طبع المقال
تحميل المقال

الولايات المتحدة مريضة بسجونها

ميغان كومفورت*
Megan COMFORT

>يعطى المحكومون في الولايات المتحدة عند خروجهم من السجن ما بين 2 و200 دولار "خرجيّة" تساعدهم في الانطلاق من جديد اضافة الى ثيابهم وتذكرة باص توصلهم الى المدينة حيث يفترض ان يقيموا. لكن العديدين منهم يغادرون المعتقل ومعهم متاع من نوع آخر: فمن اصل التسعة ملايين مفرج عنهم خلال العام 2002 كان 1،3 ملايين منهم يحملون فيروس التهاب الكبد، 137 الفا فيروس فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) و12 الفا يعانون مرض السل. هذه الارقام التي تعلنها اللجنة الوطنية للصحة في السجون تمثل على التوالي نسبة 29 و13  و17 و35 في المئة من العدد الاجمالي للاميركيين المصابين بهذه الامراض [2] . منذ سنوات والباحثون في شؤون الصحة العامة يدقون ناقوس الخطر: ان وباء الاعتقال الواسع النطاق الذي يطغى على البلاد من مطلع الثمانينات يترافق مع ظاهرة "حضانة الامراض" الواسعة الانتشار والمعدية التي تمثلها السجون.

>انها ارقام مذهلة لكن غير مفاجئة، فالعديد من اسباب الاعتقال كابتلاع المخدرات والدعارة او العنف كلها تؤدي الى نشر الامراض التي تنتقل بالجنس او الدم. وما يحدث ان اعتقالا روتينيا لاشخاص مصابين بصورة خطيرة او على طريق الاصابة يرمي بهم خلف القضبان حيث تستمر مخاطر تعرضهم للامراض لكن هذه المرة من دون ادنى حماية يمكن ان تتوافر لهم في الخارج. وبما ان العلاقات المثلية الجنسية والمخدرات والعنف مخالفة لقانون السجون فإن المعدات المرتبطة بهذه الممارسات كالحقن ومحلول التنظيف والواقي الذكري او الاسلحة، كلها مخفية عن الرقابة وصولا الى ماء تنظيف المعدات الصعب المنال.

>والنتيجة قيام نظام شطارة من قبل المساجين يؤدي الى نقص في ادوات الحقن وبالتالي تعميم استخدام الحقن المرتجلة انطلاقا من عبوات الحبر او القش او اوتار الغيتار. وفي غياب الواقي الذكري تتم عادة العلاقات الجنسية الطوعية او القسرية من دون حماية. اما الوشم وثقب الجلد وهي افعال بمنأى نسبيا عن خطر نقل فيروس الإيدز او التهاب الكبد عندما تمارس في المحلات التجارية، فإنها تتحول الى نشاط خطير في مجتمع السجن. والواقع انها ممنوعة قانونا ويحظر استخدام  المعدات اللازمة لها فيجري التحفظ عنا سرا وتقاسمها بين المساجين. ان تزيين الجسد ممارسة مرغوبة جدا وتجري ممارسها بطقوسية عالية لدى المساجين الذين "يخلقون بواسطة الوشم تصويرا دائما للهوية التي لا يمكن السلطات مصادرتها، وهي تأكيدات ايجابية عن الذات في محيط بالغ السلبية [3] . والوشم اشارة مرئية للانتساب الى هذه العصابة او تلك وبالتالي تمييز الذات عن الجمهور المغفل والمتشابه الى ابعد حد [4] . كما يجري في السرية ايضا استخدام الابر الممنوعة قانونا والتي لا يتم الابلاغ عنها. بيد ان الباحثين يقدّرون عدد الذين يدقون الوشم على جلودهم اكبر من الذين يحقنون شرايينهم بالمخدرات ويخطون خطوة اولى على طريق التعرض لانتقال فيروس الإيدز او التهاب الكبد خلف قضبان السجن [5] .

>والمعضلة هي تحديدا ان المساجين يجهلون في الغالب الاليات الاولية لانتقال الفيروس وطرق الوقاية منه او علاجاته. ولا يتمتعون في اكثر الاحوال بأي ضمان صحي قبل اعتقالهم، فالضمان الصحي في الولايات المتحدة عائد الى رغبة رب العمل الذي يقدمه لموظفيه مقابل اشتراك شهري يقتطعه من راتبهم. اما العلاج الطبي المجاني للمعوزين فلا يشمل الادمان على المخدرات والتخلف العقلي وغيرها من الامراض الخطيرة.

>ويكشف بول فارمر وبربارا ريلكو ـ بوير [6] : "نعت النظام الصحي الاميركي باللانظام وهو نتاج الصدفة وخليط من الخدمات الطبية. والواقع انه تمت تشظيته وتفكيكه وتقسيمه وابطال فعاليته:. فعند دخول المحكوم السجن قد يكون جاهلا اصابته بمرض معد ولا يدرك انه قد يتسبب في انتشاره".

>عند وصولهم الى المعتقل او السجن ومن ثم في فترات متلاحقة من اقامتهم هناك يخضع المساجين لفحوص السل والسفلس لكن فحوص الإيدز والتهاب الكبد لا تجرى بصورة منهجية. واذا لم توضح لهم غاية هذه الفحوصات ونتائجها او اذا كان السجين لا يتكلم الانكليزية كما هي حال العديد من الاسبانيين، او عندما يصار الى سحب عينة من دمهم، يتوهم بعض المساجين انهم خضعوا لتلك الفحوصات وان صحتهم جيدة الا اذا ابلغوا عكس ذلك صراحة.

>وما يزيد من المخاطر اللجوء الى دكاكين طبية غير مؤهلة او متقبلة للرشوة كما حصل في العقد المنصرم حيث كان مختبر خاص في كاليفورنيا يزود ادارة سجن الولاية طوال سنوات نتائج خاطئة تتعلق بعشرات الآلاف من السجناء. وبعدما لفت نظر المسؤولين في دائرة الصحة في كاليفورنيا تكاثر الاخطاء الاملائية وغيرها، قاموا بزيارة لمباني المختبر المعني فوجدوا فيه "ركاما من المعدات غير المستخدمة... وفوضى كاملة واجهزة فحص غير صالحة تفتقر الى تحديد الجرعات او الى المادة الكاشفة الضرورية لاجراء فحوص الدم والبول [7] . وبعد مرور اربعة اعوام على قيام صحيفة "سان فرنسيسكو كرونيكل" بنشر الفضيحة، لم تتجشم ادارة السجون في كاليفورنيا مشقة اعادة اجراء الفحوص للمساجين الذين حصلوا على نتائج وهمية او مغلوطة ليعرفوا ما اذا كانوا مصابين بأمراض قاتلة او معدية. في غضون ذلك حصل مدير المختبر الوهمي من الدولة على ترخيص بفتح مؤسسة اخرى للتحاليل الطبية!

>انكشف اهمال اجرامي مماثل يوم اطلع احد السجناء في ولاية ميشيغان من طريق الخطأ الاداري على ملفه الطبي العائد الى اعتقال سابق فذهل عندما وجد انه لم يبلغ بأنه مصاب بالتهاب الكبد الذي تبين اثر فحص اجري له قبل عامين في السجن. اما شريكته التي عاشت معه بين فترتي السجن فاكتشفت عندها انها مصابة بالمرض نفسه.

>وتكشف هذه القضية واقعا يتجاهله النقاش العام وهو انه من اصل 9 ملايين شخص يطلق سراحهم سنويا من نظارات  الولايات المتحدة وسجونها (التي تحمل الرقم القياسي بمخزون المساجين المحكومين والبالغ مليونين)، فإن نسبة عالية تحمل امراضا معدية تدخلها الى البيئة المضيفة وتهدد بالانتقال الى الشركاء الجنسيين والاشخاص الذين يتقاسمون معهم الحقن او السوائل.

>لا ينظر المعتقلين الى بيئة السجون على انها مشحونة بهذا النوع من المخاطر وبالتالي لا يتخذون الاحتياطات الضرورية عند قيامهم بعلاقات جنسية اثر خروجهم [8] . والواقع ان توفير السجون للغذاء المنتظم والمأوى والحد الادنى من العناية الصحية يجعلها في نظر من يعيشون اوضاعا غير مستقرة اجتماعيا في الخارج كمن لا مأوى لهم، يجعلها اماكن صحية نسبيا خاصة عندما يرون ان السجناء السابقين مرتاحون ومغذّون وعضلاتهم بارزة لكثرة ما مارسوا من تمارين في رفع الاثقال. وصل انهيار دولة الرعاية الى درجة تتصرف معها السجون اكثر فاكثر "كأنها مؤسسات للرعاية الاجتماعية الطارئة: [9] بالنسبة للاميركيين الاكثر حرمانا. فالقبضة الحديد لدولة القمع تتحول مع الفئات المهمشة الى جناح رعاية يسمح لهم ولو لوقت بالاستمرار.

>بيد ان الاخطاء والاهمال من شأنها اعاقة حصول الموقوفين والمساجين على العناية الطبية المناسبة. مع ذلك فإن بعض الاطباء الذين انزل بحقهم عقاب مهني ويمنعون من ممارسة المهنة في الحياة المدنية، ما زالوا يعملون داخل السجون. ويحدث ايضا ان تعطى العلاجات بصورة خاطئة كما حدث لاحد السجناء في فلوريدا اذ كان يتناول الادوية المضادة للإيدز اثناء وجبات الاكل بشكل منتظم بالرغم من التحذير الواضح بضرورة الاكل قبل تناولها بساعتين وبعد تناولها بساعة. وتساهم هذه الاغلاط اضافة الى ذلك في خلق انواع من الفيروسات عصية على الادوية. 

>وبالرغم من تخلف العناية الطبية داخل السجون يتبين انها احيانا افضل من تلك التي يحصل عليها السجناء بعد خروجهم حيث يضطر 41 مليون اميركي محرومين من الضمان الصحي لدفع ثمن العناية من جيوبهم او الاستغناء عنها. اضافة الى ان مكتب الاحصاء يعتبر ان هناك 71،5 ملايين اميركي لا يحصلون على الضمان الصحي خلال فترة من السنة. ان ارتفاع قيمة الضمان ضد الاخطاء الطبية واتعاب الاطباء ترفع بدلات المعاينة في الولايات المتحدة الى ثلاثة او خمسة اضعاف مما هي عليه في اوروبا. كما ان سعر الادوية باهظ ويمكن ان تصل فاتورة الاستشفاء الطويل الى مئات آلاف الدولارات.

>يضطر من يعجز عن تكبد هذه الكلفة الى ان يلجأ الى خدمة الطوارئ في المستشفيات العامة المضطرة لمعالجة الحالات الخطيرة، لكن مستوى الخدمات التي توفرها يقترب من مستوى خدمات بلدان العالم الثالث بسبب النقص الفادح في الامكانات وبسبب البطء الاداري. ومن السخرية ان يكون السجناء وحدهم يتمتعون في الولايات المتحدة بالحق الدستوري في المتابعة الطبية المضمونة ما داموا في العهدة الجزائية للدولة.

>ترتب النسب العالية جدا للاصابات نفقات متزايدة على كاهل السجون ولا يبدو ان الناخبين مستعدون لدفع المزيد. وفي ذلك خطر من التزاوج المتفجر بين تضخم عدد المساجين من الفقراء وسياسة تجارية طبية تهمل الطليقين، قد يفضي الى كارثة على الصحة العامة في البلاد.



[1] عالم اجتماع. معهد لندن للاقتصاد

[2] National Commission on Correctional Health Care, " The Health Status of Soon-to-Be Released Inmates", Chicago, IL, 2002 

[3] Susan A. Phillips, "Gallo's body: decoration and damnation in the life of a Chicano gang member", Ethnography, vol. 2, Thousand Oaks, CA, 2001

[4] Margo Demello, "The Convict Body: Tattooing Among Male American Prisoners", Anthropology Today, vol. 9, 1993.

[5] David C. Doll, "Tattooing in Prison and HIV Infection", Lancet, no2, vol. 9, 1988, Londres. 

[6] Paul Farmer et Barbara Rylko-Bauer. "L'Exceptionnel" système de santé américain : critique d'une médecine à  vocation commerciale", Actes de la recherche en sciences sociales, n? 139, pp. 13-27, Paris, 2001.

[7] Sabin Russell, "State Fumbles Prison Lab Testing: Company's Fake Results May Never Have Been Corrected". San Francisco Chronicle, San Francisco, 6 juillet 2000

  [8] اقرأ

Megan Comfort, Olga Grinstead, Bonnie Faigeles et Barry Zack, "Reducing HIV Risk Among Women Visiting Their Incarcerated Male Partners", Criminal Justice and Behavior, Thousand Oaks, CA, no 27, 2000

[9] Elliot Currie, Crime and Punishment in America, Henry Holt and Company, New York, 1998

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 20031© , العالم الدبلوماسي و مفهوم