ألبانيا في سعيها الى الحصول على الاعتراف
نيلز اندرسون *
NILS ANDERSSON
منذ عشر سنين، وبعد سقوط الشيوعية، أمكن قراءة ما يلي في صحيفة "لوتر جورنال" (الصحيفة المختلفة): "من يجرؤ على البوح بالحقيقة والقول إن الأمر سيدوم طويلاً طويلاً وأنه يعود الى الألبان، ووحدهم فقط، ألا يجعلوه يبلغ هذا الحد... من الضروري القيام بعملية انقاذ كي لا يحدث ذلك، والا لن ينقص البانيا في المستقبل القريب سوى شيء واحد، الأسلحة والرصاص، والأرض المحروقة لا تنبت شيئاً، ولا حتى اقتصاد السوق" [2] .
في تلك الحقبة من "زمن الرأسمالية التي اعتبرت الأرض الموعودة واعتبر الغرب منقذا"، بحسب تعبير الكاتب فاضل لوبونجا، عمد بعض الألبان ممن تبنوا "نظرية الانطلاق من الصفر" الى تخريب قنوات الري وبيوت الزراعة البلاستيكية وكروم العنب وبساتين الحمضيات والزيتون. وهذا ما حمل السيد صبري غودو، الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية، على الاستنتاج بشيء من الحزن: "لقد قمنا بعمل لم يسبقنا اليه أي بلد آخر، وها أن 60 في المئة من السلع الغذائية تستورد اليوم." وهناك ما هو أسوأ، فصناعة النحاس قد دمرت بعدما كان بلدنا هو المنتج والمصدر الثاني لها في العالم، ومع أن وطننا غني بالموارد المائية، فإن قطاع الكهرباء لم يعد يغطي الحاجات.
وقد أعقبت ذلك مرحلة وصفت بأنها مرحلة "مراكمة الرأسمال الأولي" والتي تجلت بافضل صورها بالأهرام المالية [3] . فاذا صندوق النقد الدولي يمنح ألبانيا لقب "افضل طالب في الصف" قبل أن يفضي انهيار النظام الهرمي المافيوزي الى اضطرابات العام 1997، وباستثناء زمن الأزمة أو حرب كوسوفو، كان الصمت مطبقاً في ما خص البلاد. وقد تأكدت كل أقوال الخبراء حول المرحلة الانتقالية التي طالت اكثر مما كان متوقعاً وحول عدم الاستقرار في سير الأمور وحول الانجازات الممكنة التي لم تتحقق.
وإذ خرق جدار الصمت، وبرزت الأبراج والمنشآت الحديثة، تبين ان معالم تيرانا تغيرت لمن يعرفها. فهل عندما تكون الأبنية على ما يرام، يكون كل شيء على ما يرام؟ ليس هذا رأي الطبقة السياسية ولا رأي الشعب. ففي الأرياف حيث تعيش غالبية الألبان، لم تعد قطع الأرض الصغيرة التي جزّئت الى أقصى حد لدى القيام بعملية الاصلاح الزراعي، كافية لإعالة الأسر. وفي المدن تختلف الأوضاع بين شكودر حيث تتجاور قبب الأجراس والمآذن، وكوكيس على الطريق الى كوسوفو، وكورسي التي تأذت من الحصار أثناء النزاع في مقدونيا، الى دوريس مرفأ الجمارك و"الترانزيت"، الى ألباسان المركز الصناعي السابق المدمر، الى فلوري التي تواجه البحر وكل أنواع التجارات غير الشرعية، الى ساراندي الباب التجاري على اليونان فالى تيرانا مركز السلطة...
ولكن كل شيء، بعيداً عن أجواء النكبة، هو في حالة غليان، في وضع متناقض مسدود الآفاق حيث يبدو كل شيء ممكناً. ويرى السيد ايدي راما، حاكم تيرانا ذو الشعبية الكبيرة أن "البانيا هي قطار من صنف اوروستار يسير بمحرك من صنع القرن التاسع عشر، وأن المجتمع هو نهر خرج عن مجراه وأن الطبقة السياسية، وبدلاً من أن تكون ضماناً يحول هذه الطاقة قوة، تقف عائقاً في وجهها متسببة بنزاعات قد تفضي الى الفوضى". ويأتي الواقع معبراً عن حقيقة هذه التحديات، حيث فورة في المبادرات والتشاطر من أجل تأمين العيش والصمود، فاذا بالطبقات الأرضية من الأبنية وبالأقبية تتحول مقاهي وحوانيت ومستودعات ومحترفات ومكاتب خدمات. وعلى الأرصفة يتجاور باعة الخضر وماسحو الأحذية وباعة الكستناء المشوي ويلوّح الصيارفة برزم المال والأولاد، الكثير من الأولاد، يبيعون الدخان أو أولئك الذين يقفون بجانب الموازين، يعرضون عليك أن يأخذوا وزنك، او بالقرب من أكشاك الهاتف يحتسبون كلفة التخابر بالوحدات. وهناك يبدو فندق روغنر من عالم آخر، فيه يلتقي الساسة والديبلوماسيون والمتاجرون والمافيوزيون.
أما مدير مؤسسة الدراسات المعاصرة والوزير السابق السيد جنك رولي فيرى أن "هناك اقتصاداً خاصاً لكنه لم يتحول بعد اقتصاد سوق" وفي هذا الاقتصاد ما هو سيئ وما هو جيد. فالأسوأ هو الاقتصاد غير الشرعي الذي يشكل 30 في المئة من الناتج الوطني، والأفضل هو الـ650 مليون دولار التي يرسلها الـ700000 مهاجر الى عائلاتهم، مما يشكل رئة اقتصادية فعلية لولاها لكانت ألبانيا في حالة من الضيق [4] . ويرى السينمائي والصحافي أرتورو زهجي في "حيوية هذا الشتات وقدرته على التكيف هوية جديدة لألبانيا". وهذا ما يوحي أجواء العصر الذهبي لـ"الرأسمالية" وقد شبهه أحد المسؤولين السياسيين بـ"حماسة الروك أند رول".
ولكن، كما يذكر أرتورو زهجي، فإن جميع العصور الذهبية تكون عابرة، ويرى أن "الألبان ظلوا شعباً ساذجاً، فهم بسهولة يتعلقون بأوهام ليتخلوا عنها في ما بعد بشكل مأسوي". فكيف يمكن التفاؤل في حين تنقطع المياه باستمرار؟ وكيف يتحقق التطور الصناعي عندما تنقطع الكهرباء يومياً؟ وكيف يضمن الأمن في بلد تخضع فيه أعمال الترانزيت للمافيات؟ وأي هوية يمكن إعادة تشكيلها إذا كانت الطريق التي كان ثمة رغبة في سلوكها للانضمام الى أوروبا، سوف تبقى مقفلة لجيل وحتى لجيلين أو ثلاثة؟
لذلك تبقى أعين الألبان مشدودة الى الخط الأزرق الأوروبي على خلفية الحلم الأميركي. ويعتبر رئيس الحكومة بانديلي ماجكو عملية الانضمام "هدفاً استراتيجياً في سياستنا الوطنية"، أما بالنسبة الى السيد جنك بولو، رئيس الحزب الديموقراطي الاصلاحي، فإن من "قدر الألبان أن يجدوا انفسهم في قارة يكون لهم فيها موقعهم". وهذا القدر الذي كان له ما يعاكسه يعود الى القرن الخامس عشر، في الحقبة التي كان فيها سكاندربغ، الذي لقبه البابا نيقولا الخامس "ألبطل المسيحي"، يستنجد بالبابوية وبالبندقية وبملك اسبانيا من اجل محاربة الأتراك، إنما دون جدوى، فعلى مدى خمسة قرون ظلت ألبانيا تابعة للأمبراطورية العثمانية.
ولا يزال سوء التفاهم هذا قائماً مع الألبان، فهم ليسوا ألمان ولا لاتين ولا سلافيين ولا يونانيين ولا أتراكاً، ولا تزال اوروبا الغربية تتجاهلهم حتى الآن (باستثناء إيطاليا). ومع ذلك فإن السيد ماركو بيللو، وزير الدولة للشؤون الأوروبية لا يزال يكرر متشبثاً بالفكرة: "يجب أن تكون ألبانيا مثل بقية أوروبا". ويجري تنفيذ الأمور كافة لخلق الوضع الموافق لما ورد في آلاف الصفحات من الوثائق الاتحادية. وهذا ما يعني أنه يجري إعداد المترجمين في الوزارات اكثر مما من إعداد الكفاءات. الا أن آفاق الحلم تبقى معتمة كما يقول الصحافي مصطفى نانو: "ليس هناك مشكلة في الانضمام، بل المشكلة هي في أننا نريد أن نصبح أوروبيين لكن أوروبا لا تريد أن تفهمنا".
وما يغيظ جماعة بروكسيل هو الطابع العشائري للسياسة الألبانية، إلا أن مصطفى نانو يوضح الأمر قائلاً: "لكلٍ في القرية هويته (أي وضعه الاجتماعي وموقعه في العشيرة)، ومن يفد الى العاصمة تيرانا، وأكثر الذي يهاجر، يجد نفسه من دون هوية". ومن هنا الحاجة في اللعبة السياسية كما في العلاقات الاجتماعية الى إعادة انتاج هذا النظام المألوف. وفي تاريخ دول البلقان الحديث ما يكفي من الأمثلة على أن بعض طرائق التفكير، حتى وإن جرى كبتها على مدى اجيال، لا تمحى بسهولة من الذاكرة. فبعكس القوانين، لا يمكن صب الناس في قوالب.
والانتقاد الآخر الموجه الى ألبانيا هو فقدان الحكم سلطته. وبالعودة الى رؤية السيد لوبونجا، فإن من أسباب ذلك "ان المسؤولين الذين نصبتهم أوروبا لا يمكنهم الخضوع الا لأوروبا". ومن نتائج هذا التدخل أن لعبة نفسية مأسوية تجري منذ اشهر، وذلك في سعي موهوم الى تأمين غالبية لانتخاب رئيس اجماع، شرط الا يكون لا رئيس الوزراء السابق فاتوس نانو، ولا منافسه سالي بيريشا.
ويرى السيد رمزي لاني، مدير مؤسسة وسائل الاعلام، أن هذا "هو ما حوّل المشهد السياسي متاهة". والجدل وهمي وفارغ نسبة الى اهتمامات الشعب الذي يعيده بكل وعي الى إطاره الطبيعي. فعندما يطرح السؤال "من سيكون الرئيس العتيد" يأتي جوابه :"اذهبوا واسألوا في السفارة الأميركية، هذا إذا لم يلفت الى الخيوط التي تمسك بها السيدة دوريس باك، صاحبة الكلمة في البرلمان الأوروبي للشؤون البلقانية، أو اليد الخفية للسيد رومانو برودي او أيضاً الى إيطاليا او اليونان. فعندما يكون مستقبل أي مسؤول سياسي رهين الرعاية الأجنبية أكثر من ناخبيه، فكيف يمكن إظهار السلطة؟ الا إذا جرى التمثل بديغول في رده على تشرشل: "أنا من الفقر بما لا يسمح لي بالانصياع".
ولا يمكن حل المشاكل بالكلاشنيكوف أو بالعصا، وهذا ما يعترف به الديبلوماسيون، والفضل في ذلك يعود الى السيد فاتوس نانو بعدما تولى السلطة في العام 1997. فقد بات هناك حرية فعلية في التعبير، وليس ذلك بسبب ظهور خمس عشرة صحيفة يومية "حرة لكن غير مستقلة"، بل لأن الناس يعبرون عن آرائهم بدون تحفظ ولأن النقاشات الفكرية ليست للاستعراض وحسب (فأوضاع الأزمة تساعد في فتح الافاق الفكرية). ومع ذلك فإن أوروبا تأخذ على ألبانيا نقصاً في تطبيق الديموقراطية.
فموقع المرأة وطريقة التعامل معها وخصوصاً في الأرياف، وضغط التقاليد البالية (لا يزال الثأر منتشراً في بعض المناطق)، ووضع مئات الآلاف من المتقاعدين الذين لا يستطيعون تأمين عيشهم من رواتب التقاعد، واضطرار الشباب الى الهجرة، وآفاق المستقبل المسدودة في البلاد، كل ذلك هو فعلاً من مظاهر النقص في الديموقراطية، لكن هل هذا هو المقصود بالنقص؟ كلا! فارتداد أوروبا الى الانشغال بالتزوير في الانتخابات النيابية في العام 2001 كان موضوع تقرير دائرة المؤسسات الديموقراطية وحقوق الانسان [5] .
والطبقة السياسية كلها تنتقد هذه المناورات الانتخابية التي يقول عنها رئيس الوزراء: "إن هذا يمس بالمفاهيم السياسية وبالحالات النفسية لأهل السلطة (و) ما يجري الحديث فيه في ألبانيا حالياً هو بالضبط مسألة انتقال السلطة، وليس لأننا نحن، الاشتراكيين، قد نجد أنفسنا خارجها، بل لأن الطريقة التي تتم بها عملية الانتقال والقدرة على تأمين هذا التحول هما البرهان على ترسيخ أحد أشكال الديموقراطية".
إنها مسألة مهمة بالتأكيد، لكن ما هي الأولوية بالنسبة الى الناس؟ هل هي الماء والكهرباء أم وضع نظام انتخابي للدائرة الرقم 60 [6] ؟ والحال أنه لا يمكن الا موافقة السيد رولي الذي يرى: "أن للطرف الدولي رؤية ايديولوجية خاصة عن الديموقراطية في المنطقة. فمن الصعب على الدول المانحة ان تفهم المشاكل الحقيقية للبلاد. فالتحدي الأساسي في دول البلقان هو بالتأكيد تدعيم مؤسسات الدولة، لكن حتى الآن هل أن سياسات التقارب مع أوروبا، وسياسات التنمية الاقتصادية قادت تلقائياً الى إضفاء الطابع الديموقراطي على المؤسسات؟ هذا ما لم يحدث، بل أرى العكس، ذاك ان الديموقراطية تأتي نتيجة مسار تنمية وليس شرطاً مسبقاً لها".
لقد اعتقدت السلطات الاشتراكية أنه يكفي تأمين الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج من أجل صنع الانسان الجديد، فيما تعتقد السلطات الليبيرالية أن توفير التعددية والانتخابات الحرة يكفي لاقامة الديموقراطية. ففي رأي السيد مصطفى نانو أنه "إذا اردنا تحقيق تقدم في فكرة الديموقراطية يجب تجاوز النموذج المفروض الذي لا يتلاءم لا مع البنى الاجتماعية ولا مع حالتها النفسية. وقد فرض صانعو السياسة الالبان والغربيون دستوراً، لكنه وضع ليوافق الذهنيات وأنماط التفكير الأجنبية. كما ان القانون الانتخابي هو أيضاً قانون مفروض لا يأخذ في الاعتبار الواقع السياسي الألباني". فالديموقراطية لا تستورد ولا تصدَّر، وهي لا تفرض بضربة عصا سحرية.
ولا يعترض الألبان على أي من هذه الانتقادات، لكن وكأنما في لعبة المرايا يعطي أحد الخبراء الغربيين رأياً قاسياً في الموضوع فيتساءل: أليست الشبكات واللوبيات التي تحكمنا هي صورة عن الذهنيات العشائرية التي تلام عليها الطبقة السياسية الألبانية؟ ألا تجد حكومات البلدان المتطورة التي حرمت بعض امتيازاتها نتيجة العولمة، صعوبة في ممارسة السلطة؟ ألم تكن انتخابات حاكمية باريس والرئاسة الأميركية موضوع اتهام بالتزوير في تقرير لدائرة المؤسسات الديموقراطية وحقوق الانسان؟ فهل نستطيع بذلك ان نعتبر أنفسنا نموذجيين؟
ويعاني الشعب الألباني من الفساد الذي يهلك المجتمع في أوساط السياسيين والموظفين والقضاة والأطباء الخ. فإضافة الى الرشوة هناك الجريمة المنظمة التي تفتت البلاد، وهذا ما يثور عليه السيد زهجي في قوله: "ليس مسموحا تصدير اللحوم البيضاء أو السوداء، ففي البانيا مشاكل صمود في الحياة اليومية وأولئك الذين يستفيدون من هذا الوضع هم من ابشع اصناف الاستغلاليين".
وهناك ثلاثة أسباب توضح لماذا تحولت ألبانيا قاعدة انطلاق للتجارات المافيوزية. هناك أولاً موقعها الجغرافي إذ هي تشكل مكان تقاطع للتجارات غير الشرعية، فتلعب دور الوسيط بين الشرق وروسيا وبين أوروبا الغربية عبر اليونان ومقدونيا وكوسوفو ثم بحر الأدرياتيك ومونتينيغرو والبوسنة. ثم هناك وضعها الاقتصادي، فالبؤس يوفر أرضية صالحة لنشوء الجريمة، ويكفي أن ننصت الى احد السياسيين وهو يرد بلغة خشبية: "عند منعطف التسعينات فقد الناس كل شيء ولم يكن لهم مستقبل، وكان البحر امامهم وهم يملكون المراكب فوجدوا الأمل في الضفة الأخرى، وعندما راحوا ينقلون المسافرين المتسللين كانوا بكل بساطة يخضعون لقانون العرض والطلب!". ثم جاءت في ما بعد بقية التجارات الممنوعة. أما السبب الثالث فهو أنها شكلت أرضية مؤاتية للمافيات الايطالية والسلافية واليونانية والتركية والكوسوفارية التي جاءت تستقر في هذا البلد المضطرب فوجدت فيه قوانين الشرف وقواعد الزعامة والعشائر، وهي الركائز الأساسية في عمل جميع المافيات.
وإزاء هذا التنامي المهزوز في الجريمة المنظمة البلقانية المرتبطة، بحسب السيد بيريشا، بأخطر المنظمات الاجرامية الأجنبية، المعززة بحسب السيد فاتمير ميديو رئيس الحزب الجمهوري، "بما بعد 11 أيلول/سبتمبر مع انكفاء شبكات المافيا والارهاب الى المناطق والدول غير المستقرة"، هل اتخذت الاجراءات المناسبة؟ فهناك 48 في المئة من البرنامج الأوروبي "كاردز" الخاص بألبانيا مخصص للمسائل القضائية والامن الداخلي (عملياً ضعف ما هو مخصص للتنمية الاقتصادية والاجتماعية).
وهذا مؤشر ذو اولوية لكن ألبانيا ليست سوى جزء في هذه المكافحة وتتطلب محاربة الجريمة المنظمة خوض حرب تتجاوز إطارها. وبما ان الخطوط البحرية يمكن اختراقها فمن المفترض قطع الطرق البرية المسلوكة في مجمل دول البلقان كما يجب ان تتوسع الحرب على صناعة الجريمة الى الدول المستهلكة. ويقول السيد رولي محذراً، أنه إذا لم يتم ذلك "فأنا لا أريد أن أبدو متنبئاً منذراً بالشؤم لكن إذا لم يكن هناك نية في خوض هذه الحرب، فلا يستبعد أن تتحول بعض الدول البلقانية مناطق تشبه أميركا اللاتينية حيث بعض الاتحادات المافيوزية تمسك بالسلطة. وسيكون الأمر خطيراً علينا لكن على أوروبا أيضاً وعلى الولايات المتحدة".
وفي هذه الحال فإن تشبيه الألبان، رمز الشر، بعرابي المافيا الدولية، يعتبره الشعب ظلامة، كما أبناء الشتات الذين يقعون ضحية هذه الصورة وكأنما الغرب هو في حاجة الى اصطناع عدو جديد.
وقد شهدت ألبانيا حركة تحول بطيئة جداً وسط أزمات داخلية عنيفة، وهي دفعت نصيبها من تفتت يوغوسلافيا السابقة. وبعدها، بحسب ما يستنتج السيد رولي "وبعيداً عن إمكان الحياة الاقتصادية لألبانيا، هناك تمايز مع بعض البلدان الأخرى في المنطقة، ومنها غياب عوامل مهمة من عوامل التنمية، فأولاً هناك الاستثمارات الأجنبية غير الكافية، ثم النقض في التنمية التكنولوجية، والحال أنه لا تنمية بدون التكنولوجيات الحديثة".
وهذا يفترض ان يكون للولايات المتحدة وأوروبا طموحات أبعد من ميثاق الاستقرار [7] ، الذي لم يكن سوى ذر للرماد في العيون مثيراً في الوقت نفسه تنافساً مريراً بين المتنفذين الجدد، وليتم التخلي عن أعمال التشخيص المضحكة للاقتصاد الليبيرالي: "فإعادة بناء قطاع الطاقة يجب أن تبقى أولوية بالنسبة الى السلطة، وليس من شأن عدم التطور في هذا المجال الا تأزيم الوضع، وسيلقي بثقله بقوة على التنمية الاقتصادية المستديمة في البلاد وسيفسد بالتالي عقد اتفاق مستقبلي حول الاستقرار والشراكة [8] .
وتلعب أوروبا بالتأكيد دور الممول، وحجم هذه المساعدة هو ذو اهمية لافتة هنا، لكن هل أن الخيارات الاقتصادية في دول البلقان هي الخيارات المناسبة وهل يصرف المال في الشكل الملائم؟ الجواب هو بالنفي، أقله في الوضع الألباني. فعلى تكاليف البعثات ومعاشات الموظفين والمشاريع التي لا تنفذ يمكن التعليق بالقول: "لو شرح للمساهمين الاوروبيين كيف توظف أموالهم في البلقان لكانوا ثاروا على الموضوع".
أما من جهة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فهناك بحسب السيد ميديو "نزعة الى الأخذ في الاعتبار المعطيات الاقتصادية الضخمة بشكل أساسي، وهذا ما لا يوحي استحساناً فعلياً للاقتصاد الألباني". فالحكوكات تطبق التعليمات الموصوفة في إطار التخطيطات الموضوعة للحظوة "بالنظرة الحسنة" من جانب السلطات الدولية. لكن في كل مكان منيت بالفشل جميع سياسات الاصلاح البنيوية التي طبقت على مدى خمسة عشر عاماً. فمتى تفوز الدول الصغرى بفرصتها لتقرر استراتيجيا التنمية الملائمة؟ والا فإن الحق مع القول القديم المأثور: "إن ثروات البلد ليست في الأرض بل في لقمة العيش، والارض التي لا تنتج تدفع الى الهروب منها".
وهذا ما يثير قلق السيد رولي: "مثل بقية دول الكتلة السوفياتية السابقة، فإن دول البلقان هي في مرحلة انتقال الى ما بعد الشيوعية، لكن في الدول البلقانية يضاف موضوع تحديث المجتمع واساليب التنمية. والحال، فحيث تبدو التنمية الاقتصادية ضرورية نحن نواجه، وفي كل دول البلقان، التخلي عن الصناعة والعودة الى الوضع الزراعي، وتدميراً لنوعية الرأسمال البشري كما أن مجتمعاتنا تفقد ميزتها أكثر مع ظاهرة هجرة الأدمغة المأسوية".
طالما جرى التذرع بالاسباب الداخلية لتفسير حالات التمزق البلقانية. لكن من الأنسب الاعتراف بفشل أوروبا والولايات المتحدة. فتيرانا ليست روما أو باريس أو لندن أو برلين، وما من تظاهرات تقوم فيها ضد الليبيرالية الاقتصادية ولا ضد القوى العظمى، لكن على الطريق ما بين الشرق والغرب حيث الحيز المشترك ما بين العالمين البيزنطي والمسيحي، وفي المنطقة التي شكلت الحدود الفاصلة بين الشرق والغرب، تبدو ألبانيا وكأنها اوروبا. وهي بأحلامها الجامحة وبحالات الكبت العظمى التي تواجهها تفتش عن مخرج من براثن الفتك في آلة العولمة.
[1] صحافي
[2] راجع:
… L'Albanie est toujours isolée î, LiAutre Journal, avril 1992
[3] راجع:
Ibrahim Warde, … De la Russie à liAlbanie, le vertige de liargent facile î, Le Monde diplomatique, avril 1997
[4] ما يعادل 60 في المئة من موازنة الدولة.
[5] تابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية.
[6] بدون تعديل نتائج الانتخابات يسمح للأحزاب الصغيرة المتحالفة مع الاشتراكيين بالوصول الى البرلمان.
[7] ميثاق الاستقرار، الذي أعلن في 10 حزيران/يونيو عام 1999، غداة انتهاء حرب كوسوفو، يدعي الاقرار بأن يأخذ الاتحاد الأوروبي في الاعتبار حاجات دول البلقان، وفي درجة اولى تلك التي تعاونت معه خلال الأزمة.
[8] تقرير اللجنة الى المجلس في 6/6/2001.
|
http://www.mondiploar.com/ |