| |
||
الموت في العمل
انياسيو
رامونه
Ignacio RAMONET
هناك وثيقة حاسمة تجاهلها الاعلام فلم تلفت الانظار ، وهي تتمثل في التقرير [1] الذي اصدرته منظمة العمل الدولية ويستنكر الواقع المؤدي الى وقوع 270 مليون اجير ضحايا لحوادث العمل اضافة الى 160 مليوناً يصابون بأمراض مهنية. وتكشف الدراسة ان عدد العمال المتوفين خلال قيامهم بأعمالهم يتجاوز المليونين سنويا... فالعمل يقتل كل يوم 5 آلاف شخص! ويشير التقرير الى ان "هذه الارقام ادنى من الحقيقة" [2] .
في فرنسا ووفقا للصندوق الوطني للضمان الصحي، تسجل سنويا 780 وفاة في حوادث العمل (اكثر من اثنين يوميا!). هنا ايضا الارقام ادنى من الواقع. هناك حوالى 1350 حادث عمل [3] مما يعني 3700 ضحية يوميا اي ما يوازي 8 جرحى في الدقيقة في يوم العمل المؤلف من ثماني ساعات...
هذا العذاب الصامت، هذه الاتاوة المدفوعة للنمو والمنافسة، كان المدافعون عن حقوق الشعب يسمونها "ضريبة الدم" [4] . في هذا الوقت الذي تبحث فيه مسألة التقاعد يجدر تذكّر هذه الضريبة والتفكير في آلاف الاجراء الذين لا ينهون حياتهم العملية الا وقد استهلكوا وانهكوا واتلفوا، من دون ان يتمكنوا من الاستفادة من "العمر الثالث". فبالرغم من ارتفاع متوسط الحياة فإن ذلك يترجم بانتشار واسع لامراض التقاعد من السرطان وامراض شرايين القلب والانهيار العصبي والجلطات الدماغية والاعاقة والتكلس والخرف ومرض الزهايمر الخ...
وهذا ما يجعل الهجمة على نظام التقاعد مقززة وخصوصا انها منسقة من محركي العولمة الليبيرالية [5] ـ مجموعة الثماني، البنك الدولي [6] ، منظمة التجارة والتنمية الدولية [7] ـ التي تقود منذ السبعينات حملة ضد الضمان الاجتماعي [8] ودولة الرعاية. يساعدها في ذلك الاتحاد الاوروبي الذي قرر رؤساء دوله ورؤساء حكوماته من اليمين او اليسار (كالسيدين شيراك وجوسبان بالنسبة لفرنسا) خلال قمة برشلونة في آذار/مارس 2002 تأخير سن التقاعد خمس سنوات [9] مما يفترض تراجعا جديا في الوضع الاجتماعي والتخلي عن مشروع بناء مجتمعات اكثر توازنا ومساواة.
بينما تسحق الطبقات الوسطى وتفقر، تستمر الثروة في التمركز في القمة. منذ 30 عاما كان رب العمل يتقاضى 40 مرة تقريبا ما يتقاضاه العامل المتوسط بينما باتت النسبة اليوم الف ضعف [10] ... مما يمكنه من دون همّ التوقف عن العمل عندما يرغب خلافا للاجراء العاديين ولا سيما المدرسين منهم.
وقد صعّد هؤلاء اضراباتهم في كل من ايطاليا واسبانيا والمانيا واليونان والنمسا وفرنسا احتجاجا على تفكيك نظام التقاعد علما بأن اصلاحه مطلوب كون القوى العاملة تتناقص مقارنة بالمحالين على التقاعد وكون حجم تعويضات التقاعد تساوي اليوم 11،5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي وسوف تساوي 13،5 في المئة عام 2020 و15،5 في المئة عام 2040 لتصبح عبئا لا يمكن الدولة تحمله.
بالرغم من ازمة سوق الاسهم التي كلفت صناديق التعاقد خسارة توازي 20 في المئة من موجوداتها [11] ، لم يتم التخلي عن خيار رسملة هذه الصناديق وخصوصا ان الاصلاح مطروح على حساب الاجراء فقط. كأن المسألة تقنية بحتة لا تطاول نتائجها المجتمع كله. فجميع العناصر المتحركة تم تعديلها بشكل منهجي، من حجم المساهمات ومدتها الى سن التقاعد وحجم التعويضات، على حساب الاجير ومردود عمله ولم يقدم اي حل بديل يطرح مساهمة الشركات او يفرض ضريبة على الارباح المالية.
يعتبر من الطبيعي ان يموت في العمل اجيران يوميا ويضحّى بثمانية آخرين في الدقيقة من اجل رفاهية الشركات، لكن لا يطلب منها في المقابل ولا من الرأسمال المساهمة اكثر في تعويضات تقاعد العاملين. فكيف لا نفهم غضب العمال؟
[2] . راجع النص الكامل للتقرير الصادر عن منظمة العمل الدولي في جنيف بتاريخ 28/4/2003 حت عنوان
La Securite en chiffres. Indications pour une culture mondiale de la securite au travail.
[3] Les Echos, 7/11/2002
[4] راجع
“Les accidents du travail. L’impot du sang. 19 dec. 1906”, in La Guerre sociale, un journal “contre”, Les Nuits rouges, Paris, 1999
[5] العلاقة وثيقة جدا بين اموال التقاعد والعولمة الليبرالية حيث تتزود منها صناديق التعويضات الضخمة التي بات عناصر رئيسية فاعلة في الرأسمالية المالية الجديدة في كل من الولايات المتحدة وكندا واوستراليا واليابان وبريطانيا وهولندا...
[6] راجع تقرير البنك الدولي حول اصلاح انظمة التقاعد في اوروبا او راجع الموقع
[7] El Pais, Madrid, 20/6/2003
[8] مشروع شادلا الذي نشر في نيسان/ابريل 2003 يعد باعادة نظر حاسمة بالضمان الصحي وهو يهدف الى تفكيك وخصخصة الضمان الاجتماعي. النص الحرفي على الموقع
http://www.ladocumentationfrancaise.fr/brp/notices/034000159.shtml
[9] اقرأ
Bernard Cassen, “Est-il encore utile de voter après le sommet de Barcelone?”, Le Monde diplomatique, avril, 2002
[10] Liberation, 21/6/2003
[11] اقرأ
Martine Bulard, “Les retraités trahis par les fonds de pension”, Le Monde diplomatique, mai, 2003.
|
http://www.mondiploar.com/ |