| |
||
هونغ كونغ تحت الهيمنة الصينية
جان- جاك غانديني
*
JEAN-JACQUES GANDINI
بعد خمس سنوات على عودته الى وطنه الأم، في الأول من تموز/يوليو عام 1997، وفيما كان رئيس السلطة التنفيذية المحلية تونغ شي هوا المدعوم من بكين والمرشح الوحيد للولاية التالية يدشن عهده الثاني، كان معظم سكان هونغ كونغ معكري المزاج. لكن وبعكس التكهنات التي توقعت تنفيذ سيناريو استبدادي غداة عملية التولية لم تحدث "لا مواجهات سياسية عنيفة ولا عملية قمع سياسية فعلية ولم يطبق الكثير من عمليات الرقابة" [2] . ليس هذا وإنما جاء الخطر من حيث لم يكن متوقعاً من الاقتصاد الذي تلقى صفعة قوية مع الأزمة الآسيوية في العامين 1997 ــ 1998.
فحتى تموز/يوليو عام 1997، ظلت هونغ كونغ، التي تحولت "منطقة إدارية خاصة" (RAS) لمدة خمسين عاماً، تبرهن عن حال من البطر في وضعها المالي الجيد. فهي كقوة تجارية سابعة في العالم وكسوق سابعة للبورصة وكمركز مالي خامس مع احتياط نقدي يقدر بـ65 مليار دولار [3] وفي اعتبارها المرفأ الأول للمستوعبات العالمية حيث متوسط دخل الفرد 25000 دولار، ما يفوق المعدل في زمن القوة الاستعمارية السابقة، تشكل هي إذاً المركز الاقتصادي الاقليمي المسلّم به في عالم صيني في عز انفلاشه [4] . فعبرها، كمنطقة تداخل إلزامية، يمر القسم الأكبر من الاستثمارات الأجنبية في الصين كما الصادرات الصينية.
وقد جاءت الأزمة الآسيوية لتزعزع هذا البناء متسببة بانهيار أسواق البورصة وبحالات إفلاس متلاحقة وبهجمات من المضاربة على العملة وبانفجار القطاع العقاري المنتفخ الذي اليه استند إزدهار المنطقة وبتدني مستوى الاستهلاك تلازماً مع كل ذلك. وحتى وإن أمكن التصدي للانتكاسة بفضل الاحتياط المالي الضخم الذي ساعد في تعطيل هجمات المضاربين وتثبيت أسعار الصرف بين الدولارين الأميركي والهونغ كونغي، فإن انهيار أسعار العقارات، وقد أصبحت أقل بـ60 في المئة مما كانت عليه في العام 1997، وانخفاض قيمة الموجودات في موعد تسديد القروض، كل هذا حمل على إرجاء استهلاك الممتلكات الثابتة بالرغم من التراجع المستمر في الأسعار. وقد ظلت حركة البورصة فاترة، إنها حالة الانكماش الاقتصادي.
فالناتج المحلي الاجمالي، كقيمة اسمية، لم يستعد حتى الآن مستواه في العام 1997، كما أن معدل البطالة انحدر الى درجة لا سابق لها ليبلغ 7.4 في المئة فيما الموازنة التي تميزت بفائضها حتى تلك الفترة تعاني عجزاً متزايداً [5] . فهل أن هذه المعطوبية في الاقتصاد، الخاضعة الى حد كبير لدفق التجارة والرساميل الدولية والمرتهنة جداً لعمليات التصدير [6] ، سوف تجد حلاً لها في المزيد من التكامل مع الصين القارية التي يتطور اقتصادها بخطى عملاقة؟
منذ العام 1995 كان ما يزيد على نصف الاستثمارات في الصين، والبالغة 25 مليار دولار، تأتي أساساً من هونغ كونغ، كما أن 80 في المئة من الشركات الكبرى والمتوسطة في المقاطعة كانت أقامت لها مصانع في منطقة غوانغ دونغ الحدودية أولاً ثم في سائر المقاطعات الصينية بينما اصحاب الرساميل الكبرى مثل السادة لاي كاشينغ ولي شو كي، وهنري فوك [7] والأخوة كووك يستثمرون بشكل مكثف في البنى التحتية والتنظيم المدني.
ومن جهتها فإن 1800 شركة من القارة باتت موجودة في هونغ كونغ فيما سائر المجموعات المتخصصة بالبورصة من عائلة دنغ كزياوبنغ تستثمر فيها ما قيمته مليارار دولار. وهكذا أصبحت هونغ كونغ الشريك التجاري الثالث للصين مع 11 في المئة من المبادلات وأصبحت الصين الشريك الأول لهونغ كونغ مع 40 في المئة من هذه المبادلات. ويتمتع بنك الصين، وهو المجموعة المصرفية الثانية في المكان بوضع بنك الاصدار. اما "تشاينا ريسورس" وهو تكتل تشكل عبر وزارة التجارة الخارجية فانه يسيطر على ما يزيد على 200 شركة. كما أن اتحاد "تشاينا انترناشيونال تراست أند انفستسمنت كوربورايشن" الذي يديره السيد لاري يونغ (وهو ابن السيد رونغ ييرن، المحسوب على السيد دنغ كزياوبنغ ونائب رئيس الجمهورية الشعبية في العام 1993) الذي أصبح واحداً من إداريي "جوكي كلوب" الاثني عشر، وهو كبير رجال الأعمال هناك، هذا الاتحاد هو ذو حضور لافت في مختلف القطاعات من النقل الجوي (كاتي باسيفيك، دراغونير وكارغو ترمينال) الى الكهرباء (تشاينا لايت أند بوور) الى الاتصالات والتوزيع والقروض والعقارات واستثمار الانفاق الخ. باختصار وبحسب التعابير الشمولية، لقد أصبحت الصين المستثمر الأول في إقليم هونغ كونغ.
من جهة أخرى، ومع انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية تضاءلت أكثر فأكثر الافادة من موقع هونغ كونغ كمنفذ الى السوق الصينية. وفي مواجهة حكومة مركزية تسعى الى حصر دورها في نظام اقتصادي اقليمي مركزه في "دلتا اللؤلؤ" ( Delta des Perles) ذات النمو الصناعي الكبير مع عودة الى تجارة المنطقة الحرة، فان هونغ كونغ تسعى أيضاً الى الحفاظ على موقعها كمركز مالي ذي شهرة عالمية وتحلم بأن تتحول مستقبلاً عاصمة للتقنيات الرفيعة (هاي تك). لكن إزاء هذا التصور وبمعزل عن التقدم الذي تحقق أساساً في سنغافورة وتايبه في مجال التكنولوجيات الحديثة وفي مجال الاعلام والاتصالات، فان المشروع الأساسي القائم، أي "سيبربورت" ( Cyberport) الذي تقدر كلفته بـ1.7 مليار دولار، لا يزال يراوح مكانه. ذاك ان شركة "باسيفيك سنتشوري سيبر ووركس" [8] (PCCW)التابعة لـ"سيد الانترنت" السيد ريتشارد لي، هي التي فازت بالعقد في العام 1999 بدون أن يتم استقدام أي عروض اخرى، وقد أنجزت المرحلة الأولى فقط من المشروع، فأقيمت المكاتب والأبنية المزودة الكابلات والاتصالات عبر الانترنت، لكن ليس هناك من زبائن... سوى شركة "باسيفيك سنتشوري سيبر ووركس" والشركات التي يملكها راعيها السيد لي كاشينغ.
وكمركز مالي، تواجه هونغ كونغ تهديداً يتمثل في صعود شانغهاي التي، منذ عشر سنين، تحرق المراحل في محاولة دؤوبة لتعويض تخلفها عن منافستها واستعادة موقعها الأول في العالم الصيني. وهذا السعي الى دخول المدار هو قرار استراتيجي من السلطة السياسية [9] . لكن حتى مع معدل نمو سنوي بنسبة 10 الى 12 في المئة لا يمكن توقع لحاق شانغهاي بهونغ كونغ قبل ما يقارب 15 الى 20 سنة. أضف الى أن سياسة القروض في الصين لا تزال في أطوارها الأولى وان النظام القضائي فيها غير موثوق به من أجل تسوية النزاعات التجارية. بينما يمكن هونغ كونغ أن تستفيد من نظام مصرفي مجلٍّ ومن سلسلة أجهزة مالية لا تضاهى ومن نظام قضائي مستوحى من الشرائع القائمة يديره قضاة يتمتعون باستقلالية ضمنها القانون الأساسي الصادر في العام 1990. لكن هل يمكن القول إن هونغ كونغ لا تزال دولة القانون؟
تنص المادة الثانية من القانون الأساسي على أن "المنطقة الادارية الخاصة" في هونغ كونغ "تتمتع بسلطة قضائية مستقلة تشمل سلطة الأحكام النهائية". غير أنه سرعان ما تم خرق هذا المبدأ. ففي 12 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1998، حكم بالاعدام على تشوينغ تسي-كوينغ، الملقب بيغ سبندر، وهو زعيم عصابة بارزة خضع للمحاكمة مع خمسة وثلاثين من معاونيه وذلك في المحكمة الشعبية الوسطى في كانتون بتهمة "الخطف وتجارة المتفجرات غير المشروعة وتهريب الأسلحة والذخائر". وقد ادعى القضاء الصيني أنه صاحب الصلاحية في ذلك بحجة ان بيغ سبنسر قد اوقف في الأراضي الصينية فيما هو من المقيمين الدائمين في هونغ كونغ، وضحاياه هم منها وعملية الخطف نفذت فيها [10] . ولم تعترض حكومة المقاطعة على ذلك وقد اكتسب هذا الخرق خطورة أكبر إذ ان حكم الاعدام نفذ ببيغ سبندر علماً انه لا وجود لعقوبة الاعدام في هونغ كونغ.
في إطار إعادة توحيد العائلات فان "كل طفل ولد لأحد المقيمين الدائمين في هونغ كونغ، حتى وإن كان خارج هونغ كونغ المدينة، يحق له الحصول على الاقامة" وذلك وفقاً للمادة 24 من القانون الأساسي. وفي بادئ الأمر اعتبرت محكمة الاستئناف أنه يكفي تقديم الملف مباشرة لدى دوائر الهجرة، لكن بحجة الخوف من الضغط على الاقتصاد الذي سينتج من هذا الدفق (300000 شخص يطالهم الأمر) لجأت الحكومة ناحية اللجنة الدائمة في الجمعية الوطنية الشعبية في الصين من أجل "تفسير القانون الأساسي".
وقد قررت هذه اللجنة أن على أصحاب الطلبات أن يتقدموا أولاً بطلب إثبات خروج من المقاطعة لدى السلطات الصينية قبل أن يصلوا الى قسم الهجرة في هونغ كونغ، وبالرغم من التقدم بطعن آخر فان محكمة الاستئناف النهائية رضخت هذه المرة...
والخطر يطاول أيضاً حرية الصحافة. فبعد أن كانت صحيفة "ساوث تشاينا مورننغ بوست" مشهورة باستقلاليتها حتى تلك الفترة، فقد اضطرت الى خفض جناحها بعد صرف اثنين من صحافييها اللامعين، هما كاتب الافتتاحيات ويلي لام، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000، وذلك لأنه تجرأ على الكتابة أن بكين قد اقنعت "التايكون" بدعم السيد تونغ شي هوا ذي الشعبية الهزيلة، ملمحة لهم بمكاسب مادية في القارة، وجاسبر بيكر، رئيس مكتب برلين، في أيار/مايو عام 2002 وذلك بسبب "عصيانه" إذ لم يعد يتحمل رئيس التحرير المكلف تغطية أخبار الصين، وهو من العاملين سابقاً في النسخة الانكليزية من صحيفة "تشاينا دايلي" اليومية الرسمية، بمناوراته الهادفة الى مراقبة عمله ورفض إجراء أي تحقيق على الأرض حول النزاعات الاجتماعية في شمال شرق الصين. وما يجدر ذكره، أن صاحب الجريدة السيد روبرت كووك هو قطب من أصل ماليزي تشهد أعماله إزدهاراً مطرداً في الصين!
إلا أن الضرر الأفدح قد يتأتى من تطبيق المادة 23 من القانون الأساسي. فعلى أثر المفاوضات المباشرة المرتبطة بتجديد ولايته لمدة خمس سنوات قرر السيد تونغ شي هوا أن يجري تعديلاً في هذه المادة يسمح له بـ"حظر أي عمل يتسم بالخيانة أو بالانفصال أو بالتمرد أو بالانقلاب على الحكومة المركزية (السلطة في بكين) وأي سرقة لأسرار الدولة وبمنع أي منظمة سياسية أو مؤسسة أجنبية من ممارسة نشاطاتها السياسية في هونغ كونغ، وبمنع أي منظمة سياسية أو مؤسسة في هونغ كونغ من إقامة علاقات مع منظمات سياسية أو مؤسسات أجنبية".
ولكي يقوم بذلك وفق الأصول، بدأ في 25 أيلول/سبتمبر عام 2002 بحملة استشارات لمدة ثلاثة أشهر في أوساط الرأي العام قبل أن يعمل على إقرار ذلك في البرلمان في أوائل العام 2003 [11] . ومع ذلك فان معظم رجال القانون يتفقون على أن القوانين المرعية الاجراء تكفي للمعاقبة على هذا النوع من الأعمال وأن المنظمات الأربعين تقريباً المنضوية تحت "جبهة حقوق الانسان المدنية" ترى في هذا "تعدياً على حرية التعبير والاعلام والجمعيات، وحتى أنه يهدد وجودهم نفسه". والحال هذه، فإن تناول الصحافة موضوع نشاطات الانفصاليين في التيبت وفي كزينجيانغ، وحتى مجرد إجراء مقابلة مع رئيس تايوان، قد يعتبر نوعاً من العمل "الانفصالي" ويجعل من نشاط الحركة الديموقراطية في الصين "عصياناً". ويمكن أن يؤدي الأمر الى حظر بعض النقابات في هونغ كونغ إذا حاولت بعض النقابات المستقلة في الصين الالتحاق بها.
وما سيترتب على كل هذا من نتائج هو التوقيفات والمحاكمات بدون نيابات عامة، والسجن حتى سبع سنوات تطاول كلها أشخاصاً "يحرضون على العنف والفوضى العامة"، والسجن المؤبد بتهم "الخيانة". وتؤكد وزيرة الداخلية فيرجينيا هيب أنها لا ترى أين المشكلة "فان مجرد التعبير عن وجهة نظر لا يشكل عملاً جرمياً. فيجب التأكد من النيات وخصوصاً إذا كان هناك نية لحمل الآخرين على اقتراف أعمال تعرض الأمن القومي للخطر" [12] . ليس العمل في حد ذاته إذاً، بل النية! مما يعني أنه بمجرد البدء بتطبيق القانون الجديد يمكن السلطة الصينية أن تقمع أي شكل من أشكال المعارضة كما يحلو لها بحجة أنها تشكل "خطراً عليها".
وبعد حال من اللامبالاة في المرحلة الأولى، تنبه السكان للخطر مع اقتراب الموعد وفي 15 كانون الأول/ديسمبر، نزل الى الشارع ما يزيد على 35000 شخص، إذ إن ثلثي أهل هونغ كونغ تقريباً باتوا يرون في مشروع القانون هذا "تهديداً للحريات". أما المجتمع الدولي فانه من جهته يبقى وللغرابة غير مبالٍ...
[1] باحث مستقل
[2] المرجع:
" Les trois chances de développement de Hong Kong " Perspectives chinoises, Hongkong, no 64, mars 2001
[3] الدولار يساوي 7.8 من دولار هونغ كونغ.
[4] هناك حوالى 4000 شركة من هونغ كونغ انتقلت الى "دلتا اللؤلؤ"، وهي منطقة حدودية حيث تستوعب 5 ملايين عامل صيني.
[5] 8 مليارات دولار بحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورننغ بوست" (هونغ كونغ) في عددها الصادر في 28/٢/٢٠٠٢.
[6] وهي قائمة بنسبة 88.5 في المئة على إعادة التصدير وبشكل أساسي الى الداخل الصيني والولايات المتحدة.
[7] نائب رئيس المؤتمر الاستشاري للشعب الصيني في بكين، وهو أحد رموز التحالف بين اصحاب الاموال ووجهاء الحزب الشيوعي الصيني، وثلث الأعضاء الـ94 في اللجنة المكلفة التحضير لتجديد الولاية يملك كل منهم ما يزيد على مليار دولار هونغ كونغي.
[8] تولت الـ PCCW إدارة المركز التاريخي " HK Telecom " وذلك بفضل قرض كبير من بنك الصين. وهي إذ رافقت موجة الجديد فقد قفز سعر السهم فيها الى 28.50 دولاراً هونغ كونغياً في شباط/فبراير عام 2000 لينهار الى دولارين في كانون الأول/ديسمبر عام 2001 متسبباً بخسارة لا تعوض بلغت 16 مليار دولار أميركي!.
[9] إن جيانغ زيمن، رئيس الجمهورية والأمين العام السابق للحزب الشيوعي الصيني وزهوروتغجي، رئيس الوزراء السابق كلاهما شغل سابقاً منصب حاكم شانغهاي.
[10] للتذكير بالقصة ولتفسير شدة القرار المتخذ فان المخطوفين كانا فيكتور لي، الابن البكر لـلي كاشينغ (فديته كانت 1.3 مليار دولار هونغ كونغي) ووالتر كووك (الفدية 0.6 مليار دولار). مما يعني أن التعرض للتايكون لا يمر من دون عقاب...
[11] من المقاعد الـ60 في المجلس التشريعي هناك 24 فقط يختارون بالانتخابات العامة (15 منها يشغلها الحزب الديموقراطي بزعامة مارتن لي وحلفائه) ، أما الـ36 الآخرون فيختارون عبر لجنة انتخابية من ستة أعضاء و30 ممثلاً عن الهيئة الاجتماعية المهنية حيث المقربون من بكين يشكلون الغالبية الواسعة.
[12] صحيفة "ساوث تشاينا مورننغ بوست"، هونغ كونغ، في 28/٩/ 2002.
|
http://www.mondiploar.com/ |