طبع المقال
تحميل المقال

السعودية امام التحديات الكبرى

ألان غريش
ALAIN GRESH

كانت العلاقة بين البلدين وثيقة وحميمة، لكن ذلك لم يمنع ولي العهد السعودي من ابلاغ الرئيس الأميركي رسالة في منتهى الصراحة وفيها: "لو كنت مكانك لبادرت الى إغلاق قاعدتكم العسكرية في بلدنا، وعند الحاجة نضعها مجدداً في تصرفكم." فمنذ سنوات عديدة كان وجود القاعدة العسكرية الأميركية في الظهران شرق السعودية موضوع انتقادات شديدة في الشرق الأوسط. فهذه الرسالة من الأمير فيصل تلقاها الرئيس جون كينيدي في أواخر ستينات القرن الماضي، وبعد أشهر قررت الولايات المتحدة أن تغادر الظهران.

  واستعادة هذه الواقعة التاريخية على لسان أحد أفراد العائلة المالكة، تهدف الى إيجاد تفسير لقرار اتخذ مؤخراً ويحاول جميع المراقبين فهم أبعاده، وهو قرار سحب الجنود الأميركيين من قاعدة الأمير سلطان قبل نهاية العام 2003. فهل أن في ذلك إشارة الى إعادة نظر جذرية في العلاقات بين الدولتين؟

  يستدرك محدثنا متابعاً توضيحاته أن لا شيء من ذلك: "ففي العام 1991 وبالرغم من انهزامه ظل صدام حسين يشكل خطراً. وإضافة الى ذلك صدر قرار بإقامة منطقة حظر جوي في العراق، وقد شاركت في عمليات المراقبة هذه ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وعلى هذا الأساس وقعنا اتفاقاً يسمح لهذه الطائرات بالاقلاع من أراضينا. لم يكن في الأمر إذاً مسألة "قاعدة" بالمعنى الحرفي للكلمة." ويضيف الأمير مبتسماً: "لكن نحن نميل الى السرية ولم نوضح الأمر أمام الرأي العام في بلادنا، فاعتقد الكثيرون، وعن حسن نية، أننا أقمنا قاعدة أميركية ثابتة."

  وإذا كانت قاعدة الظهران قد شكلت في خمسينات القرن الماضي موضوع مختلف الانتقادات من جانب القوميين العرب وخصوصاً من مصر الناصرية، فإن نشر 4500 جندي أميركي بعد حرب الخليج في العامين 1990-1991 على الأراضي السعودية قد اصبح هدفاً لتهجمات المنظمات الاسلامية الراديكالية والسيد أسامة بن لادن. وعلى كل حال، فإن هذه القوات قد تعرضت لهجومين، الأول في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1995، والثاني في حزيران/يونيو عام [1] 1996. وكان على واشنطن والرياض، بعد سقوط نظام صدام حسين، أن تأخذا في الاعتبار العدائية المتنامية في أوساط الشعب السعودي ضد الوجود العسكري الأميركي، هذه العدائية المتأججة بفعل مشاعر التضامن مع الشعب الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة الثانية. لكن في أيٍ من الحالات، لا يعني هذا الانسحاب نهاية التعاون العسكري بين الحكومتين، بل العكس. فالقاعدة ستبقى في تصرف الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يتزايد عدد المدربين الأميركيين كما ان هيئة الأركان المشتركة التي لم تعد تجتمع منذ صيف العام 2001 [2] ، ستواصل دوراتها خلال الصيف المقبل. على كل حال، وبحسب إيضاحات الرياض، لم يكن هناك أي قاعدة عسكرية أميركية قبل العام 1990، وكان يكفي أي وجود عسكري أميركي "ما وراء الآفاق" لضمان أمن المملكة" [3] . والدليل على التنسيق بين البلدين هو المساعدة، بعيداً عن الأضواء وإنما الفعالة، التي قدمتها الرياض للولايات المتحدة خلال الحرب على العراق بالرغم من أشكال النفي الرسمي. ففي الأسابيع التي سبقت الحرب بلغ عدد الجنود الأميركيين على أراضي المملكة ما يقارب العشرة آلاف، مما ساعد قاعدة الأمير سلطان في الاضطلاع بدور مركز قيادة لكل العمليات الجوية. وفي موازاة ذلك فإن قوات من النخبة قد نزلت في القواعد الجوية في عرار وتبوك في شمال غرب البلاد ونفذت مهمات داخل العراق. وهذا ما يلخصه أحد الديبلوماسيين الأميركيين المعتمدين في الرياض بقوله: "لولا مساعدة السعودية لما كان لنا أبداً أن نخوض الحرب على العراق كما فعلنا".

  وفي هذا التناقض بين الموقف الرسمي للمملكة، أي إدانة أي اعتداء على العراق، وسياستها على الأرض تفسير لازدواجية الموقف السعودي إزاء الموقف الفرنسي. ففي حين أن الرأي العام كان يحيي بكل حماسة رفض باريس الخضوع للاملاءات الأميركية كان المسؤولون يكررون لومهم. وهذا ما يوضحه أحد هؤلاء المسؤولين قائلاً: "إن فرنسا، برفضها التصويت على قرار ثانٍ خاص بالعراق قد دفعت الولايات المتحدة الى العمل من جانب واحد مما سمح لها بالتملص من قيود الأمم المتحدة، فلم تعد خاضعة لأي رقابة." وما لم يقله هذا المسؤول هو أن صدور قرار عن مجلس الأمن كان وفّر للمملكة تغطية شرعية لمساعدتها الولايات المتحدة. لكن المملكة اضطرت الى تجاوز ذلك واتباع سياسة "المخاطرة الكبرى".

  وهي لم يكن لها الخيار، إذ إن هامش المناورة أمام الأسرة المالكة قد ضاق بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. فقد كان من شأن مشاركة خمسة عشر سعودياً في الاعتداءات على مركز التجارة العالمي وعلى مبنى البنتاغون أنه زعزع الرأي العام الأميركي وفجر موجة من الاتهامات في حق المملكة التي بات يشتبه في أنها البؤرة الرئيسة لتصدير الارهاب الاسلامي. فبعد القيام بتحقيقات حثيثة صدم الصحافيون الأميركيون لدى اكتشافهم أنه ليس في السعودية نظام ديموقراطي وأنه ليس فيها احترام لحقوق الانسان وأن النساء مجبرات على ارتداء الحجاب. فبرزت أصوات مؤثرة مقربة من المحافظين الجدد أو من المسيحيين الأصوليين تدعو الى جعل السعودية الهدف التالي بعد العراق وحتى الى تقسيم البلد، وبنوع خاص عبر إنشاء "جمهورية شيعية" في شرقها، أي في منطقة حقول النفط.

  ولو أن السعودية، ضمن هذه الظروف، واجهت الشروط الأميركية المتعلقة بالعراق بـ"لا" رافضة، لجاء هذا عملاً انتحارياً يهدد بالاخلال حتى بأسس السياسة السعودية الخارجية التي أرسيت في 14 شباط/فبراير عام 1945 حين اجتمع الملك ابن سعود مؤسس المملكة بالرئيس فرانكلين روزفلت على متن السفينة الأميركية " USS Quincy " في البحيرات المالحة في قناة السويس. ففي هذا الاجتماع ارتسمت ملامح التحالف الطويل الأمد القائم على ثبات المصالح المشتركة. فقد اعتمد ابن سعود على الولايات المتحدة من أجل صون وحدة المملكة، إذ كان الأمر في أربعينات القرن الماضي يتعلق بمواجهة طموحات الهاشميين (في العراق والأردن)، وفي الخمسينات بمواجهة طموحات عبد الناصر، وبعد العام 1979 بمواجهة دعوات الثورة الايرانية. وقد تجسد هذا "الضمان" في آب/أغسطس عام 1990 عندما نزل في السعودية 500000 جندي أميركي بعد الاجتياح العراقي للكويت. وما يقتنع به القادة السعوديون هو أن أي بلد آخر لا يمكنه أن يوفر لهم هذا الضمان.

  أما بالنسبة الى الولايات المتحدة فإن مصلحتها الأولى في السعودية هي في النفط. فقد تمت الاكتشافات الأولى في العام 1938 وذلك على يد شركة أميركية. وخلال بضعة عقود، باتت المملكة، التي تختزن 25 في المئة من الاحتياط العالمي، المصدر الرئيسي للنفط، وهي تؤمن تزويد العالم الغربي النفط بأسعار منخفضة. وفرادتها في ذلك تتأتى من كونها البلد الوحيد القادر عند الحاجة على إغراق السوق بملايين البراميل الاضافية يومياً. ومؤخراً عمدت السعودية الى زيادة انتاجها مرتين، الأولى بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر والثانية خلال أزمة العراق. ومن الآن وحتى عشر سنين، ما من بلد آخر، حتى العراق، يمكنه أن يلعب هذا الدور.

  لكن أحد المثقفين يشدد قائلاً: "إلا أنه لا يمكن حصر التحالف الأميركي ــ السعودي بموضوع "مبادلة الأمن بالنفط"، فقد احتلت السعودية، وعلى مدى الحرب الباردة، موقعاً مميزاً ضمن القوى المناهضة للاتحاد السوفياتي عبر تمويلها حركات، ليست بالضرورة اسلامية، مثل "يونيتا" في أنغولا والـ"كونترا" في نيكاراغوا. أما في افغانستان فإن السعودية لعبت دوراً قيادياً في مساعدة المجاهدين وساهمت الى حد كبير في هزيمة موسكو في ثمانينات القرن الماضي. غير أن سقوط الاتحاد السوفياتي أفقد السعودية جزءاً من دورها هذا."

  وبعد الضربة الصاعقة في 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 انفتحت على مصراعيها، بحكم الأحداث، ملفات العلاقات الثنائية التي كان التعاطي بها محصوراً حتى ذلك الوقت بعدد محدود من المسؤولين. وإذا نكران الجميل المتبادل يغذي كل حالات سوء التفاهم. فالسيد عبد الحامد الغطامي، أستاذ النقد الأدبي في جامعة الملك سعود في الرياض، يطيب له أن يستشهد بجاك ديريدا أو بميشال فوكو. وقد وضع كتاباً حول حضارة الولايات المتحدة ولا يزال يستغرب ما اكتشفه في هذا البلد خلال تسعينات القرن الماضي.

"لم يكن الأميركيون يعرفون شيئاً عن المملكة العربية السعودية، فهم يعتقدون أن بلادنا هي مجرد صحراء يقيم فيها البدو، وهم يجهلون أن عندنا مدناً وأن هناك طبقة وسطى." ويتابع السيد عبد الحامد الغطامي: "وبعد 11 أيلول/سبتمبر باتوا يرون فينا جوهر الشر، حتى صار مجتمعنا بأكمله متماهياً مع الارهاب. لكن عندما ارتكب الجيش الأحمر الياباني اعتداءاته هل حمِّلت اليابان المسؤولية بأكملها؟ إن تبسيط الأمور بهذا الشكل يغذي الارهاب إذ سيكون في امكان الجماعات الراديكالية أن تزعم أن الولايات المتحدة لا تستهدف الارهاب وحسب وإنما مجتمعنا بأكمله إضافة الى العرب والاسلام. أضف الى ذلك أننا بتنا نسمع أصواتاً أميركية تدعو علناً الى قصف مكة بالسلاح النووي أو تتهم النبي محمد بأنه إرهابي."

  وقد تقدمت 600 عائلة من أهل ضحايا 11 أيلول/سبتمبر 2001 ضد مسؤولين ومؤسسات بارزة وخصوصاً من السعوديين، منهم الأمير سلطان وزير الدفاع النافذ، مطالبة بمبالغ تصل قيمتها الى ... ألف مليار دولار. وقد توسعت الاتهامات مؤخراً لتطاول أعضاء من التيار الديني الراديكالي ومنهم السيدان سلمان العودة وصفر حوالي. بات هناك إذاً سيف ديموقليطس مصلتاً على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة والمقدرة قيمتها بـ450 مليار دولار يمكن أن تتم مصادرتها. وإن بدا أن شائعات سحب الودائع بكثافة لا أساس لها من الصحة الا أن السعوديين باتوا يترددون في استثمار أموال إضافية وهذا ما يفسر إزدهار الحركة في بورصة الرياض وفي قطاع العقارات. فالمملكة لم تعد عائمة على بحر من النفط وحسب، بل أيضاً فوق محيط من الرساميل غير المستثمرة...

  وفي محاولة لتزيين صورتها اندفعت السعودية في حملة مهمة من العلاقات العامة، فوهبت 14.6 مليون دولار لشركة "كورفيس كومونيكايشن" عن الأشهر الستة الأولى من العام 2002، وهذا ما استهجنه رجل أعمال سعودي قائلاً: "إنها خسارة لا تعوض". ومن اجل مزيد من الفعالية أطلق ولي العهد الأمير عبد الله مبادرة سلام شجاعة خاصة بالشرق الأوسط حاملاً مجمل الدول العربية على القبول بسلام شامل مع اسرائيل مقابل إنشاء دولة فلسطينية. كما أن "التعاون الخفي" خلال حرب العراق قد ساعد أيضاً في تعطيل قوة الصقور في البنتاغون المتحمسين في دعوتهم واشنطن الى "التخلي" عن السعودية خصوصاً أن الجيش الأميركي بات يملك الآن قواعد عسكرية أو تسهيلات في العراق وفي امارات الخليج كافة.

  ويعترف أحد المسؤولين السعودين قائلاً: "لقد استغرقنا وقتاً طويلاً لنتحقق من الصدمة التي أحدثها 11 أيلول/سبتمبر للمجتمع الأميركي". فبعد مضي ستة أشهر على الاعتداءات كان بعض كبار المسؤولين في وزارة الداخلية يوضحون بشيء من الملاطفة أنه ليس هناك أي دليل على تورط سعوديين في هذه الاعتداءات. وإذا كان الخطاب الرسمي قد تغير فإن السعوديين راحوا يعبرون عن العديد من التحفظات إزاء السياسة الأميركية، وهي تحفظات راحت تنقلها صحافة حازت هامشاً أوسع من الحرية. فالعلاقة الأميركية ــ السعودية لم تكن أبداً علاقة مودة وقد أصبحت الآن منطبعة بالحذر الشديد.

  وهذا ما يعترف به السيد عبد المحسن العقاص، أحد مسؤولي مؤسسة الشرق الأوسط الصحافية وعضو مجلس الشورى فيقول ما معناه:  "نعم لقد صار السعوديون يترددون أكثر في السفر الى الولايات المتحدة، إذ يروج الكثير من القصص وبعضها مرعب ويصور سوء المعاملة. فيروى أن السعوديين يوقفون أثناء عمليات الهبوط الموقت لكي تفوت عليهم مواصلة رحلتهم وتعطل مشاريعهم إذا كان عندهم مشاريع... فكيف يمكن التحقق من ذلك؟".

  هذا ما يستطيع السعوديون استنتاجه، فمهلة الحصول على التأشيرات قد مددت والتدقيق في الولايات المتحدة أصبح أكثر تشدداً. وقد عم الخوف مما يثبط همة الزوار المحتملين. ولقد اتخذ بعض الطلاب قرارهم بمتابعة دراساتهم في كندا واوستراليا وأوروبا. وتنقل الصحافة معلومات عن الـ130 سعودياً الموقوفين في غوانتانامو الذين يلقون معاملة تتنافى كلياً مع المثل التي ترفعها الولايات المتحدة. وإذا ما اضفنا الى ذلك حالة السخط الصريحة في اوساط جميع السعوديين، حتى الأكثر "تغرباً" منهم" بسبب ما يتعرض له الفلسطينيون من عمليات سحق، نستطيع أن نفهم لماذا حظيت الدعوة الى مقاطعة البضائع الأميركية بشيء من النجاح، كلامياً على الأقل، ولو بدا من الصعب التحقق من تأثير هذا الامر الا على السجائر الأميركية وعلى بعض الشركات الأميركية التي تتمتع بالتسهيلات مثل "الماكدونالدز"...

  الا أن الاختبار الرئيسي للعلاقات بين الدولتين سوف يتم في إطار الحرب على الارهاب. لكن الملف ليس بهذه البساطة. وهذا ما يوضحه أحد الصحافيين السعوديين: "خلال العقود الأخيرة عملت المملكة على تصدير مفهومها الاسلامي المتشدد، وقد بلغ هذا النشاط ذروته في حرب أفغانستان. حيث أن مجمل شبكة المساعدة السياسية والدينية والمالية التي أنشئت وقتها قد وجدت نفسها "من دون عمل" مع انتهاء الحرب الباردة، فانقلب البعض الى الحرب ضد "كفار" آخرين، أي الولايات المتحدة."

  وغداة حرب الخليج في العامين 1990 ـ1991، بدأت الرياض بتنظيم سياساتها التمويلية، أليس أن العديد من المنظمات التي دعمتها السعودية قد انحازت الى موقف صدام حسين؟ فقد كان المال يمر عبر مجلس كبار العلماء ورئيسه الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي قلما كان يهتم أين يذهب هذا المال. وإذ عيِّن في تموز/يوليو عام 1993 في منصب المفتي الأكبر بصفة وزير، فقد حرم في الوقت نفسه بعضاً من صلاحياته المالية لصالح الوزارة المستحدثة للشؤون الاسلامية والاوقاف. لكن تبين أيضاً أن هذا النظام مليء بالفجوات كما أن جهاز الدولة، الحديث جداً، لم يكن بالضرورة مجلّياً.

  وبعد 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 أصبحت الضغوط الأميركية أكثر الحاحاً، فبحسب ما يوضح السيد عبد المحسن العقاص أن: "تعاوناً قام لملاحقة مصير الأموال المحولة وقد جاء هذا التعاون إيجابياً بالنسبة الى الطرفين، ونحن نحضر لاصدار تشريع جديد في هذا الاتجاه." وفي منتصف أيار/مايو أعلنت السلطة إغلاق جميع المكاتب الخارجية التابعة لمؤسسة الحرمين التي اتهمتها واشنطن غير مرة، كما أصبحت مراقبة تحويل الأموال الى الخارج أكثر تشدداً. ويوافق الأميركيون على أن تقدماً قد تحقق لكنهم يشددون على أن السعوديين "لم يتوصلوا بعد الى تناول جوهر الأمور"....

  إلا أن التحدي الأكبر بالنسبة الى الزعماء السعوديين هو اجتماعي أكثر منه أمنياً. فحتى قبل الاعتداءات الرهيبة التي نفذت في 13 أيار/مايو عام 2003، ارتفعت بعض الأصوات منددة بالأرضية التي تنمو فيها المنظمات "الجهادية". فما وراء نظارتي السيد منصور النجدان نظرة ساخرة. هو من مواليد العام 1970 في بوريضة، أحدى المدن المحافظة جداً في نجد، مهد المملكة. وهو يتلقى دروساً دينية بعدما تخلى عن دراساته الثانوية، ويجتهد لحفظ القرآن وهو يتقرب من التيارات الاسلامية وقد بدأ "يمارس نشاطه" يوم حاول إحراق مخزن لأشرطة الفيديو. وبعدما سجن أعاد النظر بنفسه وأصبح أحد النقاد الحازمين للفكر الديني الراديكالي. وهو يوضح رأيه قائلاً: "ن أزمتنا هي قبل كل شيء أزمة فكر، فنحن نزعم أن المنظمات الارهابية غريبة عنا في حين أنها في الواقع تجد غذاءها على أرضنا لدى عدد من رجال الدين الذين يحيون في خطبهم الشيخ أسامة بن لادن وحتى اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر."

  ويندد السيد منصور بالنزعة الى "تكفير" جميع المختلفين، وهو نفسه وقع ضحية ذلك حين هاجمه علناً أربعة من رجال الدين. ويصل الأمر بهذا الفكر "الجهادي التكفيري" الى حد السماح باستخدام القوة ضد السلطة الاسلامية وهذا ما يفسر تضاعف الأحداث المسلحة في الأشهر الأخيرة بين الارهابيين وقوى الشرطة المحلية. فلماذا تبدي السلطة إذاً هذا التسامح مع المتطرفين؟ ويقول متذمراً: "ففي اليوم نفسه الذي عرضت فيه الصحافة على مساحة خمسة أعمدة صور الارهابيين التسعة عشر المطلوبين من الشرطة (وهم في غالبيتهم من السعوديين) كانت السلطة تسمح للشيخ سليمان العلوان، الذي دعا علناً الى نصرة أسامة بن لادن والى "القضاء" على تركي الحامد وغازي غصيبي [4] ، باستئناف مواعظه وتعاليمه." وكيف يمكنها في آنٍ واحد إدانة حركة طالبان وغض الطرف عن آلاف الشبان السعوديين الذي ذهبوا يقاتلون هناك بعد 11 أيلول/سبتمبر؟

  هذا ما يوضحه أحد الصحافيين: "من اجل فهم مماطلة السلطة هذه يجب العودة الى الأسس التي قام عليها النظام، أي الى الميثاق الموقع في العام 1744 بين ابن سعود والمصلح الديني محمد بن عبد الوهاب. وقد أسس هذا الاتفاق لتحالف بين رجال الدين والسلطة السياسية، لكنه أقام فصلاً واضحاً جداً بين شؤون الحكم الذي اضطلعت به أسرة آل سعود، وبين شؤون الدين التي سلمت الى المؤسسة الدينية. وبما أن المذهب الاسلامي الذي يتبعه رجال الدين هو الحنبلية، وهو مذهب محافظ جداً وإنما يضع مسألة السلم الاجتماعي فوق كل اعتبار، فقد سارت الأمور على ما يرام بالرغم من بعض الأزمات الظرفية."

  ثم تغير كل شيء في ستينات القرن الماضي حين اضطرت المملكة الى مواجهة الزعيم المصري جمال عبد الناصر والقوميين العرب والتقدميين، وهي لم تكن مسلحة إيديولوجياً للقيام بذلك. فاستعانت عندها بجماعة "الأخوان المسلمين" التي كانت كوادرها ملاحقة في الدول العربية التقدمية، فأقاموا في المملكة وأمسكوا بكامل النظام التعليمي فلقحوا القيادات الدينية التقليدية بفكر سياسي أكبر. ومن هذا الاندماج بين "الوهابية" و"الأخوان المسلمين" برز بعد الحرب في أفغانستان تيار أقلوي وإنما ناشط، هو تيار "الجهادية التكفيرية" تحول الى استخدام العنف. ويتابع هذا الصحافي مستعيداً تفسير السيد نجدان نفسه: "المشكلة أنه كان هناك دائماً على صعيد الأفكار تكامل بين مقولات الجهاديين ومقولات فريق من ممثلي المؤسسة الدينية في مناهضة الغرب والعداء للمسيحيين ولليهود، الخ. والسؤال المطروح على الأسرة المالكة هو الآتي: "هل في امكانها استئصال الواحد دون مقاتلة الآخر؟ وكيف يمكن القيام بذلك دون التشكيك في الشرعية الدينية للنظام الملكي الحاكم؟".

  في 13 أيار/مايو عرضت الصحافة السعودية كلها على صفحاتها الأولى صور المطلوبين التسعة عشر من الارهابيين. وكانت أجهزة الشرطة قد اكتشفت مخبأ سلاح وجد فيه 55 قنبلة يدوية و377 كيلوغراماً من المتفجرات وذخائر واوراق مزورة وثياب تنكر. فلماذا هذه الدعاية المفاجئة في حين أنه حتى ذلك الوقت لم يكن يتم الاعلان عن أي توقيفات؟ وقد كتب احد المحررين في صحيفة "الوطن " "يفترض بنا الاعتراف بوجود هذا الفكر المتطرف عندنا." وللمرة الأولى كان وزير الداخلية، الأمير نايف، قد وجه التهمة في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 الى جماعة الاخوان المسلمين. لكن السلطة تتردد في الخوض في مواجهة قوة حتى وإن كان قد تم عزل عدد من الأئمة في المرحلة التي سبقت الحرب مع العراق. أليس أن الأمير نايف، حتى منذ أسابيع خلت، كان يؤكد أنه ليس هناك في البلاد شبكة ارهابية في حين أنه كان من المعلوم أنه تم توقيف مئات الأشخاص وأن المئات منهم، بحسب مختلف المصادر اعتبروا من المنتمين الى تنظيم القاعدة؟

  فهل أن اعتداءات 13 أيار/مايو المرعبة في الرياض والتي اوقعت أكثر من ثلاثين قتيلاً، ستشكل منعطفاً؟ إن ما يبعث الأمل في ذلك هو النقاش الذي فتح على صفحات الصحف إضافة الى تصريحات ولي العهد الأمير عبد الله الحازمة الى أقصى حد. فلقد صرح قائلاً: "إننا نحذر بنوع خاص أولئك الذين يحاولون تبرير هذه الجرائم باسم الدين، ويهمنا القول ان كل من يحاول ذلك سيعتبر متواطئاً مع الارهابيين وسيعامل على هذه الأساس." وللمرة الأولى يبدي المحرر الصحافي داوود الشريان، من صحيفة "الوطن" ارتياحه الى أن وزارة الداخلية لم تزعم أن هذه الاعتداءات غريبة عن مجتمعنا وعن نمط تفكيرنا. ليتابع قائلاً: "ولا احد يمكنه أن ينفي أن هناك شيئاً من التعاطف عندنا مع التيار "الجهادي" [5] .

  فبعد الاعتداءات باتت الفرصة الذهبية سانحة للسلطة لكي تعزل هذا التيار، القوي جداً وإنما الذي يبدو متراجعاً في اوساط الأجيال الجديدة كما يشهد الاستاذ عبد الحامد الغطامي: "أنا أعلّم في السنة الجامعية الأخيرة، ولديّ سنوياً، ومنذ حوالى عشرين عاماً، مجموعة من خمسين طالباً. في اواسط ثمانينات القرن الماضي كان حوالى الستة منهم من الاسلاميين، وقد تبينت أن عدد هؤلاء تزايد في أواخر الثمانينات واوائل التسعينات، حتى باتوا يشكلون أكثرية. ومذاك بات تراجعهم ملموساً، ولا أحصي منهم في صفي هذه السنة الا طالباً واحداً." فما مردّ هذا الانحسار؟ إنه التضليل على الأرجح، فبعض الذين ذهبوا للقتال في أفغانستان قد عادوا بخيبة أمل، أو أنهم سلّموا الى الأميركيين على يد قبائلهم. ومن جهة أخرى فإن السعودية تتمدن وتنفتح أكثر على العالم، فالتلفزيون الفضائي كما الانترنت قد سحبت من النظام التربوي احتكاره السيطرة على أذهان الشباب.

  فهل أن ساعة الاصلاح قد أزفت؟ إن أشكال الممانعة عديدة سواء في المؤسسة الدينية أو في أجهزة الدولة وحتى الأمنية منها حيث ترسخ تأثير الجهاديين في تسعينات القرن الماضي، كما لدى قسم من الشعب الذي إضافة الى تغلغل دعوات الحقد فيه يبدو ساخطاً على سياسة واشنطن في العراق أو في فلسطين. وفي هذا السياق تثير دعوات واشنطن الى "الديموقراطية" المزيد من التشكيك، بحسب ما يوضح أحد أعضاء مجلس الشورى: "الى درجة أن الجميع بات مقتنعاً بأن ضغوط الولايات المتحدة تستجيب مصالحها وليس مصالحنا، وهي تساهم في نزع الثقة عن دعاة الانفتاح المتهمين بأنهم عملاء للأجانب".

  كنا في إحدى الاستراحات على بعد حوالى عشرة كيلومترات من الرياض. حديقة واسعة وبعض أشجار النخيل وعشرات الطاولات المجموعة تحت منصة حيث يتكلم محاضراً الدكتور في الاقتصاد عبد العزيز الدخيل. وقد صرح امام المشاركين: "إنها سابقة، فللمرة الأولى تمكنا من "الخروج"، ونحن نعقد اجتماعاً في مكان عام." وقد وقّع معظم المشاركين رسالة، سميت رسالة الـ104، موجهة الى ولي العهد عبدالله في شهر كانون الثاني/يناير. وقد طالب الموقعون بنوع خاص، وهم من الليبيراليين ومن الاسلاميين المعتدلين، بأن يصار الى إجراء انتخابات محلية والى انتخاب مجلس الشورى، وبضمان حقوق المواطنين وحقوق الأقليات إضافة الى حقوق المرأة. وقد ترك النص أثراً مدوياً الى درجة أن ولي العهد قد استقبل وفداً من موقّعي العريضة.

  "نحن ملتزمون في معركة ضد الزمن، وعلينا مواجهة مشكلات تزداد حدة، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً". هذا ما اوضحه المحاضر الذي تحدث عن الفقر وتزايد البطالة وعن قلق الشباب. "كما أننا نخضع لضغوط اميركية هائلة نستطيع الرد عليها بطريقتين: إما بتقربنا من الولايات المتحدة عبر التصريحات الطنانة ونحن نغمس خارج الصحن. وإما يمكننا أيضاً أن نقرر بأنفسنا والشروع في عمليات اصلاحية من أجل المزيد من الحرية ومن حقوق الانسان ومن أجل مكافحة الفساد. فلنفرض قراراتنا حتى وإن تكن محدودة، مثل انتخاب ربع أعضاء مجلس الشورى، وإجراء الانتخابات المحلية الخ. ولتكن لنا الجرأة على التقدم في اتجاه الخطوط الحمر التي يبدو أننا ظللنا بعيدين جداً عن نقطة اجتيازها."



[1] الاعتداء الثاني الذي وقع في الخبر نفذته جماعات أصولية شيعية. إقرأ:

"Les mystères d'un attentat en Arabie saoudite", Le Monde diplomatique, septembre 1997

[2] ـ إقرأ:

" Coup de froid sur les relations avec Washington", Le Monde diplomatique, mai 2002

[3] لقد تعزز الوجود العسكري الأميركي في الخليج ابتداء من العام 1987 في المرحلة الأولى من الحرب العراقية الايرانية.

[4] الأول هو مفكر ليبيرالي، اما الثاني، وهو حالياً وزير الطاقة المائية والكهربائية، فيعتبر ليبيرالياً.

[5]  15/5/2003

 

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 20031© , العالم الدبلوماسي و مفهوم