طبع المقال
تحميل المقال

الخلل حياته طويلة

فرنسوا برون*
Francois BRUNE

في عالمنا المثالي تتكاثر ظواهر "الخلل". لكن لِمَ نتباكى، فالاقتصاد الغربي يبرهن من خلال انحرافاته بالذات انه على طريق التقدم التي لا رجوع عنها وعلى كل المستويات...

هل حاسوبك يعاني الكبح؟ "خلل بسيط، يقول الاختصاصي، انه امر طبيعي". ها انت مطمئن الى ان الخطأ الخاص برهان على حسن انتظام الكل.

آخر نماذج صاروخ "آريان" يخطئ انطلاقته. العيب في المحرك ام في المكوّنات الالكترونية؟ ام انه خطأ بشري؟ انه "الخلل". سيقوم التقنيون بالتحليل وسيجدون السبب ويمكن الانطلاق من جديد.

 نفق يشتعل. هندسة سيئة؟ ارتخاء في الرقابة؟ خفض في موازنة الصيانة؟ انه الخلل.

مصنع ينفجر. خلل. سيجري الخبراء تحقيقاتهم ويكتشفون السبب وتعود الامور الى نصابها.

خطأ في توقعات الطقس؟ الاوتوسترادات مغلقة بسبب تساقط الثلوج التي كان يمكن توقعها؟ خلل.

سجين مختل نفسيا يخنق موقوفا بريئا في احدى الزنزانات؟ انه "خلل" في نظام السجون (اواخر كانون الثاني/يناير2000).

من الصعب الاحاطة بسر اختفاء بعض الاشخاص في مقاطعة ايون الفرنسية. الامر مؤسف لكنه ليس في النهاية سوى خلل في عمل العدالة.

ناقلتا النفط "ايريكا" ومن بعدها "برستيج" تغرقان وتفرغان حمولتهما. خلل! لكنه خلل استثنائي. ألم يتم ابلاغ بروكسيل؟ تقول ان الحادث ما كان يجب ان يقع؟ طبعا، لكن حصل نوع من الخلل. فالمفوضية الاوروبية اصيبت على طريقتها بنوع من الانكباح كما يحصل للحواسيب. اطمئنوا لن يحصل ذلك بعد اليوم!

في السنوات الاخيرة تجمعت فقاعات مالية مضرة جدا في اسواق الاسهم. انه خلل بالطبع. وما القول في فضائح انرون وورلدكوم؟ خلل! يوضح تييري بروتون [2] قائلا: "نسينا الاساس"، ومنه يأتي الحل المضيء: نخرج من مأزق الرأسمالية بالمزيد من الرأسمالية [3] .

هل عانت الديموقراطية من سلوك بعض الاحزاب؟ انه خلل. وتستخدم احيانا عبارة "قصور" الاكثر تقنية. "قصور في الديموقراطية" تسبب في فشل ليونيل جوسبان في نيسان ـ ابريل 2002... اضافة الى بعض ظواهر "الخلل" المتمثلة في الوزير كلود اليغر مثلا او في قضية معمل "ميشلان". لكن الأمر بالطبع لا يرتبط بالوضعين الاقتصادي او الاجتماعي.

يمكن ابداء ثلاث ملاحظات حول هذه القائمة المتجددة يوميا:

- ان استخدام تعبير "الخلل" يركز الانتباه على قصور جزئي في نظام شامل كأنه الاستثناء الذي يثبت القاعدة. فمهما بلغ حجم الكارثة يصار الى ابراز خطأ صغير، ولا يقلق احد من كون انظمة تكنولوجية واسعة وذات قدرة عملانية تامة ترتهن لغلطة بالغة الصغر تمثل عقب اخيل المنمنم. يعلن "الخلل" ويستمر التقدم على الطريق الملكية لهذه الآلية الهشة والمعقدة، والويل لغير الواقعيين من امثال المفكر ايفان ايليتش الذين يجرؤون على تجريم النظام في مجمله. يوم تحطمت طائرة "ايرباص 320" فوق جبل سان اوديل بالقرب من مدينة ستراسبورغ قبل عشر سنين، هتف احد المعلقين قائلا: "لماذا عند كل حادث نتراجع الى حد محاكمة الحداثة؟ فالحادث العابر كالقصور التقني في طائرة معقدة يجب الاّ يعيد النظر في رحلة التقدم". حادث عابر... قصور تقني... تقدم لا رجعة عنه... ان انحرافات الحداثة "خير برهان" على جودتها!

- هل من افراط في التفسير؟ كلا: فمنطق المفارقة في صلب اللغة نفسها عندما نحلل معنى التعبير بالفرنسية  اي dysfonctionnement الذي يفترض الاقرار بقيمة النظام وحسن سير العمل فيه (كالنظام الهضمي او العصبي في جسم الانسان مثلا) والشكوى من عطل عابر فيه فقط. لكن الامر يتحول الى تلاعب سياسي عندما ننقل العبارة نفسها الى كل الوقائع التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحتى العسكرية [4] . فالانحراف يشرّع طبيعة النظام ووظيفته فيما تستخدم التورية للتأشير الى اضطراباته من دون تعيين المسؤولين عنها. فتصبح كلمة خلل dysfonctionnement  خير مبرر للمنطق الوظائفي واخطائه الآتية والتلقيح المسبق ضدها.

ـ"اللقاح"، تلك هي بالتحديد الاستعارة التي يقول رولان بارت انها تؤدي الى الاقرار ببعض الاخطاء العرضية من اجل فرض المبدأ الشرير. وهي استعارة عصية على التفكيك لا سيما  ان كلمة dysfonctionnement   الطويلة والمعقدة والفصيحة تحوي في حد ذاتها السبب لما يشتكى منه. فالخبير الذي يستخدمها يعطي الانطباع بأنه يسيطر على الاوضاع، فالرأي العام الذي يقع تحت رهبة العبارة او الصحافي الذي يفتقر الى الحجج لا يملكون الوقت الكافي لتجريم "منطق" النظام الذي اصيب بالخلل.  اذ يتم ابهارهم بسبب تقني يمنعهم من البحث عن السبب الاصلي. فالتركيز على الـ"كيف؟" يمنع بروز الـ"لماذا؟". وفي كل الحالات وخلف ستار البلاغة تحوم الايديولوجيا الوظائفية المطلقة الحضور والضامنة لوهم التقدم. وكما برهن على ذلك جاك ايللول في كتابه "النظام التقنوي"  Le Système technician  . [5] فالقاعدة هي "مجابهة انحرافات النظام بحلول تقنية تفاقم من انحراف النظام". فالافراط في التقنية يولد احتمالات لا متناهية لما سيقال انه "خلل" وسوف تقدم له ايضا حلولا معقدة تزيد من مضار النظام. فنصل الى النقطة الدراماتيكية التي لم يعد في الامكان عندها التراجع عن الحلول التقنية. امثلة؟

الشاحنات تكتسح الانفاق والاوتوسترادات، فالمطلوب من اجل تخفيف الحركة وعدم تلويث بعض الاودية ان يصار الى تنظيم الحركة وتحديدها، لا بل الى خفضها تدريجا. فالمطلوب اعادة النظر جذريا في التوسع المجنون للنقل البري بسبب ما يحدثه من دفق يصعب تصريفه... ماذا نفعل بدل ذلك؟ نفتح طرقا جديدة ونحفر انفاقا مكلفة ونشجع جنون النظام ونحن تعتقد اننا نداوي بعض "خلل" اصابه.

نشتكي من العنف في الاعلام خاصة على شاشات التلفزة. فالمطلوب التنظيم والتشجيع على المنع. المطلوب المحاربة الجذرية لارهاب نسبة المشاهدة التي ترهن المحطات بشكل مطلق الى شركات الاعلانات. بدل ذلك نلوّح بتدابير تحدّ من الحرية ونطالب بسذاجة ان يقوم الاهل غير المؤهلين بتربية الاولاد وقد نصل قريبا الى الحل الذي تم تخيله منذ سنوات، اي اللجؤ الى البرغوث الالكتروني الذي يغلق بالشيفرة على المشاهد التي تثير الصدمة. هل حلت المشكلة؟

شواطئنا متسخة من النفط، فهل نوقف حرية انتقال الذهب الاسود الذي يروي اقتصادنا؟ الحل تقني في طبيعة الحال وها قد ظهر! باخرة تشفط الماء تقوم بابتلاع طبقات الفيول الطافية على وجه البحر. باخرة تشرب البحر! من صنع شركة الستوم. تعمل على النفط وربما على البترول الذي تشفطه... ستخلق فرصا للعمل اذا ما انتج منها الكثير وبيعت في السوق العالمية!

لا نيأس من فشل "التنمية" في بلدان صنِّفت "نامية" وذلك بالرغم من المساعدة التي يقدمها مهندسونا ومنظماتنا غير الحكومية وقروضنا... والاستثمارات المشروعة اخلاقيا التي تقوم بها شركاتنا من دون هاجس الربح. ما العمل؟ هل نعيد النظر في نماذج التنمية التي سوّقناها لديهم على انها الافضل؟ ابدا. بما انه تبين ان اشكال المساعدة التي قدمناها حتى الآن سريعة الزوال فسنقترح عليهم تنمية "مستدامة" تطيل عمر افلاس اقتصاداتهم وتطيل عمر النموذج [6] .

ينتابنا القلق من "حروب الخليج" المتكررة؟ اليست انواعا من الخلل البسيط في "السلام الاميركي" الذي يعمل بشكل رائع وفق مبدأ "اذا اردت السلام فحضِّر للحرب" [7] . الا اذا كان السلام الذي يكبح منطق الحروب يبدو كخلل رئيسي في طريق انتشار "طريقة الحياة" الاميركية البريء...

وفي فرنسا نشهد مسلسلا متتاليا من الخطط الاجتماعية. تقولون ان هذا خلل؟ ابدا. كان حكامنا يريدون تكذيب تحليلنا الصائب هذا فيسارعون الى استخدام العبارة السحرية اكثر من اي وقت مضى. ماذا يحدث اذن؟ الخطط الاجتماعية لا تمثل خللا بل هي الاشارة الى الاقتصاد الليبيرالي الذي يركض وهو في صحة جيدة تحت ضربات سوط العولمة السعيدة...

ما يدفعنا الى الحلم... بخلل جيد!



[1] من مؤلفاته

  Les medias pensent comme moi, LHarmattan, Paris 1997.

[2] الكلمة تتكرر في الصفحة 11 من عدد صحيفة لوموند بتاريخ ٣٢/٧/2002 .

[3] يكتب سيرج حليمي في لوموند ديبلوماتيك عدد ايلول/سبتمبر 2002 الملاحظة الصائبة التالية: ""علاج السوق لازمة السوق" اي تعزيز المنطق التجاري المسبب للازمة التجارية!

[4] في افغانستان سحقت طائرات ب 52 جنودا اميركيين. خلل... كذلك في العراق حيث تظهر عبارة "النيران الصديقة" ان الخلل بات جزءاً من النظام.

[5] Calman-Levy, Paris, 1977, livre épuisé

[6] Défaire le développement, Refaire le monde, La Ligne d'Horizon, Parangon, 2003

[7] ألم تقل السيدة مادلين اولبرايت من اجل تسريع التدخل الاميركي في كوسوفو: "لماذ نقتني هذا الجيش الرائع اذا كنا لن نستخدمه ابدا؟".

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 20031© , العالم الدبلوماسي و مفهوم