طبع المقال
تحميل المقال

من نظام الحماية الى التبادل التجاري الحر

ها-جون تشانغ*
HA-JOON CHANG

  في العقدين الأخيرين نجح دعاة التبادل الحر في تحقيق انتصارات مهمة. فمنذ أن نشأت أزمة الدين في العام 1982 وقام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بفرض برامج تصحيحية بنيوية عمدت دول كثيرة الى تحرير تجارتها. وجاء انهيار الشيوعية في العام 1991 ليفتح مجالات واسعة للتبادل الحر. وفي تسعينات القرن الماضي وقّع العديد من المعاهدات الاقليمية المهمة ومنها معاهدة التبادل الحر لأميركا الشمالية (الينا) التي ضمت كلاً من كندا والولايات المتحدة والمكسيك. وتتويجاً لذلك كله كانت مفاوضات دورة الأوروغواي حول المعاهدة العامة الخاصة بالرسوم الجمركية والتجارية (الغات) والتي أقرت في مراكش في العام 1994 وأفضت الى إنشاء منظمة التجارة العالمية في العام 1995. وحتى الآن لم تكتسب هذه المنظمة صفة الاتفاق المتكامل حول التبادل الحر لكنها تمكنت من قلب النظام التجاري العالمي الى جهة التبادل الحر عبر خفضها بشكل ملموس الرسوم الجمركية ومنعها تقديم المساعدات لقطاع التجارة.

ومع أن النجاحات المتحققة كبيرة جداً الا أن دعاة التبادل الحر لم يكتفوا. فهم داخل منظمة التجارة العالمية، وفي مقدمهم ممثلو الدول المتطورة، مستمرون في ممارسة الضغوط من أجل خفض الرسوم الجمركية بشكل أكبر وأسرع ومن أجل توسيع صلاحيات هذه المنظمة لتطاول مجالات لم ترد في مهماتها الأساسية كالاستثمار في الخارج والمنافسة مثلاً. وفي مجال المعاهدات الاقليمية ترتسم في الآفاق خطوط منطقة تبادل حر تغطي عملياً كامل القسم الغربي من الكرة الأرضية، أي منطقة التبادل الحر لدول القارة الأميركية ( ZLEA).

ويعتقد دعاة التبادل الحر أنهم في مسيرتهم يواكبون حركة التاريخ. ففي رأيهم أن سياستهم هذه هي في أساس غنى الدول المتطورة، ومن هنا انتقاداتهم للدول النامية التي ترفض التكيف مع أطروحاتهم المثبتة، مع أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، فالوقائع التاريخية دامغة إذ عندما كانت الدول المتطورة حالياً في طور النمو  لم تعتمد عملياً أياً من السياسات التي تبشر بها الآن. وما من مكان تنكشف فيه الهوة بين الوهم والحقيقة التاريخية بشكل فاضح كما في حالة بريطانيا والولايات المتحدة.

ولو بدأنا ببريطانيا فانها لم تكن في أي حال نموذجاً للتبادل الحر الذي طالما ذكر. بل أنها وبالعكس تماماً ابتكرت سياسات توجيهية بغية حماية صناعاتها الاستراتيجية وتطويرها. وهذا النوع من السياسات، وإن في حجم محدود يعود الى القرن الرابع عشر (مع الملك ادوار الثالث) والقرن الخامس عشر (مع الملك هنري السابع)  في ما يتعلق بالصناعة الأهم في تلك العصور، أي صناعة الصوف. كان هذا البلد يصدّر في ذلك الحين الخيوط الخام الى هولندا، وهو وضعٌ جهد الملوك كي يغيّروه وفي نوع خاص باتخاذ تدابير لحماية الصناعات الوطنية، عبر فرض الضرائب على صادرات الصوف الخام وعبر تنظيم "هجرة" العمال الهولنديين المؤهلين الى بريطانيا العظمى [2] .

فما بين العام 1721، تاريخ عملية الاصلاح التجاري التي قام بها السيد روبرت وولبول، أول رئيس وزراء بريطاني، وبين إلغاء القانون الخاص بالقمح في العام 1846، مارست المملكة سياسة تجارية إرادوية بامتياز، إذ إنها خلال هذه الحقبة لجأت بقوة الى الحماية الجمركية والى خفض الرسوم على كل النشاطات الضرورية للتصدير والى رقابة الدولة على  نوعية الصادرات، أي كل الاجراءات التي تنطبق اليوم بشكل عام على اليابان وعلى سائر دول شرق آسيا. والحقيقة التاريخية المجهولة الى حدٍ ما هي أنه خلال كل تلك الحقبة عمدت بريطانيا الى حماية صناعاتها أكثر من كل الدول الأوروبية الأخرى ومن ضمنها فرنسا المفترض أن تشكل النموذج المعاكس "التوجيهي".

وقد قامت بريطانيا بخطوتها الحاسمة، وإن غير كاملة، في اتجاه التبادل الحر مع إلغاء القوانين الخاصة بالقمح في العام 1846 [3] وغالباً ما يعتبر هذا الاجراء انتصاراً أخيراً للسياسة الليبيرالية الكلاسيكية على المركنتيلية المحدودة. غير أن بعض المؤرخين المتخصصين بهذه الحقبة يرون في ذلك بالأحرى عملاً من نوع "الامبريالية ذات الطابع التبادلي الحر" الهدف منها "وقف تطور التحول الصناعي في القارة عبر توسيع سوق المنتجات الزراعية والمواد الأولية" [4] . وعلى كل حال، تلك كانت الحجة التي يروجها في تلك الحقبة الناطقون الرئيسيون باسم "رابطة معارضي قوانين الحبوب" وبنوع خاص النائب روبرت كوبدن.

باختصار، وبعكس الأفكار المكونة، فإن تقدم بريطانيا التكنولوجي الذي سمح لها بالتحول الى نظام التبادل الحر، قد تحقق "في ظل القيود الضرائبية المرتفعة والتي ظلت تطبق لفترة طويلة" بحسب ما كتب المؤرخ الاقتصادي الكبير بول بايروك [5] . ولهذا السبب فإن "فريدريتش ليست"، عالم الاقتصاد الألماني من القرن التاسع عشر والذي اعتبر عن خطأ صاحب التبريرات لصالح حماية "الصناعة في مهدها"، قد بيّن أن المواعظ البريطانية الداعية الى التبادل الحر تذكّر بذاك الذي ما إن يصل الى القمة حتى يرمي السلّم الى الأرض برفسة من رجله كي  يمنع الآخرين من اللحاق به.

وإذا كانت بريطانيا الدولة الأولى التي أطلقت وبنجاح استراتيجيا تنمية "صناعاتها في المهد" على مستوى واسع، فإن الولايات المتحدة "موطن نظام الحماية الحديث ومعقله" بحسب تعبير بول بايروك [6] ، هي التي تولت تبريرها بداية على يد الكسندر هاملتون، أول وزير خزانة في تاريخ البلاد (من العام 1789 الى العام 1795)، ومع عالم الاقتصاد المغمور الآن دانيال ريمون. أما فريدريتش ليست الذي تنسب اليه نظرية الحماية الحديثة هذه، فإنه في الواقع لم يأخذ علماً بها الا خلال منفاه في الولايات المتحدة في عشرينات القرن الثامن عشر. وهناك العديد من المفكرين والمسؤولين السياسيين الأميركيين في القرن التاسع عشر أدركوا تماماً أن التبادل الحر لم يكن ملائماً لبلادهم حتى وإن تعارض ذلك مع رأي كبار علماء الاقتصاد في تلك الحقبة من مثل آدم سميث وجان باتيست ساي، ممن كانوا يعتبرون أن الولايات المتحدة يجب ألا تحمي صناعاتها الحرفية، وإن مصلحتها الفعلية هي في التخصص في الزراعة.

وما بين العام 1830 ونهاية الحرب العالمية الثانية كان متوسط الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة على الواردات الصناعية من بين الأكثر ارتفاعاً في العالم. وإذا ما أضفنا اليه، أن هذا البلد قد استفاد أساساً من المستوى العالي في الحماية "الطبيعية" بفعل تكلفة أعمال النقل اليه حتى سبعينات القرن التاسع عشر يمكن القول ان الصناعة الأميركية قد تمتعت بأفضل حماية في العالم حتى العام 1945. أما قانون سموث-هولي الصادر في العام 1930 والمتعلق بالتعريفات الجمركية الجديدة فإنه لم يزد الا هامشياً من درجة سياسة حماية الاقتصاد. فهو جعل متوسط الرسوم الجمركية على البضائع الصناعية 48 في المئة، وهي نسبة تقع عند أقصى حد متوسط الرسوم الجمركية منذ الحرب الاهلية الاميركية، وإنما ضمن حدي الفارق القائمين، وفقط بالنسبة الى الفترة "الليبيرالية" المحدودة ما بين العامين 1913 و1929 يمكن اعتبار تعرفة العام 1930 بمثابة تعزيز لسياسة الحماية، في حين أن متوسط التعرفة قد زاد بنسبة 11 في المئة وحسب ليرتفع من 37 الى 48 في المئة.

وفي هذا السياق يجب التذكير بأن رهان الحرب الاهلية قام على قضية الرسوم الجمركية وعلى قضية العبيد على حد سواء، إن لم يكن أكثر. ومن بين هاتين القضيتين فإن مسألة الرسوم هي التي شكلت تهديداً أكبر للجنوب. فابراهيم لنكولن كان مؤيداً بارزاً لسياسة الحماية الاقتصادية وقد تدرج في ظل رجل السياسة هنري كلاي [7] المتميز بشخصيته، من حزب المحافظين المنافح عن "النظام الأميركي"، القائم على تنمية البنى التحتية وعلى سياسة الحماية، لكنه سمّي كذلك لأن التبادل الحر كان يناسب المصالح "البريطانية". أضف الى ذلك أنه كان يؤمن أن السود يشكلون عرقاً من المستوى الأدنى وأن الدعوة الى تحريرهم لم تكن سوى اقتراح مثالي لا مجال لتطبيقه في المدى المنظور.وقد بلغ به الأمر، في رده على افتتاحية إحدى الصحف التي كانت تدعو الى تحرير العبيد بشكل فوري، أنه كتب: "لو أمكنني إنقاذ الاتحاد من دون تحرير أي عبد لفعلت، ولو أمكنني إنقاذه بتحريرهم جميعاً لفعلت، ولو امكنني ذلك بتحرير بعضهم وإبقاء البعض الآخر على وضعهم لفعلت أيضاً" [8] . فـ"إعلان" تحرير العبيد الذي أصدره إذن في الأول من كانون الثاني/يناير عام 1863 لم يكن عن اقتناع أخلاقي بقدر ما كان وليد استراتيجيا هدفت الى كسب الحرب الأهلية.

ولم تعمد الولايات المتحدة الى تحرير مبادلاتها التجارية الا بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بعد أن تثبتت بشكل جازم من تفوقها الصناعي (ولكن في درجة أقل انكشافاً مما فعله البريطانيون في أواسط القرن التاسع عشر) وبدأت تعرض نفسها وتحمل راية التبادل الحر مضفية بدورها المصداقية على تشبيه ليست. وكان أوليس غرانت، بطل الحرب الانفصالية ورئيس الولايات المتحدة من العام 1868 الى العام 1876 قد استبق هذا التطور حين قال: "على مدى قرون اعتمدت انكلترا على  مبدأ الحماية ومارسته الى  أقصى الحدود وحققت به نتائج مرضية، وبعد عقدين من الزمن رأت أنه بات من الأنسب اعتماد مبدأ التبادل الحر لأنها ارتأت أنه لم يعد لمبدأ الحماية ما يقدمه. حسناً أيها السادة إن معرفتي ببلادي تحملني على الاعتقاد أنه بعد أقل من 200 سنة وحين تكون أميركا قد استنفدت ما أمكن من هذا المبدأ سوف تعتمد أيضاً مبدأ التبادل الحر" [9] .

وهذا ما يمكن استنتاجه أيضاً من تاريخ سائر الدول المتطورة. ففي حين أنها حاولت أن تعوض من تأخرها عن الدول المتقدمة عليها، فإنها عملياً لجأت كلها الى الرسوم الجمركية وسياسة الدعم وسائر الوسائل السياسية من أجل تطوير صناعاتها. وإنه لمن المؤلم اللفت الى أن الدولتين العظميين الانكلوسكسونيتين، المفترض بهما أن تكونا حصن التبادل الحر، وليس فرنسا وألمانيا واليابان، أي الدول المعتبرة متمسكة بسياسة التدخل الحكومية، هاتين الدولتين هما أكثر من استخدم بشكل عدائي مبدأ الحماية بواسطة فرض الرسوم. فخلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كانت الرسوم الجمركية ضعيفة نسبياً في فرنسا وألمانيا (ما بين 15 و20 في المئة) فيما هي حددت في اليابان عند سقف الـ5 في المئة حتى العام 1911 وبذلك بفعل المعاهدات الجائرة. وفي الحقبة نفسها كان متوسط الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية في الولايات المتحدة وبريطانيا يراوح ما بين 40 و50 في المئة...

والاستثناءان الوحيدان على هذا النموذج التاريخي هما سويسرا وهولندا. وهما على كل حال، بلدان كانا قد دخلا طور التطور الصناعي منذ القرن الثامن عشر مما جعلهما في غنى عن سياسة حماية متشددة. وما يجب معرفته أيضاً أن هولندا قد أقامت شبكة ضخمة من الاجراءات التدخلية حتى القرن السابع عشر بغية بناء قوة تجارية وبحرية. أما سويسرا فلم تضع تشريعات تتعلق ببراءات الاختراع قبل العام 1907، وهذا ما يسفّه الأهمية التي يوليها المتشددون الحاليون لمبدأ الحماية الفكرية. ومن الدلالات الأهم أن هولندا قد ألغت في العام 1869 قانونها العائد الى العام 1817 المتعلق بالبراءات بذريعة أن هذه البراءات تشكل احتكارات تقيمها الدولة وهي بالتالي تتناقض مع مبدأ السوق الحرة، ويبدو أن هذا التحليل قد فات اقتصاديي التبادل الحر الذين يدعمون "الاتفاق المتعلق بأشكال حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالتجارة (أدبيك Adpic أو تريبس Trips بالانكليزية) الذي وضعته منظمة التجارة العالمية. وقد انتظرت هولندا حتى العام 1912 كي تضع تشريعاً خاصاً ببراءات الاختراع.

وإذا كانت أشكال الحماية الضرائبية قد شكلت مقوماً أساسياً في استراتيجيات تطور العديد من الدول لكن هذا لا يجعلها العنصر الوحيد ولا بالضرورة الأهم. فقد استخدمت من أجل ذلك وسائل أخرى عديدة مثل دعم الصادرات وخفض الرسوم الجمركية على الواردات الضرورية للصادرات ومنح حقوق الاحتكار واتحاد الشركات (كارتل) والاعتمادات المحدودة والتخطيط للاستثمارات ودفق اليد العاملة ودعم الأبحاث الخاصة بالتنمية وتطوير المؤسسات المشجعة على الشراكة بين القطاعين الرسمي والخاص الخ. وهناك اعتقاد بأن كل هذه الاجراءات هي من اختراع اليابان أو دول شرق آسيا بعد الحرب العالمية الثانية في حين أن الكثير منها يعود الى زمن أبعد بكثير.وأخيراً فإن الدول المتطورة، حتى وإن تكن قد اشتركت في المبادئ الأساسية نفسها، قد نظمت بطرق متنوعة جداً الأدوات الخاصة بالسياسة التجارية والسياسة الصناعية، فبعكس ما يظن معظم اقتصاديي التبادل الحر ليس هناك نموذج موحد للتنمية الصناعية.

وإن كان هناك عدد قليل جداً منهم مطلعاً على ماضي سياسة الحماية في الدول المتطورة اليوم يعترف بأنه كان لهذه السياسة ربما بعض النتائج الإيجابية (مشددين على أنها قليلة جداً) الا أنهم يعتبرون أنها في عالمنا الشمولي هذا سوف تكون مضرة. فهم يؤكدون أن غلبة مبدأ التبادل الحر قد تبينت بشكل واضح عبر النمو القياسي خلال العقدين الأخيرين حيث تم تحرير المبادلات، فيرون أن هذا النمو قد فاق نمو العقود السابقة حيث نظام الحماية كان هو القاعدة في الدول النامية. لكن لسوء حظهم فإن الوقائع تقول اموراً مختلفة تماماً.

فلو ان سياسة التبادل الحر كانت فعالة لكان على النمو الاقتصادي أن يتسارع خلال السنوات العشرين الأخيرة نظراً لاجراءات تحرير المبادلات التجارية. والحال، فإن الوقائع تتكلم، فخلال "الأيام الصعبة" في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، أي عندما كان هناك المزيد من أشكال الحماية وسائر القيود، كان الاقتصاد العالمي يتطور بسرعة أكبر من اليوم. ففي تلك "الأيام السعيدة المنصرمة" كان دخل الفرد عالمياً ينمو بنسبة 3 في المئة تقريباً مقابل 2.3 في المئة فقط في العقدين الأخيرين. وفي الدول المتطورة تراجع نمو دخل الفرد من 3.2 الى 2.2 في المئة وذلك من الأعوام 1960 ــ 1980 الى 1980 ــ 1999، بينما تراجعت بنسبة النصف (من 3 الى 1.5 في المئة) في الدول النامية. ولكان هذا المعدل انخفض بنسبة أكبر خلال الحقبة الأخيرة هذه لولا التروي الشديد من الصين والهند وهما الدولتان اللتان لم تستجيبا مطلقاً الوصفات الليبيرالية.

أضف الى ذلك أن متوسط معدل النمو لا يمكنه أن يعكس حجم الأزمة التي عصفت بالعديد من الدول النامية في العقدين الأخيرين. فخلال هذه السنوات كان مستوى نمو دخل الفرد منعدماً عملياً في أميركا اللاتينية إذ وصل الى 0.6 في المئة مقابل 3.1 في المئة ما بين العامين 1960 و1980. والتقهقر نفسه شهده الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية (أقل من 0.2 في المئة سنوياً) وفي جنوب الصحراء الافريقية (أقل من 0.7 في المئة سنوياً مقابل 2.5 و2 في المئة على التوالي ما بين العام 1960 و1980). أما الدول الشيوعية السابقة فإنها منذ بداية تحولها الى الرأسمالية شهد معظمها أقسى انخفاض في مستوى المعيشة في التاريخ الحديث.

في اختصار لقد تبين بكل بساطة أن التجربة النيوليبيرالية في العقدين الأخيرين عجزت عن الايفاء بوعدها الرئيسي أي تسارع النمو الذي باسمه طلب الينا أن نضحي بكل ما تبقى من مجرد المساواة الى البيئة. وبالرغم من هذا الفشل البائس فان العقيدة النيوليبيرالية حول فضائل التبادل الحر تستمر في فرض نفسها بفضل جهاز اقتصادي-سياسي-إيديولوجي ليس هناك ما يضاهيه في حجمه وسلطته من الفاتيكان الى العصور الوسطى.

فالنيوليبيراليون، بما لهم من سلطان على حكومات الدول الأكثر نفوذاً، وفي درجة أولى الولايات المتحدة وبريطانيا، باتوا قادرين على التأثير على البرامج السياسية للمؤسسات المتعددة الطرف وفي نوع خاص على "الثالوث الأقدس" المتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وهم، إذ يقيمون الصيف والشتاء تحت سقف واحد في وسائل الاعلام المهيمنة على العالم أجمع، قد تمكنوا من تجميل، وعند الضرورة إخفاء، المعلومات التي تضايقهم، وخصوصاً أرقام النمو المفجعة. وبما أنهم يشغلون مناصب نافذة في كليات الاقتصاد في الجامعات الأكثر شهرة في العالم فإنهم يحرصون على ألا يقبل فيها بأي عالم اقتصاد منشق كي لا يستفيد من النفوذ الذي يمنحه إياه ذلك.

وفي الدول النامية يشتد الخناق النيوليبيرالي أكثر فأكثر. فالعديد من الحكومات تجد نفسها مجبرة على تطبيق سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدول المانحة الرئيسية التي لا مفر من الحاجة الى دعمها المالي، حتى وإن لم يكن من شأن هذه السياسات إلا تأبيد أزمة التنمية عند أصولها الارتهانية. وما يجب قوله هو أنها تخدم أيضاً مصالح النافذين المحليين أي مصدّري المنتجات الأساسية ومقدّمي الخدمات المهنية. أما اقتراحات السياسات البديلة فقد باتت نادرة أكثر فأكثر إذ ان المفكرين لا يتمتعون بالثقة الكافية بأنفسهم من أجل رفض هذا التشدد، كما أن بعضهم وصل بهم الأمر الى الارتداد الى المعسكر الآخر، وليس في الأمر ما يفاجئ عندما نعلم أن بدل الاستشارة لصالح صندوق النقد الدولي أو للبنك الدولي يعادل أجور سنوات في جامعات معظم الدول النامية.

ولأن النيوليبيراليين بسيطرون على البرامج السياسية والفكرية فإنهم يتمتعون بالخيار الواسع كي يسقطوا أولئك الذين ينتقدونهم الى صفوف المائعين الجبناء المرتعبين من فكرة التسبب بحالات اللامساواة على المدى القصير إنما الكفيلة تأمين الثروة الكبرى للجميع على المدى البعيد. هذا إذا لم يتهموهم بالجهلة الاقتصاديين العاجزين عن فهم مجريات الأمور... وبهذه الطريقة يتم تفادي أي بحث جدي ويتم بشكل منتظم تجاهل المنشقين مما يعزز الهيمنة الليبيرالية.

وضمن هذه الشروط، ما هو مستقبل مبدأ التبادل الحر؟ فبعكس ما يدّعي أنصاره هناك أسباب نظرية بالغة الأهمية تحمل على الاعتقاد ان حرية المبادلات بين الدول ذات مستويات الانتاج المتفاوتة جداً يمكنها، على المدى القصير، إفادة الأكثر فقراً منها عبر فتح مجالات جديدة لصادراتها لكنها في الوقت نفسه ترهن نموها على المدى الطويل عبر محاصرتها في إطار أعمال ذات إنتاجية ضئيلة. وهذا ما فهمه تماماً أصحاب القرار السياسي في الدول التي أرادت اللحاق بالدول الأكثر تطوراً منها، من روبرت وولبول الى ألكسندر هاملتون في القرن الثامن عشر الى البيروقراطيين اليابانيين والكوريين في ستينات القرن الماضي وسبعيناته عندما رفضوا خيار التبادل الحر.

إن اتفاقات التبادل الحر التي تلزم دولاً ذات مستويات انتاجية مختلفة وذات فوارق كبيرة جداً، محكومة بالفشل عند حد معين لأن الدول الفقيرة سوف تدرك أن حركة النمو لم تتحقق فيها. أما المعاهدات المعقودة بين دول ذات مستويات نمو متقاربة مثل دول المركوسور في أميركا الجنوبية وتجمع دول جنوب شرق آسيا [10] ، واعضاؤها في معظمهم هم من الدول النامية، فإن أمامها فرص نجاح اكبر من مشروع منطقة التبادل الحر لدول  القارة الأميركية (ZLEA) التي يصر السيد جورج بوش على تنفيذه في مطلق الأحوال. ففريدريتش ليست لم يكن يجد أي تناقض بين دعمه الاتحاد الجمركي الألماني (زولفراينZollverein ) وتأييده حماية "الصناعات في مهدها" لأنه اعتبر أن الدول الألمانية كانت ذات مستويات نمو متقاربة بالشكل الكافي.

اما الطريقة الوحيدة الصالحة لعمل منطقة تبادل حر بين الدول ذات مستويات النمو المتفاوتة جداً فهي عملية التكامل من نمط الاتحاد الأوروبي التي تتضمن آليات تحويل من الدول الأكثر غنى الى الدول الأكثر فقراً، وتدفق اليد العاملة من الدول الفقيرة هذه الى المناطق الأكثر تطوراً. وليس هذا ممكناً في الحقيقة الا إذا كانت الاقتصادات الفقيرة هي لدول صغيرة وقليلة العدد بالنسبة الى الاقتصادات الغنية. وإن لم يكن الوضع على هذا الشكل فإن الأغنياء سيجدون الاتفاق مكلفاً جداً بالنسبة اليهم وهذا أساساً ما قد يجعل توسيع الاتحاد الأوروبي يتوقف عند حدود تركيا وأوكرانيا.

وحتى الآن لم تتخذ منظمة التجارة العالمية صيغة معاهدة تبادل حر متكاملة كونها تسمح ببعض أشكال الحماية لصناعات الدول النامية. ومع ذلك فإن الضغط متزايد من أجل خفض الرسوم وخصوصاً مع الافتراح الأميركي بالغائها كلها من الان وحتى العام 2015. وعلى أساس هذه الفرضية فإن احتمال الضرر من منظمة التجارة العالمية على نمو الدول الأكثر فقراً سوف يكون أكبر بكثير من ضرر منطقة التبادل الحر لأميركا الشمالية (الينا) او منطقة التبادل الحر للقارة الأميركية، إذ ان حالات التفاوت بين مستويات الانتاج فيها هي أوسع بكثير.

وعلى كل حال، فان منظمة التجارة العالمية تتمتع بصلاحيات اوسع بكثير من صلاحيات معاهدات التبادل الحر، إذ انها تهتم بموضوع الملكية الفكرية وبالأسواق العامة وبالاستثمارات. ومن هنا المخاطر التي ترهق بها كاهل حركة النمو في الدول الفقيرة. وبالرغم من هذا فإن معظم هذه الدول يرغب في الحفاظ على عضويته فيها، لأنه يرى فيها اهون الشرور كونها تسمح له بإسماع صوته في سيرورة النظام التجاري العالمي إذ ان كل دولة عضو تتمتع نظرياً بصوت. وهي تساعد هذه الدول في تأمين الحد الأدنى من الحماية في مواجهة الضغوط الثنائية بين الدول من اجل تحرير مبادلاتها الجارية مع الدول المتطورة وبشكل أساسي مع الولايات المتحدة.

وقد لا يدوم هذا الوضع نتيجة استياء الدول النامية من آلية العمل في منظمة التجارة العالمية، التي تدعي ظاهرياً "الديموقراطية" فيما وجهها عملياً مجموعة من المنتفعين (الاوليغارشيين) من الدول الغنية. ليس فقط لأن هؤلاء يتمتعون بسلطة تسمح لهم بتملق أو بتهديد الأكثر ضعفاً، وهي حالة الوضع الكلاسيكي في الديموقراطية المتشكلة من فعاليات ذات اوزان متفاوتة. فالمشكلة تكمن في أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء إنقاذ ماء الوجه كما يتبين من الاجتماعات المسماة اجتماعات "الصالون الأخضر" التي لا يدعى الى الاجتماع فيها ممثلو الدول النامية والتي لا يسمح لهم بالدخول اليها إذا ما حاولوا ذلك! وهذا ما يسمح باعتماد الأولويات السياسية الموجهة بكل فظاظة لصالح الاقتصادات الأكثر نفوذاً.

وإذا ما استمرت منظمة التجارة العالمية في حرمان الدول الفقيرة من أدوات تحقيق نموها فليس من المستبعد اطلاقاً ان تنفصل عنها بشكل جماعي. وبالعكس فإن في امكانها أن تحاول استخدام كامل الآليات الديموقراطية في المنظمة ساعية الى إعادة التفاوض على الثوابت الأساسية. وعلى افتراض أن هذا حدث، فان الدول الأكثر نفوذاً، وبنوع خاص الولايات المتحدة التي سلكت الطريق الاحادية في سياستها، قد تقرر الانفصال عن منظمة التجارة العالمية بدلاً من المخاطرة بالانهزام في أي عملية تصويت. وفي كلتا الحالتين سينتهي أمر مبدأ التبادل الحر كما عهدناه، وليس بالضرورة ان يؤسف عليه كون نتائجه خلال العقدين الأخيرين هي مما يرثى له.



[1] أستاذ في كلية الاقتصاد والسياسة في جامعة كمبريدج (بريطانيا). مؤلف كتاب:

 Kicking Away the Ladder. Development Strategy in Historical Perspective, Anthem Press, Londres, 2002 (Prix Gunnar Myrdal 2003

[2] في كتابه المنسي تقريباً تحت عنوان: A Plan of the English Commerce (1728) يبين دانيال ديفو، صاحب كتاب "روبنسون كروزويه"، كيف أن سلالة تودور الملكية، وبنوع خاص هنري السابع 1485 ــ 1509 واليزابيت الأولى +1558 ــ 1603 قد امنت بتدخل متعمد من الدولة، لبريطانيا، التي طالما كانت مرتهنة لصادراتها من الخيوط الخام الى هولندا، أكبر صناعة أصواف في العالم.

[3] هذه القوانين التي اقرها في العام 1815 برلمان كان خاضعاً للاربستوقراطية العقارية وبالرغم من معارضة الصناعيين والبورجوازية المدينية، فرضت تعريفات جمركية مرتفعة جداً على واردات القمح في القارة.

[4] المرجع:

Charles Kindleberger, "Germany's Overtaking of England, 1806 to 1914", in Economic Response : Comparative Studies in Trade, Finance and Growth, Harvard University Press, Cambridge, Massachusets, 1978

[5] المرجع:

 Paul Bairoch, Mythes et paradoxes de l'histoire économique, La Découverte, Paris, 1995.

[6] المرجع السابق.

[7] كان هنري كلاي أيضاً أحد زعماء "جمعية الاستعمار الأميركي  American Colonization Society

[8] John Garraty et Mark Carnes, The American Nation. A History of the United States, 10ème édition, Addison Wesley Longman, New-York, 2000.

[9] المرجع السابق

[10] المركوسور يضم الارجنتين والبرازيل والباراغواي والاورغواي كما ان اتفاقا للتبادل الحر يربط بين بروناي وكمبوديا واندونيسيا ولاوس وماليزيا وبورما والفيليبين وسنغفوره وتايلندا وفيتنام، ووحدها سنغافور تعد بلدا متطورا بينما ترتكز ثروة بروناي على النفط فقط.

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 20031© , العالم الدبلوماسي و مفهوم