طبع المقال
تحميل المقال

يوحنا بولس الثاني، بابا محافظ وحديث

فرنسوا هوتار *
FRANCOIS HOUTART

   إنه لمن المثير للاحترام أو التعاطف أو الشفقة، رؤية رجل مسنٍّ، متعب ومريض، يستمر في الاضطلاع بمهمات مرهقة بالرغم من ذلك كله. ولا يزال لافتاً هذا التعلق به من جانب حشود هائلة وشعبية في عدد كبير من دول العالم. وما يثير الاعجاب هو هذه الشخصية التي تجمع معارف واسعة واتقان لغات عديدة وحركة رياضية وجرأة جسدية فعلية وروحانية عميقة وقدرة كبيرة على الاقناع وإخلاصاً في الصداقات. ومع ذلك فإن الجردة تفرض نظرة أخرى وتحليلاً مختلفاً.

   وليس من السهل استعادة بعض الخطوط الاساسية لعهد البابا يوحنا بولس الثاني نظراً  الى عدد السنين التي أمضاها على رأس الكنيسة الكاثوليكية (حوالى ربع قرن)، قام خلالها بحوالى مئة رحلة دولية وأصدر حوالى اثنتي عشرة رسالsة بابوية والقى العديد من الخطب، والتقى الكثير من الشخصيات وأنجز المئات من عمليات التطويب والتقديس. وكل ذلك في حقبة من التاريخ شهدت تسوية واشنطن [2] توجه الاقتصاد العالمي نحو النيوليبيرالية بما ولدته من كوارث اجتماعية، وسقوط جدار برلين والفكر الاحادي يفرض نفسه وحركات الاحتجاج تعم على المستوى العالمي، هذا إن لم نذكر الهجوم الارهابي على الولايات المتحدة والحروب الساعية الى تعزيز قبضة النظام العالمي المهيمن.

   لدى توليه سدة البابوية في الكنيسة الكاثوليكية، كانت المهمة التي أخذها البابا يوحنا بولس الثاني على عاتقة مزدوجة الاهداف: إصلاح الكنيسة التي زعزعتها مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني وتعزيز حضورها في المجتمع كي تتمكن من القيام بمهمات التبشير.

   كان الكاردينال كارول فوختيلا عضواًُ ناشطاً في المجمع الفاتيكاني الثاني [3] ، ولأنه كان من أنصار تحديث صورة الكنيسة الكاثوليكية فقد أيد العديد من الاصلاحات التي اقرها مجمع الأساقفة. الا أنه ومن موطنه الأم بولونيا كان يراقب بقلق انعكاسات المجمع على كنيسة كانت تواجه عملية اصلاح عميق مع ما رافقه من صدمات وتجاذبات داخلية. كان مقرباً من جمعية "أوبوس دايي- (أعمال الخالق)" [4] التي غطته في العديد من رحلاته الى الخارج ولذلك كان له نظرة احتجاج، ليس فقط على بعض المبالغات الليتورجية (ومنها إدخال بعض النصوص أو انواع الموسيقى الدنيوية)، بل على العديد من التطبيقات المادية لمقررات المجمع. وما عزز من إقتناعاته هو انتماؤه الى الكثلكة البولونية الصلبة وإنما التبسيطية غالباً في مضمونها، المتشددة في روحانيتها المتميزة بإجلالها الخاص للعذراء مريم، الصارمة في أخلاقيتها المهيمنة ثقافياً في مجتمعها، وقد شدت اواصر الأمة وشكلت روح المقاومة في وجه الشيوعية. كل ذلك سيدفع هذا الشخص الذي انتخبه مجمع الكرادلة الى القيام بعملية اصلاح عقائدية وأخلاقية ومؤسساتية في الكنيسة الكاثوليكية [5] .

   على المستوى العقائدي طرح كل شيء على بساط البحث، اما من جانب البابا مباشرة واما من اجهزة الكرسي الرسولي، من قضايا الايمان الى السلطة العقائدية في التراتبية الكنسية أو عقد المجامع بين الاساقفة من أجل سير عمل الكنيسة المسكونية، الى القضايا الليتورجية والكهنوت ودور المرأة في الكنيسة، الى توحيد الكنائس أو العلاقات بين الكنائس المسيحية في ما بينها ومع الديانات غير المسيحية والعقائد الاجتماعية... وفي كل ذلك كان هناك تحديدات مهمة الى جانب التحذيرات والتذكير بالعقائد وحتى بعض الادانات العلنية. كان هناك الكثير من عمليات الكبح المترافقة مع اجراءات مسلكية أكثر إلزاماً في المكان والزمان المناسبين للمواكبة الرعوية لمسار اصلاحي صعب، كي تتمكن الكنيسة من التبشير في شكل أفضل برسالة الانجيل في عالم معقد.

   وهكذا أوقفت الليتورجيات المعتمدة التي كان قد بوشر تطبيقها في العديد من الكنائس المحلية في آسيا وخصوصاً في الهند على أساس أنها تعبير ثقافي أكثر تكيفاً مع الايمان. كما أن وثيقة "دومينوس جيزوس" المتعلقة بالدور الخلاصي الشمولي للمسيح قد وضعت حداً لمحاولة إعادة النظر في العلاقة مع ديانات الشرق الكبرى، وكان بعض المسؤولين الدينيين أو السياسيين الآسيويين قد فسروا هذا النص على أنه تبرير لعمل التبشير في مجتمعات كانت تجهد لاستعادة هويتها الثقافية عبر الدين خصوصاً. كما دانت الكنيسة العديد من علماء الدين وحظرت على بعضهم التعليم أو نشر الكتب ومنهم السري لانكي تيسا بالاسوريا الذي حرمته الكنيسة لأنه نشر كتاباً غامضاً جداً حول عذرية مريم وحول مفهوم الخطيئة الأصلية.

   وبالتأكيد، حدثت في مجال العلاقات مع بقية المذاهب المسيحية والديانات الأخرى، بعض المبادرات البالغة الأهمية من مثل اللقاءات في أسيز في العامين 1986 و2002، والدعوة الى صيام اليوم الأخير من شهر رمضان في العام 2001 الخ. لكن التصلب العقائدي والعوائق في وجه أشكال التعاون ذات الطابع المؤسساتي الأكبر وخصوصاً في مؤتمر توحيد الكنائس، قد رسمت لبعض الانجازات حدوداً لا يمكن تخطيها. كما أن طلب الصفح عن أخطاء ارتكبها أعضاء في الكنيسة الكاثوليكية، زمن الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش، أو ايضاً عن بعض التصرفات العنصرية أو المعادية للسامية، لم يطرح قط على بساط البحث مسؤوليات المؤسسة الكنسية نفسها [6] .

   أما المجامع الاسقفية، وهي احدى نقاط القوة في المجمع الفاتيكاني الثاني فقد ألحقها البابا يوحنا بولس الثاني في شكل واضح بسلطة روما. كما ان أعمال السينودوس، العام منها والقاري، قد تحولت في الغالب مركزاً لتثبيت الخط البابوي أو الى مكان لتفجير المكبوتات بدون أن تحقق نتائج كبيرة. فوثائقها الختامية يجب أن تحظى بمصادقة البابا قبل نشرها وفي الكثير من الحالات كان يجري تعديلها [7] .

   أما لاهوت التحرير فقد تعرض لقمع خاص. وكانت هذه النزعة نشأت في أميركا اللاتينية ثم تجلت في افريقيا وخصوصاً في أوساط رجال الدين البروتستانت وفي آسيا والهند والفيليبين وفي كوريا الجنوبية. ومع أنه يفترض أن تكون مثل كل لاهوت نوعاً من التأمل في موضوع الله، الا انها انطلقت من وضع الفقراء والمضطهدين كاشفة بذلك عن طابعها الموضعي، مضمرة مبدأ نسبية الأطروحات، وهذا ما رفضت أن تقوم به في شكل عام بعض التيارات الأخرى.

   ونظرية التحرر هذه التي استلهمت الانجيل، فرضت في خضم تعقيدات الاوضاع الاجتماعية المعاصرة، التحليل الاجتماعي وسيلة لتحديد نقطة انطلاقها، غير أن هذا الفكر قد تجاوز الى حد بعيد حقل الاخلاقية الاجتماعية. وهو حاول التعرف مجدداً الى معنى شخصية المسيح عبر نظر المستغَلين من خلال النظر اليه في الإطار التاريخي لفلسطين إبان حياته فيها، مما ادى بلاهوت التحرير الى تطوير روحانية وأشكال تعبير ليتورجية تبرز حياة الفقراء. وقد كان لها حكم قاسٍ على كنيسة غالباً ما كانت متواطئة مع السلطات القمعية. وقد تكلمت عن التحرير في الزمن الحاضر كتعبير عن محبة الله لشعبه. وفي اختصار، لقد شكلت خطراً على النظام إن على الصعيد الاجتماعي أو على الصعيد الكنسي.

   وجاءت ردة فعل روما قاسية، إذ سهل عليها اتهام هذا التيار اللاهوتي بالماركسية لأنه قام على أساس وجود البنى الطبقية. وبحسب ما قال الكاردينال جوزف راتزينغر، المسؤول عن جمعية عقيدة الايمان، أن نظرة من هذا النوع تقود مباشرة الى الالحاد، وعلى هذا الاساس منع العديد من اللاهوتيين من التعليم والنشر، وتلقت المراكز التربوية أمراً بمنع أي تعليم يتحدث عن نظرية التحرير اللاهوتية. فوجدت هذه الأخيرة ملاذاً لها في مراكز الدراسات أو الاعداد المسكوني أو في الجامعات العلمانية. وحتى البابا يوحنا بولس الثاني نفسه أعلن خلال زيارته الى نيكاراغوا في العام 1996، ان نظرية التحرير فقدت أساس وجودها كون الماركسية قد ماتت.

   وفي المسائل الأخلاقية، من المعروف تشديد البابا على احترام الحياة حتى قبل الولادة، ومعارضته المطلقة للاجهاض ومنع الحمل والطلاق والموت الرحيم، وإنما أيضاً لعقوبة الاعدام. فبالتأكيد أن النظرية الوضعية العلمية والقوى الاقتصادية القادرة على إبادة الجماعات والنسبوية في بعض انواع فكر ما بعد الحداثة، تعرض الحياة للخطر. الا أن تمنع البابوية عن الأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والنفسية الملموسة للبشر، والتمسك بفلسفة طبيعية تجاوزتها المعارف المعاصرة، والنتائج المأسوية لبعض المواقف العقائدية كما في حالة السيدا في افريقيا، كل هذا أدى الى فقدان الكنيسة جزءاً كبيراً من صدقيتها.

   وتبقى العقيدة الاجتماعية الموضوع المفضل الذي حظي باهتمام البابا يوحنا بولس الثاني، حتى باتت الوثائق في هذا المجال لا تحصى. فهو، وباسم الانجيل، دان بشدة تعسف الرأسمالية وانحرافها، حتى أنه ومن كوبا هاجم النيوليبيرالية وتأثيراتها الفاسدة. لكن إذا كان في الرسالة البابوية لمناسبة الألفية Centesimus Annus قد دان الاشتراكية لأنها تتضمن في جوهرها موقفاً الحادياً، فإنه ندد بالرأسمالية المتوحشة بسبب ممارساتها وليس لمنطقها. والحال، أن إحالة الوثيقة نفسها على "اقتصاد السوق الاجتماعي"، قد اغفلت الاشارة الى ان العوامل الاقتصادية ذاتها في هذا النموذج تلجأ الى ممارسات "متوحشة" في جنوب العالم وفي اوروبا الشرقية. ومن هنا كانت الدعوات المتكررة والملحة الى "عولمة التضامن" والتي لم تفضِ الى التنديد بالاسباب الجوهرية للفقر والمظالم. ومن جهة اخرى، من المعلوم ان احدى وسائل الكنيسة لوضع عقيدتها الاجتماعية ونشرها هي لجنة العدل والسلام التي تأسست في المجمع الفاتيكاني الثاني، الا أن تعيين السيد ميشال كامديسوس، المدير السابق لصندوق النقد الدولي، مستشاراً فيها، في العام 2000، يكفي لأثارة الشكوك في قدرتها على الاضطلاع بدور الناطق باسم الفقراء والمضطهدين...

   ولانجاح مشروعه الاساسي، أي الاصلاح العقائدي والاخلاقي، كان البابا يوحنا بولس الثاني في حاجة الى مؤسسة تتكفل هذا المشروع. وعلى هذا الاساس جاءت توجهات سياسته في اختيار الاساقفة. فراح الأساقفة في الكثير من الابرشيات وبتوجيه من الكرسي الرسولي، يراقبون مراكز الاعداد ويفككون العمل الرعوي الذي باشره أسلافهم ويشكلون جمعيات دينية أو منظمات كاثوليكية محافظة. ففي أميركا اللاتينية كان من شأن المجلس الرعوي الأميركي اللاتيني، الذي كان على رأس عملية التجديد والذي نظم في العام 1968 مؤتمر ميديلين لتطبيق مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني في القارة، أنه تحول شيئاً فشيئاً جهازاً للاصلاح. وقد اعيد توجيه المؤتمرات الرعوية عبر التعيينات الجديدة، وقد عاشت المئات من الابرشيات في العالم أجمع عمليات انتقال رعوية مؤلمة تسببت في الكثير من الأحيان بمآسٍ شخصية لدى الذين كانوا يؤمنون بكنيسة نبوية وبمؤسسة اكثر انسانية. فقط بعض الأبرشيات الأكثر عراقة في المسيحية والتي حافظت على استقلاليتها تمكنت من وقف موجة التعيينات المحافظة المتلاحقة [8] .

   ففي العام 1982، أي بعد أربع سنوات من انتخاب يوحنا بولس الثاني، اكتسبت منظمة "اوبوس دايي" صفة ذاتية متميزة، تعدت فيها السلطة القضائية للاساقفة، وقد طوب مؤسسها قديساً في العام 2002، أي بعد سبعة وعشرين عاماً فقط من وفاته. وقد رقي العديد من اعضائها الى مرتبة الاسقفية، وخصوصاً في الابرشيات المهمة، والبعض رقي الى رتبة كاردينال. وأكثر ما يظهر نفوذها هو في الادارة المركزية للكنيسة الكاثوليكية، حيث يحتل أعضاؤها مراكز مهمة في العديد من القطاعات ويستفيدون من "الترقيات" الداخلية. والاوبوس دايي هذه يمكنها ان تلعب دوراً مهماً في اختيار خليفة البابا الحالي.

   كما عزز البابا يوحنا بولس الثاني موقع الادارة المركزية للكنيسة الكاثوليكية في روما. الا أن الحفاظ على هذا الجهاز يتطلب امكانات هائلة لا تستطيع تبرعات المؤمنين أن تنهض بها. غير أن الكرسي الرسولي يمتلك إرثاً مهماً وخصوصاً بفضل معاهدة لاتران (1929) التي بموجبها عوضت إيطاليا الفاشية على الفاتيكان خسارته الولايات البابوية السابقة. ويدر هذا الرأسمال العقاري والمالي الكثير من المداخيل، غير أن مؤسسات الفاتيكان المصرفية قد شهدت في ظل هذا العهد البابوي فضائح مدوية. ومنها فضيحة مصرف آمبروزيانو [9] ، وقد كلفت الكنيسة الكاثوليكية مئات الملايين من الدولارات. إضافة الى غيرها من القضايا التي تخرق في شكل فاضح روحية الانجيل، فإن عامة الناس لا تعرف الكثير عنها إذ ان جميع السلطات، الاقتصادية منها والسياسية والقضائية والاعلامية، قد توافقت على إخفائها خوفاً من أن تعرض للخطر سلطة معنوية تشكل في نظرهم ضماناً للنظام الاجتماعي.

   وكان من المفترض بالبابا يوحنا بولس الثاني، كأسقف روما، أن يتقاعد في سن الخامسة والسبعين، بحسب ما يفترض بجميع البابوات أن يفعلوا وفق مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، الا أن رفضه الانسحاب قد عزز سلطة إدارة محافظة أكثر فأكثر. وإذ تحول "أسيراً آخر في الفاتيكان" وقع البابا ضحية إدارة مركزية، تمادت شخصياتها البارزة الكبرى التي كان هو نفسه قد عيّنها في عملية الاصلاح الى درجة أن هذه العملية قد أثارت ردود فعل متزايدة حتى في أوساط الأكثر اعتدالا في الكنيسة.

   وقد تميز "التبشير الجديد" الذي نهض به يوحنا بولس الثاني بتوجهين رئيسين، فمن جهة كان هناك "الأوبوس دايي" الهادفة الى التبشير عبر السلطة جاعلة من الروحانية ميزة للسمو الاجتماعي، ومن جهة أخرى هناك مختلف الحركات الموصوفة المتطلبة جداً بالنسبة الى التصرفات الفردية والتي تولي الأهمية للنواحي العاطفية ولكنها في شكل عام أقل ميلاً الى الاهتمام بالبعد الاجتماعي. وفي المقابل همشت، لا بل فككت أحياناً الجمعيات الكنسية الأساسية، التي نشأت في أميركا اللاتينية، فتم نقل الكهنة المرشدين فيها وحرم عليهم دخول المقار الرعوية واصطنع غيرهم ممن حملوا التسميات نفسها تحت الراية الاكليريكية.

   أما بالنسبة الى دور العلمانيين في الكنيسة، ومع انه أعطي أهميته في النصوص، فانه أسقط الى أدنى مستوى الا عندما كان الأمر يتعلق بالمنظمات غير المشروطة مثل "أوبوس دايي". وفي المقابل فإن المثل اللافت يتمثل في المنظمة الدولية للشباب المسيحي العامل (JOCI) التي كانت قد دعمت في الكثير من المجامع الاسقفية، فاذا هي تهمَّش ويلغى دورها كمنظمة كاثوليكية دولية ليحل مكانها اتحاد منافس مركب كيفما كان. وقد اتت هذه النزعات في سياق تفجر ثقافي نموذجي عكس التيارات الفلسفية كجزء من العلوم الانسانية، ومن النتاج الفني ومن الابحاث الدينية والتي جرى التركيز فيها على الفرد. وللمفارقة، فإن العصر قد طبع في آنٍ واحد بسيطرة اقتصاد السوق وبالتشدد الاستبدادي على رأس المؤسسات.

   وبالتأكيد، كشفت الرحلات العديدة التي قام بها يوحنا بولس الثاني في العالم ما عنده من طاقة لا تضاهى، وقد حظيت بثناء العديد من الأوساط الشعبية وخصوصاً في الجنوب كما منطقياً في بولونيا وفي شكل عام في أوساط كل المراكز الكاثوليكية المتحمسة. لكن الغاية لم تكن غالباً الاحتكاك بالواقع في المناطق التي زارها، بقدر ما كان المقصود نشر الفكر الروماني، فقد جاء الحدث ليتمم الرسالة. فاذا كانت الزيارات البابوية قد أثارت المشاعر كاحتفالات جماعية، الا انها أفضت في الغالب الى تعزيز الجناح المحافط في المذهب الكاثوليكي.

   فإصلاح الكنيسة على اساس المجمع الفاتيكاني الثاني قد ترجم إذاً بالنسبة الى يوحنا بولس الثاني بتماسك عقائدي أعيد رسم خطوطه، وبقانون أخلاقي صارم وبسلطة رفضت النقاش، في خدمة مشروع محافظ في الأساس وحديث في الشكل. وقد بدا له أن هذا التوجه ضروري من أجل مواجهة القوى المناهضة في المجتمع. ولذلك اتخذ مثالاً له البابا بيوس الثاني عشر وباشر دعوى تطويبه تماماً مثل البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي كانت "صوت الشعب" قد قدّسه منذ زمن طويل.

   في وثيقة [10] Gaudium et Spes)) رأى المجمع الفاتيكاني الثاني أن دور الكنيسة عامل ارشاد أخلاقي وليس ممارسة للسلطة. وقد بدا أن الرغبة في مشاطرة البشرية أفراحها وآمالها ينم على نزعة تفاؤلية تقع على حدود الواقع، لكنها كانت ثمرة ارشاد تخطيطي، سرعان ما ترجمه البابا الجديد بمواجهة مزدوجة  ضد القوى المناهضة للرسالة المسيحية، الشيوعية الملحدة ثم الدنيوية الغربية.

   فمحاربة الشيوعية، التقليدية أساساً، تعززت مع اعلان الالحاد "ديانة الدولة" في البلدان الشرقية، وإنما أيضاً، وفي شكل مادي أكثر، مع قمع الحريات والاضطهاد الديني. فرأى يوحنا بولس الثاني، متأثراً بالتجربة البولونية، أنه يجب تجييش الكاثوليك من أجل استئصال الشيوعية. وقد تجلى هذا داخل الكنيسة فكانت إدانة لاهوت التحرير إضافة الى العمل المباشر من خارج الكنيسة.

   فحيث بقيت الشيوعية في السلطة، شجع لإنشاء سلطة مضادة، ومن هنا زياراته المتكررة الى بولونيا التي ساعدت في تجييش الكنيسة وفي دعم نقابة "تضامن"، ومنه الدعم على الصعيد المالي بواسطة مصرف آمبروزيانو. وحيث عجزت الشيوعية عن الوصول الى السلطة، تطلب الأمر تجميع الكاثوليك في جبهة معارضة. ولذلك حدثت المواجهة مع الجبهة الساندينية، في نيكاراغوا في العام 1983. وفي الارشاد الذي وجهه الى ماناغوا دان البابا الكنيسة الشعبية و"المسكونية الضالة" للمسيحيين الملتزمين المسيرة الثورية، ودعا الى الوحدة تحت راية أسقفية رجعية بامتياز (بعد الزيارة البابوية رُقّي أسقف ماناغوا المونسنيور ميغل أوباندو إي برافو الى رتبة كاردينال). وقد أدى هذا الموقف الى عملية قمع كنسية شديدة وولّد بلبلة عميقة لدى مسيحيي الأوساط الشعبية الذين كانوا قد حضّروا للاحتفال بثورتهم وبزيارة بابا كنيستهم في الوقت نفسه.

   وتأتي زيارته لكوبا في السياق نفسه، فقد كان في ذهن البابا يوحنا بولس الثاني أن الجزيرة هي المعقل الأخير للشيوعية في الغرب لكنها في نهاية الطريق، فلم يظهر روحا عدائية كما لم تكن صحة البابا لتساعده في ذلك. ولأن الثورة الكوبية كانت في نظره ظاهرة تاريخية عابرة فإنه لم ينوّه بها ولم يذكر سوى تأثيراتها السلبية اجمالاً. ولدى عودته الى روما أعلن يوحنا بولس الثاني أن زيارته ستكون لها الانعكاسات نفسها التي ولّدتها في بولونيا قبل عشر سنين.

   ومحاربة الشيوعية لم تتطلب كنيسة قوية ومنظمة وحسب بل فرضت أيضاً تحالفاً مع قوى أخرى اقتصادية وسياسية، ومن هنا كانت أشكال التواطؤ العديدة مع السلطة الأميركية الشمالية التي كانت منظمات عديدة كاثوليكية فيها، موجودة في أوروبا وروما توجه المساعدات الرسمية والسرية لصالح نقابة "تضامن". ومن هنا ايضاً التساهل مع الانظمة الديكتاتورية اليمينية كما حدث في تشيلي والارجنتين [11] والفيليبين. أما مدبّرو هذه العلاقات المشبوهة فقد رقّاهم يوحنا بولس الثاني لتولي رئاسة أهم الاجهزة في الكرسي المقدس وفي مقدّمها وزارة الخارجية. ومن هنا اخيراً كان التدخل لصالح أوغوستو بينوشيه أو، وفي قرار رمزي، تطويب الكاردينال ستيبيناك في العام 1998، وهو المقرب من النظام الفاشي الكرواتي خلال الحرب العالمية الثانية.

   أما الخصم الثاني للبابا يوحنا بولس الثاني فقد كانت النزعة الدنيوية الغربية المتميزة بالنسبوية وهي الطعم للاستهلاك والمتعية، فراح يذكر في قوة بقيم محبة الآخرين وبالتضامن وبالاعتدال في استخدام الثروات المادية، لكن مرة أخرى فعل ذلك في إطار عقائدي وأخلاقي صارم الى درجة أن الرسالة ظلت غامضة الى حد بعيد، وتالياً ضعيفة الفاعلية. ذاك أن البشرية المعاصرة، وللأسف، تتطلع الى الروحانية وتسعى الى فهم معنى الأشياء، والحركات وأشكال النضال الاجتماعية تنم على رغبة صادقة في العدالة في مواجهة عولمة اقتصادية وثقافية مدمرة.

   والمسألة الأخرى التي شغلت البابا يوحنا بولس الثاني فقد كانت متابعة قضية السلام، فقد عارض حرب الخليج وحذّر من الحرب في كوسوفو وتحفظ عن حرب أفغانستان. وطالب بحق الفلسطينيين في دولة لهم. والقاطرة الثابتة في سياسته كانت السعي الى سلم قائم على أسس العدالة بين الشعوب، وقد اولى البابا اهتمامه لمعاناة الضحايا وللشعوب المحاصرة المخضعة لقيود مميتة، إذ دان الحصارين المضروبين على كل من العراق وكوبا، إضافة الى الكثير من المواقف المماثلة الأمينة لتعاليم الانجيل.

   وللأسف ظل هذا التذكير بالقيم مبهماً في غالب الأحيان. فالبابا لم يوضح قط الاسباب الحقيقية للحروب وعلاقتها بالامبريالية الاقتصادية. ومن جهة أخرى، فإن التحالف الواقعي بين الكرسي الرسولي والسلطات الاقتصادية كما السياسية في الغرب لا يزال مستمراً على أساس المنطق المؤسساتي (إعادة انتاج المؤسسة الكنسية اجتماعياً)، مما أفقد الطرح المعادي للحرب جزءاً مهماً من صدقيته.

   وفي هذا المجال تمثلت الوسيلة المفضلة لدى الكرسي الرسولي في الدائرة الديبلوماسية، وهي، بعكس الاعتقاد السائد، لم تكن جهازاً مرتبطاً بالفاتيكان كدولة وإنما بالكرسي الرسولي أي بالكنيسة. وهي إذ طوّرها يوحنا بولس الثاني الى حد كبير، لم تكن العنصر الأكثر كلفة وحسب بل المشبوهة اجتماعياً أكثر من غيرها والأكثر تناقضاً رمزياً مع تعاليم الانجيل، لأنها رمز للسلطة (امتيازات الدولة) ومظهر ثروة (إقامة المقاصد الرسولية الى جانب السفارات).

   وما من شك في أن يوحنا بولس الثاني، الأسقف الرياضي والعامل السابق في معامل سولفاي في كاركوفيا، والمسرحي الهاوي والمنظّر الأخلاقي في جامعة لوبلان الكاثوليكية، والخوري المتمتع بروحانية صوفية وكاهن رعية "كاربات"، سيبقى ذكره في التاريخ كأحد عمالقة العصر الحديث، البابا الممتدة ولايته ربع قرن والذي غيّر وجه الانسانية، بابا العولمة [12] . لكنه في سعيه الى إعادة بناء الكنيسة متماسكة في عالم أكثر انسانية، انتهى الى تدمير عدد من القوى الحية التي نشأت وبرزت عبر رؤية انجيلية نبوية.

   هذه الشعلة الروحانية والأخلاقية التي أراد أن يحملها، تحولت سلطة سياسية. فالحكومة المركزية للكنيسة التي يفترض بها أن تكون دائرة في خدمة "شعب الله" قد تحولت جهازاً رجعياً متحالفاً في واقع الأمر مع السلطات القمعية. وبدل أن تتخذ دعوته الى العدل والسلام البعد النبوي التي يستدعيها المشروع الضخم، المعولم أكثر من أي وقت مضى، فقد تحولت عملية نقد عقلانية. واستند الى قوة السلطة وليس الى قوة الرمز، وبالتأكيد فإن يوحنا بولس الثاني قد أصلح الكنيسة لكن أي كنيسة؟ وبالتأكيد هو عزز موقعها في المجتمع ولكن أي موقع؟

   يقول هارفي كوكس، اللاهوتي المعمداني الاستاذ في جامعة هارفرد أن الكنيسة تحتاج بابا لكن بحسب ما يضيف، بابا يكون رمزاً للوحدة وليس للسلطة. إن البشرية في حاجة الى إحياء الرجاء على أساس تحليل الواقع والمشاريع المستقبلية. ولا يمكن القول في جردة حساب لهذا العهد البابوي أنه قد استجاب هذا التوقع المزدوج، وهذا سيكون التحدي الذي سيواجهه خليفة يوحنا بولس الثاني [13] الذي عليه الاتكال في سبيل ذلك على الأمل الذي يحدو الكثيرين وعلى قوى حية لا تزال، لحسن الحظ، موجودة في مجمل الكرة الأرضية.



[1] مدير المركز القاري الثلاثي ومجلة Alternatives  البلجيكية.

[2] راجع:

Moisés Naim, … Avatars du consensus de Washington î, Le Monde diplomatique, mars 2000

[3] أقر المجمع الفاتيكاني الثاني، المعقود بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرين، إصلاحات مهمة وخصوصاً مع قانون "لومن جنتيوم"  Lumen Gentium الذي أعاد تحديد الكنيسة على أنها "شعب الله"، وقانون "غوديوم وسبيس"  Gaudium et Spes الذي حدد حضور الكنيسة في العالم المعاصر على أنه حضور ارشاد وليس حضور هيمنة. وقد سمح الاصلاح الليتورجي بإدخال اللغات الوطنية واعطي دور أكبر للعلمانيين وخصوصاً في مجال العبادة والاسرار. وأعيد الاعتبار الى المجامع الاسقفية لاقامة التوازن مع الادارة المركزية في روما.

[4] تأسست مجموعة "اعمال الخالق" في العام 1928 في اسبانيا على يد المونسنيور اسكريفا دو بالاغوير، وقد نعتت على الدوام بأنها من "الفرانمسونية البيضاء" وهي تضم أكثر من 80000 الف عضو غالبيتهم من العلمانيين المنتشرين في مئات الدول. راجع:

François Normand, … La troublante ascension de liOpus Dei î, Le Monde diplomatique, septembre 1995

[5] في العام 1984 أعلن الكاردينال جوزف راتزينغر الذي كان البابا يوحنا بولس الثاني قد عيّنه على رأس جمعية الدفاع عن الايمان (محاكم التفتيش سابقاً)  في مقابلة معه: "بعد المبالغة في انفتاح دونما تمييز على العالم وبعد التفسيرات الايجابية جداً لعالم ضالّ وملحد باتت عملية "الاصلاح" مطلوبة وهي جارية في أي حال.

[6] في شكل رمزي، طوب البابا يوحنا الثالث والعشرون في 3/9/2000، وفي الوقت نفسه البابا بيوس التاسع صاحب وثيقة "سيللايوس" Syllabus (وهي وثيقة معارضة للتحديث دانت الكثير من الحريات التي كانت قد أدخلت)، وصاحب المواقف المعادية للسامية غالباً.

[7] كما حصل في السينودوس الخاص بهولندا في العام 1984 حيث كان على الاسقفية أن توقع وثيقة أعدها الكرسي الرسولي.

[8] كما حدث في أبرشيات شور في سويسرا مع تعيين المونسنيور هاس، وريسيف مع خليفة المطران دوم هلدر كامارا، وسان سلفادور مع تعيين أسقف أوبوس دايي خليفة للمونسنيور ريفيرا ي.داماس والمونسنيور أوسكار أ. روميرو في نامور في بلجيكا....

[9] ممن كان يمولهم مصرف آمبروجيانو، نظام الديكتاتور أناستازيو سوموزا في نيكاراغوا. وقد عثر على مديره، المصرفي روبرتو كالفي، مشنوقاً تحت أحد الجسور في لندن. وفي 16/4/1992، وفي الحكم الصادر في موضوع إفلاس المصرف، شرحت محكمة ميلانو العلاقة القائمة بين هذا المصرف ومؤسسة تمويل الأعمال الدينية، أو مصرف الفاتيكان، التي كان يديرها في تلك الحقبة المونسنيور بول س. مارسينكوس الأميركي الأصل والذي كان متورطاً في قضايا أخرى مشبوهة. راجع:

Fernando Scianna, … La Mafia au cuur de liEtat et contre liEtat î, Le Monde diplomatique, octobre 1982

[10] الكنيسة في عالم اليوم

[11] في الارجنتين كان القاصد الرسولي في زمن الديكتاتورية العسكرية الكاردينال الحالي بيو لاغهي، الذي توجه في العام 1976 الى عناصر حامية توكومان بالعبارات الآتية: "أنتم تعلمون ما هو الوطن، نفذوا الأوامر بكل طاعة وشجاعة وحافظوا على روح صافية"(La Nacion, Buenos Aires,oct. 1976). وفي شيلي، كان القاصد الرسولي الكاردينال الحالي أنجيلو سودانو الذي عين في ما بعد وزيراً للخارجية، قد صرح في خصوص النظام: "حتى التحف الفنية قد يكون فيها بعض اللطخات، وأنا أدعوكم الى عدم التوقف عند ما في اللوحة الرائعة من لطخات، بل أن تلقوا عليها نظرة شاملة".

[12] كشف جورج ويغل، الاستاذ في جامعة واشنطن الكاثوليكية، في كتابه، عن مشاعر يوحنا بولس الثاني خلال مسيرته على رأس الكنيسة الكاثوليكية. ويعكس كتابه نظرة البابا الى الكنيسة والى العالم.

 (Jean Paul II, témoin de liEspérance, Attes, Paris, 2001).

[13] تناول جيانكارلو زيزولا هذا الموضوع في كتابه:

Le Successeur, Desclée de Brower, Paris, 1995.

ويمكن أن تراجع للكاتب نفسه

Guerre de succession au Vatican î, Le Monde diplomatique, août 2001.

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم