحية والمحلية تنقصها مياه الشفة والكهرباء. أما الطرق فليست جميعاً، باستثناء تلك التي تذهب في اتجاه كويتو، سوى أكوام من الغبار المختلط بالبقايا السوداوية من آثار "الديرّامس"، وهي ما يتسرب من خط الأنابيب. والتلوث في الهواء والتربة والانهار، وهناك الأمراض (السرطان في نوع خاص) والتصحر أيضاً، فكل عملية تنقيب تطلبت شق طرق وصل عمقها في الغابات الى 1000 كيلومتر فاقتلعت الأشجار على مساحة آلاف الهكتارات من الغابات. وأراضٍ حولتها الأمطار وحلاً حيث رميت دونما اهتمام للطبيعة أو للبشر بقايا المنتجات الكيميائية المستعملة في حفر الآبار.
اما العاصمة، كيتو، فهي بعيدة. في شارع الأعمال ناطحات السحاب التابعة لمصرف "لا بريفيزورا"، وفي احد أبراجها مقر مكاتب خط انابيب النفط الخام الثقيل، وهو مشروع قيد الانشاء يجري الاحتجاج عليه حالياً، وسيبدأ العمل به في حزيران/يونيو عام 2003. ويقر رئيس المشروع الحالي، الكندي أندي باترسون بأن "بناء خط لأنابيب النفط ليس دون عواقب، لكن المهم الحد من تأثيره على البيئة، ولذلك نحن نستخدم التكنولوجيا الأكثر ثقة والأكثر تقدماً، إنه فعلاً عمل رائع وجيد”. وعلى الوتيرة نفسها تعزف السيدة ماريا دو لوس انجلس مانتيلا، مديرة الأعمال الحكومية والعلاقات العامة في شركة "أو.سي.بي. اكوادور أس.آي.” OCP Ecuador S.A. إذ تقول: “إني أنحني احتراماً أمام المستوى العالي من الالتزام الذي يبديه التقنيون. ففي بداية الأمر قدرت المساعدات المقدمة لمشروع الطريق بأكمله بـ7 ملايين دولار، وقد ارتفع المبلغ الان الى 18 مليوناً، كما أن لدينا مشروعاً لإعادة التشجير وهو عمل رائع فعلاً، فبينما نحن نشق طريقاً ما لطمر الأنبوب الذي يمتد تحت الأرض، ننقل النباتات الى مشاتل ريثما يحين موعد إعادة غرسها، فهل هنالك افضل من هذا؟".
ومع ان البلد ليس سوى منتج "هامشي" في السوق العالمية (340000 برميل يومياًً)، فإن المحروقات قد شكلت خلال الثلاثين سنة الماضية أحد الموارد الرئيسة لمداخيله، وبعدما كانت الأعمال البترولية قبلها بين أيدي شركات خاصة مثل "غولف" أو "تكساكو"، أصبحت في اشراف الدولة ما بين العامين 1972 و1976 عبر شركة عامة أطلق عليها اسم "بتروإكواردور”. وقد بنيت في اسميرالدا المصفاة الأولى فيما أنشئ نظام خط الأنابيب عبر الاكوادور، باسم "سوتي" الرابط بين حقول النفط في الشرق وساحل الباسيفيك، بطول 503 كيلومتر لينقل عبره النفط الخام الخفيف (نسبة نقاوته بين 29 و30) ذو القيمة التجارية العالية. هذه السياسة المهتمة بالتنمية الذاتية للأمة شهدت تحولاً مع وصول الاشتراكي المسيحي الى سدة الرئاسة ليون فيبريس كورديرو (1984 ــ 1988) المؤيد للانفتاح على الرأسمال الخارجي عبر عقود تقديم الخدمات.
وفي العامين 1986 ــ 1987 بدأت الشركات الأجنبية بحفر "الكتل" التي لزّمتها إياها السلطة في الحوض الأمازوني، بمعدل حوالى 200000 هكتار لكل منها. وقد توصلت الى اكتشافها الأول للنفط الخام الثقيل الذي تقل قيمته التجارية كثيراً عن الخام الخفيف. وتذكر تيريزا هيريرا، الصحافية المتخصصة في جريدة "هوي” : "غير أنه لم يكن هناك سوى خط انابيب واحد يمر فيه حيث يتمازج النفط الخفيف لشركة بترواكوادور والنفط الثقيل للشركات الخاصة، وبسبب هذا المزيج خسرت الاكوادور الكثير من الأموال في أسواقها، اما الشركات التي أصبحت تملك 80 في المئة من انتاجها فقد أرادت استخراج المزيد من النفط الخام وزيادة أرباحها. وبفعل ضغوطها رأى النور منذ اكثر من سنتين مشروع خط انابيب النفط الجديد، الذي تحول فوراً الى موضوع جدال."
وفي التسعينات أطلق السكان الأصليون حركة احتجاج شعبية ضد السياسة النيوليبيرالية التي ينتهجها حكام حمقى وفاسدون، لا يتحسسون الفقر المتنامي الذي يصيب 70 في المئة من السكان البالغ عددهم 12.5 مليون نسمة. وبعد اسقاط الرئيس جميل معوض في 21 كانون الثاني/يناير عام 2000 لم يكن هاجس حكومة السيد غوستافو نوبوا الا تنفيذ خط الأنابيب الجديد بالقوة.
وقد صمت الآذان عن عملية احتجاج سواء أتت من اصحاب شركات أم من النقابات أم الحركات الاجتماعية والسياسية ام من منظمات الدفاع عن حقوق الانسان. وفي 15 شباط/فبراير عام 2001 وقع اتحاد "أو.سي.بي. ليميتد" الذي يضم شركات عاملة على الأرض من قبل ومعظمها في الحوض الأمازوني، مع دولة الاكوادور عقداً يسمح لها بمد خط انابيب، وهو إذ يحاذي خط "سوتي" في جزء كبير من مساره، سيبقى بين أيدي الشركات لمدة عشرين سنة (١).
ويفترض بالانبوب الفولاذي أن ينقل يومياً حوالى 400000 برميل من النفط الخام مما سيضاعف من انتاج البلاد، ذاك ان الاحتياط النفطي الأكيد كبير جداً. وقد اعلن الوزير بابلو تيران أنه "بفضل اتحاد "أو.سي.بي." ستتوافر خمسون الف فرصة عمل جديدة”. وقد تبين في ما بعد ان هذا الأمل زائف إذ لم يتعدَّ الأمر 9000 وظيفة فقط فضلاً عن كونها موقتة وغير مصنفة.
وبشيء من الغضب تقول السيدة ناتاليا آرياس، من مجموعة "آكسيون إيكولوجيا"( AC) النافذة: “إن بناء خط لأنابيب النفط يعني ترسيخ نموذج التنمية المرتكز على الاستثمار المكثف للموارد الطبيعية، ونحن نناضل من أجل تأجيل الاستثمار النفطي. وكلما تقدم العمل في إنشاء خط الأنابيب، وهو يتأخر أساساً بسبب المعارضة التي يواجهها، فهم الناس انتقاداتنا وتوسعت نظرتهم الى المشكلات العامة مثل التغير المناخي والتصحر والتلوث، الخ."
ومنذ آذار/مارس عام 2001 تنهض “آكسيون إيكولوجيل” بحملة ناشطة ضد شركة "أو.سي.بي.” المتهمة بخرق مواد عدة من الدستور، فلا أخذ برأي الشعوب المعنية ولا دراسة مسبقة قبل توقيع العقد المتعلق بالتأثير على المحيط الطبيعي الخ (٢). فإذا بحالات الغضب والتعبئة العارمة تتوالى على الصعيد المحلي والوطني والدولي. الا أن أنصار البيئة قد خسروا الجولة بالرغم من أنهم استنجدوا بخبير من البنك الدولي هو السيد روبيرت غوتلاند ليبرهنوا أن شركة "أو.سي.بي." تخرق أبسط المعايير البيئية والاجتماعية لهذه المؤسسة. وفي 30 أيلول/سبتمبر عام 2002، تلقى بنك "وستدوتشي لاندسبانك" ، وهو المصرف الوطني الألماني الذي يقدم القسم الأهم من الموارد المالية (900 مليون دولار من أصل 1300 مليون) (٣) الضوء الأخضر من برلمان ويستفاليا في الشمال كي يستمر في تمويل المشروع.
وهذا ما سينشط التنقيب عن المزيد من النفط على مساحة 2.4 مليون هكتار من الغابات الطبيعية العذراء، حيث أراضي الأجداد للعديد من الجماعات المحلية مثل "شوار" و"أشوار" و"هواروني" و"غويتشوا" و"شيويار" و"زابارا"، و"محميات" مثل "ياشوني" و”غويابي” و”ليمونكوتشا”...
فمدينة لاغو آغريو، عاصمة سوكومبيوس، التي تعد 35000 نسمة، نمت بسرعة واشتهرت بأنها خطرة. ومنذ منتصف العام 2001 يحتج سكانها بالعديد من التظاهرات على إقامة "ترمينال أمازوناس"، أي نقطة انطلاق خط "أو.سي.بي." الواقع داخل محيط المدينة. وكونه يتألف من خزانات ضخمة ومن أجهزة ضخ وتسخين النفط الخام على حرارة تبلغ 80 درجة مئوية فإن هذا العمل يتضمن في ذاته أخطار تلويث بديهية.
وفي 7 آب/أغسطس عام 2001 قام حاكم لاغو آغريو السيد مكسيمو آباد، يحيط به عدد من المستائين، بقطع الطريق على الآليات الآتية لتشييد محطة أمازوناس. وفي مواجهة هذا الاصرار التفت مسؤولو الاتحاد ناحية مستشاري البلدية وقد أحسوا عندهم نقاط ضعف وعملوا على استمالتهم (أكان ذلك بواسطة الرشوة؟ هذا لم يتم التأكد منه تماماًَ)، فإذا خمسة من المستشارين السبعة يبدون موافقتهم، وبدعم من حكومة نوبوا قصدوا كوينتو لتوقيع عقد مع شركة "أو.سي.بي.”، علماً أن القانون ينص على أن للحاكم وحده، كمسؤول شرعي عن البلدة، الحق في توقيع هذا العقد.
في شباط/فبراير عام 2002 أعلن سكان لاغو آغريو ومختلف البلدات الاضراب و"احتلوا" محطة امازوناس حيث طردوا عمال شركة "أو.سي.بي." فشلّت الحركة في مقاطعتي سوكومبيوس وأوريللانا (حوالى 180000 نسمة). وقد احتلت عشرات المواقع النفطية. وبعد ثلاثين يوماً من الكفاح والقمع (العسكري والبوليسي) سقط فيها اربعة قتلى وما يزيد على ثلاثمئة جريح استجابت الحكومة المطالب الأكثر الحاحاً في مجال الزراعة وشبكات الطرق والكهرباء والتنمية الاجتماعية الخ. ومن جهتها فإن شركة "أو.سي.بي.” تعهدت انشاء بعض البنى التحتية في مجال الطرق والتربية والصحة، إضافة الى تعبيد عشرة كيلومترات من الطرق في المدينة... وأقل ما يراه السيد مكسيمو آباد من الحركة الشعبية الديموقراطية (اليسارية) أنه "تم الاخلال بالأسس القانونية الاكوادورية، حيث الاستشارات شكلية والقرارات تفرض فرضاً والأمن الاجتماعي محطم والمجلس البلدي مفكك. حتى أنهم كادوا أن يزيحوني، لكني لا أزال صامداً."
وفي ميندو، القرية الصغيرة الواقعة على سفح جبال الآندز على بعد 75 كيلومتراً شمال غرب كيتو، تمتد إحدى أجمل المحميات الطبيعية في العالم، وقد نمت فيها سياحة قائمة على الرحلات المنظمة مع استئجار غرف للمنامة لدى السكان. ومن هذه المداخيل يعيش قسم كبير من المندينيوس فيما يعيش من تبقى، من تربية المواشي وانتاج الحليب والأجبان. وما حدث لا يصدّق لكنه حقيقة، فبـ"تحويلته الشمالية" الشهيرة التي تلقى الكثير من الاحتجاجات، يخترق خط شركة "أو.سي.بي.” في شمال غرب بيتشينتشا غابة ميندو نامبيللو الكثيفة، الفريدة بغنى تنوعها الطبيعي، والتي تغطي مساحة 19200 هكتار وقد اعلنتها السلطات الاكوادورية في العام 1988 "محمية طبيعية”.
وعلى مدى السنين نمت في ذهن السكان فكرة الاقتصاد "المستدام”. ومع الاعلان عن مرور خط الأنابيب الجديد تشكلت جبهة مشتركة ضمت الملاكين والمزارعين والسلطة المحلية ومجموعات الدفاع عن البيئة والعلماء والعاملين في مجال السياحة البيئية الخ. ويروي السيد جيوفاني باتينيو، العضو في مجموعة "العمل من أجل الحياة": "ما الذي طالبنا به؟ كل ما طالبنا به هو تعديل في مسار خط انابيب النفط الذي يمر على قمم سلسلة جبال "غواروموس" وليس في "قسمها السفلي"، فنحن اناس معتدلون ولسنا متطرفين متحمسين” (٤).
وهذا المسار الأقل كلفة بالنسبة الى شركة "أو.سي.بي.” يمر على نتوءات في منتهى الضيق تكاد لا تتعدى المترين عرضاً في بعض المواقع، وهذا الشكل الطبيعي يعود الى مجاري السيول الهابطة من القمم الى السهل، وما من شيء يمنع تواصل عملية الانجراف هذه، وإذا تعرض خط الأنابيب للأضرار في حال حوادث ناتجة من هزات أرضية نتيجة قربه من بركان بيتشينتشا الناشط تماماً، فإنه قد يتسبب في تلوث سدين مائيين في الوقت نفسه، سد نهر ميندو الموجه الى الشمال، وسد نهر ألامبي الموجه الى الجنوب.
الا ان جبهة الرفض في ميندو بالذات قد انقسمت على نفسها الى حد بعيد، فهناك حوالى خمسين من السكان يعملون في بناء خط الأنابيب بأجور من الواضح انها أعلى من الحد الدنى الوطني، وبنوع خاص، كما يقول دون لويس باتينيو، رئيس المجلس المحلي، لأن شركة "أو.سي.بي." قد تعهدت تمويل معالجة المياه إضافة الى القنوات الجديدة وشبكة المجارير وتجديد بركة السباحة العامة ومركز المعلومات السياحية ومشروع تشجير وادي ميندو وإنشاء الجسور. أما وزارة البيئة فقد تبرعت بإقامة دورات إعداد لمهنة السياحة لبضع عشرات من الشباب. وبشيء من الاعجاب يؤكد دون لويس، وقبعة المزارع على رأسه: “إنها منافع ثابتة لكن وللأسف أن هؤلاء البيئيين المعاندين لم يفهموا شيئاً".
وفي مباني قسم الشرطة الريفية المزينة بلوحة اعلانية تحمل شعار "مسيرة الأمن"، وفي اطراء على شركة "أو.سي.بي." يكثر الملازم كارلوس فويل من التلميحات الحقودة، فيرى ان انصار البيئة يهتمون للمال الذي يتلقونه أكثر مما يهتمون بحب الطبيعة "المزعوم”. وعلى طاولة في المكتب يتألق جهاز كومبيوتر وأجهزة الكترونية جديدة لامعة، ويقر الملازم مبتهجاً: “إن رؤساء الاتحاد هم الذين أهدوني هذا حتى أنهم وعدوني بأن يجهزوا لي هنا سجناً حيث أستطيع أخيراً حبس الجانحين".
أما السيدة ماريا أوجينيا غارزيون فالا تعير كبير اهتمام بالسياسة، فكل ما يهمها هو الماء الذي ينزل من الحنفية ويروي الظمأ ويستحم به أو يُصطاد فيه: “أنا متشائمة جداً ذلك لأن الحفريات التي قامت طمرت الكثير من منابع الماء في أعالي الجبال."
وانطلاقاً من ميندو في اتجاه الساحل البعيد وعلى طول الطريق يمكن مشاهدة "الوحش" الأصفر وقد تمّ تركيبه او عُلِّم بأوتاد صغيرة، حيث سيمر النفط تحت الأرض. وخط النهاية هو في اسميرالدا، حيث غنى الطبيعة وفقر السكان وقد أهملتهم السلطة المركزية. ويعلّق السيد ارنستو استوبينيان الحاكم الأسود الأول وأول ممثل لحزب يساري يحتل هذا المنصب، فيقول: “ثلاثون عاماً من الصناعة النفطية لم تساهم قط في تأمين معيشة جيدة للسكان بل بالعكس، وقد غيّرنا سياستنا حيال مصفاة “بتروإكوادور” الملوثة جداً، فأجبرناها على تطوير بعض الوحدات القائمة أو على إنشاء غيرها، كما أننا فرضنا شروطنا الخاصة على شركة "أو.سي.بي." التي تبني هنا خزانات لحفظ النفط الخام الثقيل، وقد دامت المفاوضات القاسية جداً أشهراً طويلة."
وفي نهاية الأمر أُقرت التعويضات المالية وفُرض تعديل لمسار خط الأنابيب واصلاح البنى التحتية القائمة، سواء في اسميرالدا أو في البلدات المجاورة، ويخلص لينين بلازا كاستيو، مقدّم البرامج في راديو "أنتينا ليبري" الاذاعة المحلية الأشهر الى أن: “النتيجة الأهم هي أننا في الفترة الأخيرة تمكنّا من إعادة الاعتبار الى السكان، لقد كافحنا ضد وصول "الوحش" لكن المشروع نُفّذ الا أننا برهنّا على أنه ليس وحده الذي يصنع القانون”.
ومن حجم انتاج بلغ في حده الاقصى 328000 برميل يومياً في العام 1994، تراجع انتاج “بترواكوادور” تدريجياً الى 220000 برميل يومياً في العام 2002، وفي الوقت نفسه فإن الشركات الخاصة في 17 من 18 "كتلة" في الأمازون زادت انتاجها من 50000 برميل يومياً الى 160000 برميل. وبالرغم من حالة الاختناق التي تتعرض لها فإن “بترواكوادور” لا تزال العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لكنها تراوح مكانها. فكيف لها بدون استثمارات كافية أن تتكل على احتياط نفطي جديد للتعويض عن النقص في انتاج الآبار القديمة التي تستغلها؟ وكيف يمكنها تحقيق الهدف المرسوم بالوصول الى انتاج 400000 برميل يومياً وهي الكمية المطلوبة لملء خط "سوتي” ابتداء من حزيران/يونيو عام 2003 موعد بدء العمل بمشروع "أو.سي.بي."؟ ولماذا تعيد شركة "أو.سي.بي." النظر وتخفض حجم التوقعات التي قامت بها هي نفسها؟ هذا ما يوضحه السيد فيكتور هوغو جيجيون، مهندس البترول القديم والمستشار في مجلس تنمية قوميات الاكوادور وشعوبها إذ يقول: “في الواقع أن الادارات المركزية للشركات المنضمة الى الاتحاد لا تحترم خطة استثمار الـ3 ملايين دولار التي وعدت بتنفيذها من أجل اكتشاف احتياطات جديدة من النفط الخام الثقيل”.
فتجمع الشركات هذا، وبعدما كان أكد وجود احتياط نفطي ضخم وأكيد، بدأ فجأة يتراجع ويقول إنه ليس هناك ما يكفي من النفط الخام الثقيل لتشغيل خط "أو.سي.بي." وجعله مربحاً، وهذا ما يحلله السيد فرناندو فيلافيسنسيو، مستشار لجنة العمل لعمال “بتروانداستريال” والسكرتير التنفيذي للجنة التنسيق بين الحركات الاجتماعية فيرى أن "الهدف كان واضحاً وهو الآن زاد وضوحاً، فالمضمر وراء انشاء خط جديد لأنابيب النفط هو عملية الخصخصة العتيدة لحقول النفط الخام الخفيف الكبرى التابعة لشركة “بترواكوادور”، وسيطرة الاتحاد الخاص على خط "سوتي”. وبما أنه لم يتخذ أي اجراء لفصل نوعي النفط الخام في لاغو أغريو، فإن الخطين لا يزالان ينقلان مزيجاً منهما، مما يتسبب بخسارة دائمة للبلاد في الأسواق النفطية. أما الاحتياطات المتحقق منها وبسبب الافراط في استغلالها فقد تنضب خلال أربع عشرة سنة."
وإذا كان العاملون في مجال النفط قد أعدوا جملة من المقترحات لاتباع سياسة جديدة (٥) فإن السكان من جهتهم يطرحون السؤال الجوهري: من المستفيد من عائدات البترول؟ إنها في شكل أساسي تستخدم لسداد الدين الخارجي، الأكثر ارتفاعاً في مجمل أميركا اللاتينية (1100 دولار للشخص الواحد). وقد كشفت مصادر من داخل شركة "بترواكوادور" أنه من أصل 2.4 مليار دولار من المداخيل النفطية في العام 2000 استعمل 1.3 مليار دولار لخدمة فوائد الدين، وفي العام نفسه خصص مليار دولار لـ"انقاذ" بعض المصارف التجارية المفلسة. فماذا تبقى للمساهمة في حل المشكلات الاجتماعية الخطيرة؟ القليل جداً. هذا هو المنطق الذي رفضه الاكوادوريون في الانتخابات العامة التي جرت في 24 تشرين/الثاني الماضي!
* استاذ في جامعة باريس الثامنة (سان دوني)، احدث مؤلفاته
Le Choc des barbaries. Terrorismes et désordre mondial, Complexe, Bruxelles, 2002.
١ .اقرأ
' Jeu triangulaire entre Washington, Moscou et Pékin ', Le Monde diplomatique, décembre 2001. .
2 كما بالنسبة للتوسع السابق شرقا حرص حلف الاطلسي على منح موسكو جائزة ترضية مسبقة من خلال الصيغة المعدلة لمجلس الناتو ـ روسيا الذي تأسس في باريس في ايار/مايو 1997. هذه المرة تم التوقيع في روما في ايار/مايو 2002 على معاهدة معدلة تنص على تنسيق اكثر فعالية في الحرب على الارهاب.
Robert Kaiser et Keith Richburg, ' NATO Looking Ahead To a Mission Makeover ', Washington Post, 5 novembre 2002
4 تكون ايسلندا والنروج عندها الدولتين الوحيدتين الاعضاء في حلف الاطلسي من دون ان تكونا في عداد الاتحاد الاوروبي.
5 اسم المدينة الاوروبية التي اجتمع فيها مجلس اتحاد اوروبا الغربية عام 1992 لتحديد هذه المهمات.
6 على كل حال ان قوة التدخل السريع الاوروبية تعتمد على اللوجستية والتخطيط التي يقدمهما الحلف الاطلسي. وجاء الاتفاق الموقع في قمة كوبنهاغن (كانون الاول/ديسمبر 2002) بين الاتحاد الاوروبي وتركيا يضع حدا لمعارضة انقرة لهذا الاستخدام ما كان يمنع قوة التدخل الاوروبية من الانتشار في البلقان.
7 خطاب الرئيس بوش في قمة براغ ٠٢\١١\٢٠٠٢.
8 كان وزير الدفاع الاميركي السيد دونالد رامسفيلد اول من اقترح انشاء قوة رد تابعة للحلف خلال اجتماع وزراء دفاع الاطلسي في فرصوفيا ايلول/سبتمبر ٢٠٠٢.
Keith B. Richburg, ? Czechs Become Model for New NATO ? , Washington Post, 3 novembre 2002.
|
http://www.mondiploar.com/ |