طبع المقال
تحميل المقال

الشريعة وتحديات الواقع  في نيجيريا

جان-كريستوف سرفان*
JEAN-CHRISTOPHE SERVANT

من المؤكد أنه لن يكون امام رئيس نيجيريا أولوسيغون أوباسانجو، الذي تولى مهماته في 29 أيار/مايو عام 2003، الوقت الكافي للتمتع بإعادة انتخابه. فمن التحديات المتوقعة في وجه هذه الدولة الاتحادية المؤلفة من 36 ولاية، يبدو أن التحدي المتمثل بموضوع الشريعة الاسلامية قد يكون ضاغطاً على مستقبل هذه الديموقراطية الانكلوفونية الهشة القائمة في افريقيا الغربية. ففي الواقع قد تنضم اثنتان من ولايات الاتحاد قريباً الى الاثنتي عشرة التي اعتمدت في شمال البلاد القانون الديني منذ العام 1999، أي سنة غادر العسكريون السلطة [2] . وقد يؤدي هذا التحالف الى إذكاء حالات التوتر الطائفي الناشطة أساساً في هذه الدولة ذات عدد السكان الأكبر في افريقيا والتي أثارت اهتمام العالم أجمع في ربيع العام 2000 إثر ما آل اليه مصير صافية حسيني [3] .

  لكن في الولايات التي باتت خاضعة للشريعة التي عليها يبني الشعب كل آماله لتحسين الوضع الاجتماعي المأسوي، لم تلح في الأفق حتى الآن مؤشرات التغيير المتوقعة. فمدينة كانو، ثالثة مدن البلاد والعاصمة الاقتصادية في الشمال، تواجه صعوبة في التحول "عاصمة الشريعة" في نيجيريا المسلمة والمدينة الرمز للآمال الجسام التي أثارتها الشريعة الاسلامية ولتناقضاتها كما لجهازها السياسي.

 "الحمد لله، ها نحن في دولة ديموقراطية وقد حصل الشعب أخيراً على الحق في الحرية، فالشريعة الاسلامية هي خيارنا جميعاً، وذلك من أجل مزيد من العدالة ومن الوضع الاقتصادي الجيد." بهذه الطريقة عبّر طلاب من جامعة باييرو، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000، بعد أسابيع من اعتماد الشريعة رسمياً في كانو، عن توقعاتهم المفرطة التي أحياها هذا الاجراء. فمنذ كانون الأول/ديسمبر عام 1999 وبمبادرة من حاكم ولاية زامفارا السيد أحمد ساني يريما، المعارض للرئيس أوباسانجو، بدأ تطبيق الشريعة يتخذ حجماً اوسع في شمال البلاد [4] . فتحت ضغط الجماهير الغاضبة اضطر حاكم مدينة كانو السيد رابيو موسى كوانغوازو، العضو في "حزب الشعب الديموقراطي" الحاكم، الى الرضوخ، في 21 حزيران/يونيو عام 2000، والى اعلان التحاق المدينة وولايتها بحكم الشريعة.

  فالنظرة الى الشريعة الاسلامية هي أنها الحل لجميع المشكلات وحتى انها الوسيلة الى تحسين الوضع الاقتصادي. وهذا ما يلخصه بعض الطلاب الشباب بقولهم: "إن هؤلاء الناس هناك، في آسو روك، القصر الرئاسي في أبودجا، يسموننا زعماء الغد، لكن ما الذي يفعلونه لتحسين حياتنا اليومية؟ فما سعيهم الى السلطة الا لوضع يدهم قبل كل شيء على ثروات البلاد النفطية. والشريعة هي التي ستغير كل هذا."وفي الواقع أنه بالرغم من أن السيارات المحلية علقت لوحات معدنية تحمل اسم "مركز التجارة"، ومع أن سوق "كورمي" هو الأقدم في افريقيا الغربية، تبقى كانو المدينة الأكثر تخلفاً في البلاد. فهناك ما يزيد على 65 في المئة من سكانها يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم. وباستثناء شارع المصارف الذي يعزو الكثيرون ديناميته المفاجئة الى تبييض الموال التي ضخها فيها الديكتاتور المتوفى ساني أباشا [5] ، وهو من مواليد كانو، فانها عبارة عن صفوف من الغيتوات البائسة المحرومة من المياه والكهرباء والخاضعة لابتزازات "اليانداباس" (أي الأرذال بلغة الهاوسا) [6] .

  ففي ظل الفيلات الفخمة التابعة للأقلية الانتهازية الحاكمة، ذات الأنوار التي تحوّل ليلها نهاراً، ينتشر بانتظام وباءا الكوليرا والتيفوئيد من المستنقعات التي تملأ الأحياء الشعبية. ولأن مضخاتها تفتقر الى البنزين منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وهذا من المفارقات اللافتة في الدولة التي تحتل المرتبة السادسة عالمياً في انتاج البترول، فإن كانو تؤمن حاجاتها من السوق السوداء التي تسيطر عليها الطغمة الكومبرادورية نفسها. فواحد على اثنين من السكان لا يحظى بعمل ثابت، وحين يجد عملاً في أحد مصانع الزراعة الغذائية أو الكيميائية في المدينة التي يمسك بمعظمها أسماء مسخرة لأشخاص لبنانيي الأصل، فان "البروليتاري الرث" من الهاوسا، الخاضع للسخرة بلا رحمة، يتقاضى أقل من 350 نايرا  يومياً. أي باختصار كما يوضح أحد طلاب الجامعة الاتحادية "لو أن كارل ماركس عاش في أيامنا هذه لأستوحى كتابه "الرأسمال" من شمال نيجيريا!" ومع ذلك فان ولاية كانو، الأكثر سكاناً بين الولايات النيجيرية الـ36 بعد ولاية لاغوس، حيث يقيم ما يزيد على 8 ملايين ونصف مليون نسمة، ثلاثة ملايين منهم في مدينة كانو وحدها، تتلقى سنوياً عشرات المليارات من النايرا من الموازنة الاتحادية... فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني: "أهلاً بالشريعة!"

 رياح الشغف بالشريعة الاسلامية لا تعصف فقط في اوساط المسلمين، بل أنها تطاول المسيحيين في سابون غاري، وهو الجيب المخصص تقليدياً للاتنيات الآتية من خارج كانو حيث الحياة الليلية لا تقل حيوية عن أحياء لاغوس الصاخبة. وإزاء هذا المزيج من الهيجان والانتهازية يبدو يوسف أوزي عثمان، الصحافي المسلم من الاتنية "الايبرية" والذي يقيم في كانو منذ عشرين عاماً، احد القلائل المعبرين عن رأيهم بشيء من الاعتدال، إذ يرى أنه "إذا كان القرآن هو نفسه في كل مكان فان السياسة والشريعة هما توأمان سياميان!". ففي نظر محبذ تطبيق الشريعة هذا، فإن "الحاكم كوانكوازو لم يقرر إقامة الشريعة الاسلامية لا نتيجة نزعة الى التمامية ولا بفعل يقظة اخلاقية، وإنما لأسباب بحت انتخابية. ولا أعتقد أن "أسياد السلطة" ولا "أسياد التجارة" في هذه المدينة يهتمون بأي شكل للمحاكم الاسلامية. فعامة الشعب هي التي ستدفع الثمن لا الفاسدون ولا أولئك الذين يختلسون الأموال العامة."

   وما تغير حتى شباط/فبراير من العام 2003، أي بعد سنتين من البدء بتطبيق الشريعة، هو بنوع خاص الأجواء العامة في كانو التي ترزح تحت حالة من التوتر الغامض. فليالي سابون غاري الصاخبة لم تعد هي نفسها، وإذا كان في امكان الزبون أن يعاقر دائماً الخمرة فإن نوعاً من منع التجول الضمني يفرغ الأرصفة ابتداء من الساعة العاشرة ليلاً حيث تطفأ المولدات الكهربائية. لكن كانو، تبقى في الخفاء والظلام وفية لما اشتهرت به كأكبر مستهلكة للبيرة في الاتحاد. كما أن الدعارة، وهي من الأمور التي تستهدفها الشريعة الاسلامية لم تختفِ هي بدورها، لكنها باتت تمارس في الصالات الخلفية وفي فناءات المواخير بعيداً عن الشارع. وهذا ما يحدث حتى في شارع أبيدي، مركز ثقل الضغط الاسلامي. وهذا ما يبدو بعيداً عن الصورة السلبية التي تروّجها الصحافة الغربية حول "منطقة طالبان النيجيرية" (طالبان لاند)، وبعيداً عن الوعود التي قطعتها السلطة.

  ومع ذلك فإن صاحب احد البارات في شارع أبيوكوتا، وهو من اتنية "أيغبو"، يقر بأنه "يخاف من المجهول" وخصوصاً بعد تظاهرات 13 تشرين الأول/أكتوبر عام 2001، والتي نظمت ضد أعمال القصف الأميركية على افغانستان، لكنها تحولت الى اضطرابات سقط فيها حوالى مئة قتيل معظمهم من المسيحيين على مداخل سابون غاري. وقد اعتبرت الأكثر عنفاً في العالم بين ردات الفعل الشعبية المرتبطة بما جرى بعد 11 أيلول/سبتمبر. ويرى بعض الصحافيين أن هذه التجاوزات الدموية تمت على يد بعض المتطرفين المسلمين من أتباع جمعية "التجديد" وهي طائفة صغيرة أصولية تدعو الى "الجهاد ضد المصالح الأميركية". لكن البعض الآخر يرى أن الذين حرضوا عليها  هم بعض المعارضين السياسيين للحاكم كوانكوازو ساعين في ذلك الى "افساد عهده" عبر تحريك "اليانداباس".

  ففي انتخابات ربيع العام 2003 هذه، كان الاسلام مادة انتخابية أكثر من أي وقت مضى. فالمدينة التي انتخبت في العام 1999 السيد أوباسانجو، أيدت عندها معارضه، الجنرال المتقاعد محمدو بوهاري، وهو زعيم "حزب الشعب النيجيري أجمع"، وذلك بحسب ما يوضح موظف شاب "لأنه مسلم ولأنه سيعيد تطبيق النظام ولأن العاصمة أبودجا تهمِّشنا."

  غير أن الحملات الانتخابية استمرت بالعكس في دعم الرئيس المرشح لولاية أخرى. فعايشة، ذات النزعة الفرنسية والمكلفة الدفاع عن الحكومة في أوساط نساء الريف توضح قائلة: "إن المزارعين غير قابلين لتأثير الجو السياسي المديني وسمومه، وأضف الى ذلك أنه يكفي القليل لارضائهم، الكهرباء وإطلاق بعض المشاريع التربوية"... بحسب المعارضة بعض مئات الآلاف من النيرة في جيوب رؤساء الحكومات المحلية، وفي ولاية كانو منهم أربعة وأربعون، و"جميعهم فاسدون" كما يقر في النهاية الزعيم التقليدي لقرية بايبيجي. فهنا يعود الى الظهور اسلام القرون الوسطى، إنه شمال نيجيريا صفية الحسيني، عالم منازل الطين والفتيات يزوَّجن في الثانية عشرة من العمر، وعالم نزاعات الجماعات التي تسوّى في أجواء المعارك بين القناصة وعالم الأمية المطلقة. إنها نيجيريا أخرى لم تنتظر تطبيق الشريعة الدينية رسمياً كي تمارسها. وتتابع عايشة: "فالاسلام على الدوام كان ينظم الحياة اليومية، من معاملات الإرث الى الطلاق".

  هنا، وبعكس المدينة، لا حاجة لنظام الحسبة للاشراف على احترام الشريعة الاسلامية. فالمسلحون الداعون الى العمل بالقرآن قد استعمروا، في بزاتهم الخضراء المدينة منذ فرض الشريعة الاسلامية. وهم موجودون في كل مكان، يراقبون من أكشاك الحراسة مداخل الأحياء الشعبية. لكن لصالح من يعملون؟ فمن الصعب التمييز بين المجموعات التي تأتمر بأوامر ولاية كانو وتلك التي تعمل لإمام أحد مساجد الأحياء أو لزعيم تقليدي أو حتى لأحد "العرابين" الذين يقبضون من المعارضة. فعلى غرار ما تمارسه الميليشيات الاتنية التي تتزايد في البلاد [7] ، انتهى الأمر بالشريعة في الواقع الى عملية مصادرة خطيرة للسلطة القضائية، فهنا باسم الله "يريد الجميع اليوم أن يصبحوا قضاة حسبة" بحسب ما يوضح الدكتور أمين الدين أبوبكر الذي يرأس "لجنة الحسبة الرسمية". وهنا بالضبط تكمن المشكلة. وبشيء من الاستياء يعترف هذا الرئيس "بأنه جرت بعض التجاوزات." قبل أن يضيف: "لكن الأمور تحسنت الآن."

  أما التجاوات فإن ساني دان اندو قد وقع ضحيتها. فهذا الشاعر الساحر من الهاوسا، وهو نجم المنطقة في موسيقى "كالنجو"، والذي كانت عروضه تدفع في مشاهد استعراضية الى نثر أوراق النيرة عليه، خسر معداته التي دمرها رجال الحسبة في الصيف الماضي أثناء عرض له في فندق "سنترال اوتيل". وبحسب قطاع الطرق الاسلاميين هؤلاء فإن خطيئة دان اندو تكمن في انه تحدى القرآن عندما قدم استعراضه على المسرح. وقد اوضح قائلاً: "لم أسعَ أبداً الى توكيل محامٍ، فاذا رفعت دعوى سيعتقدون أنني أجمع بين الموسيقى والدين وأن إيماني فاسد". وينتهي الأمر بهذا الفنان الى البوح قائلاً: "وفي اي حال لم أسمع بإساءة معاملة الفنانين كما يجري هنا حتى في دول عربية كالسعودية مثلاً. لكن أي نوع من الشريعة هي هذه؟ فأنا أؤيد الشريعة الاسلامية، لكن رجال الحسبة هؤلاء لا يريدون الا مالي."

  وساني دان اندو يقيم في تامبوراوا، البلدة الواقعة على بعد حوالى عشرين كيلومتراً من كانو لجهة زاريا. وهي تبدو نهاراً شبيهة بجميع البلدات المحيطة بالطريق النازلة صوب جنوب الاتحاد. اما في المساء فإن الأجواء تلامس حد انفصام الشخصية. من سائقي الشاحنات من الهاوسا الى أبناء المدينة النازلين من كانو الى الفتيات الاتيات جماعات للاحتفال بعيد ميلادهن الى مجموعات الساهرين السكارى الى المسلمين الماجنين، كلهم يجتاحون الشارع الوحيد في البلدة يتنقلون بين ما يحيط به من  مواخير ونوادٍ ليلية وخمارات. وما بين موسيقى الهاوسا الموقعة على آلات "الهيب توب" الأميركية والراغا الجامايكية، والبيرة والحشيشة وغانيات الجنود والأزواج غير الشرعيين، نجد شبيبة تامبورا تتحدى الشريعة. إنها منطقة محظرة على رجال الحسبة. وامام بعض الموسيقيين الذين حضروا من كاتسينا ليكرموه، يشدد ساني دان اندو قائلاً: "على الأقل هنا يدعونك وشأنك. وفي مطلق الأحوال فان هؤلاء الشباب لا يقومون بأي عمل سيئ فلماذا يتعرضون للادانة، أليس لهم الحق في التمتع بالحياة؟ أليست هذه هي الديموقراطية؟ والله هو الذي يدينهم وليس رجال الحسبة هؤلاء الذي لا يفهمون القرآن حتى."

  والشبه كبير جداً بين أسامة الأفريقي ونموذجه السعودي، إضافة الى لونه الأسود طبعاً. واسامة طبعاً هو من رجال الحسبة. وعندما يسأل عما يعجبه في أسامة بن لادن يوضح بلغته الانكليزية المكسرة: "احبه لأن اميركا تريد أن تقتله ولأنه مسلم". وأسامة الافريقي مع رفاقه الميليشيويين يتمنى "المشاركة في الجهاد، لكن يجب ان يرسلوا الينا طائرة، فنحن وحدنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً، إذ لا مال لدينا. وعلى كل حال، أنا اعتقد أنه لم يعد في وسع أسامة ان يفعل شيئاً لنا". الا أنه في 11 شباط/فبراير الماضي أرسل بطلهم إشارة مهمة اليهم. ففي بيان مسجل نقل صوتياً عبر محطة "الجزيرة" في يوم عيد الأضحى؟ بالذات، ذكر زعيم "القاعدة" للمرة الأولى نيجيريا كأحد البلدان الأكثر استعداداً "لخوض حرب التحرير". وهو ما اعتبره بعض الديبلوماسيين الغربيين الذين التقيناهم في أبودجا "عملا مفبركاً زوّرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية". إنها على كل حال عملية خداع جاءت في وقتها لاجتذاب حكومة أوباسانجو التي التزمت مواقف الدول الافريقية المعارضة للتدخل الأميركي ــ البريطاني في العراق الى جانب إدارة بوش. أضف الى ذلك أنه في ظل الحرب على الارهاب العالمي هناك تفسيرات لم تكشف مثل البترول "الأوف شور" الوفير في خليج غينيا [8] .

  فهل أن الخطر "الأصولي" سيكون إحدى وسائل الضغط التي ستعتمدها؟ فبحسب ما ورد في تقرير رسمي أميركي فإن نيجيريا والسودان هما في افريقيا البلدان "الأكثر إقلاقاً في مجال الحريات الدينية". وبحسب التقرير نفسه تشكل الشريعة "تحدياً بالنسبة الى الضمانات الدستورية والى الحرية الدينية". وعلى كل حال فإن الولايات المتحدة لم توضح فكرتها منذ أن عمد الرئيس أوباسانجو، "المرتد الى اسلامه"، الى الاقرار أخيراً [9] "بالحق الدستوري للولايات في اعتماد الشريعة الاسلامية". كما انها لم تشر الى الأصولية المسيحية المقلقة التي تتمظهر عبر تفشي قطاع الكنائس التبشيرية والعناصرية (من العنصرة)، والتي تنتشر في جنوب البلاد. كما تم أيضاً تجاهل العشرات من الكنائس الجديدة حيث تجري الدعوة أحياناً الى "الجهاد الاسلامي" وهي تنامت في سابون غاري في كانو منذ إقامة الشريعة.

  والأكثر ارباكاً أخيراً هو أن الولايات المتحدة التي سارعت الى الاهتمام بقضية مسيحيي نيجيريا، لا تبدو قلقة، وبنوع خاص، على مصير سائر المؤمنين، فمسلمو الشمال هم ضحية "شريعة تسير على وتيريتين". "لقد تعرض أحد "المبتدئين" من اتباعي لمعاملة وحشية على يد رجال الحسبة، والقرآن يدعو الى السلام والتسامح وليس الى العنف". هذا ما ورد على لسان عمر الـ"مسلم صالح" والمقرب من أمير كانو الزعيم التقليدي والمرشد الروحي في المدينة، وعمر هو "رجل دين" من البوري، وهي طائفة من الهاوسا سابقة للاسلام. وإذا كانت طائفة الجوجو  وهي نوع من العبادة الروحية الفودو في جنوب نيجيريا تتعرض لمضايقات بعض المبشرين "المتجددي الايمان" فان طائفة البوري من جهتها تقع ضحية بعض ناشطي "الدعوة" الذين يهاجمون العلماء الضالين ويذكّون التوتر بين المسلمين في الأحياء الفقيرة [10] ....

  وما يثير الحاكم الوقور رابيو موسى كوانطوزازو هو التدخلات الدولية سواء أكانت أميركية أم غيرها: "مجدداً تلقيت رسالة من احدى الجمعيات الألمانية تطالبني بوقف عقوبات قطع الأعضاء في ولايتي، لكننا لم نعاقب أي مواطن بذلك هنا! وفي أي حال ليست هذه مشكلة كانو، فالناحية الجزائية لا تشكل الا 5 في المئة من قانون الشريعة، والحال أنكم انتم الغربيين تركزون على هذه المسألة وتنسون أن اهتمامنا الحقيقي حالياً هو بمسألة التخلف، وانتم لا يمكنكم التصور في أي حالة وجدنا كانو عندما وصلناها في العام ٩٩٩١".

  الا أنه يبدو أن كانو ومنذ زيارتنا لها في العام 2000 (سنة بدء تطبيق الشريعة) قد غرقت بالأحرى في المزيد من البؤس. فبسبب، أو بالرغم، من القانون الاسلامي أفرغ القطاع المصرفي في المدينة من رساميله وحتى ان ثروات الهاوسا الكبرى قد غادرتها لتتمركز مجدداً في العاصمة الفيديرالية أبودجا. فعالم الهاوسا وجد نفسه واقعاً في فخ شريعته بعدما نبذته الصحافة النيجيرية وأرعب الشركات الغربية وتخلت عنه وكالات التنمية الدولية. ويوضح أحد آخر الأوروبيين في المدينة: "اما في ما يتعلق بقطاع التعليم أو الصحة فإن الوضع مأسوي. فالأطباء المسيحيون قد غادروا المنطقة واقفلوا عياداتهم الخاصة. كما أن الغاء التعليم المختلط في الصفوف وبرنامج "إعادة الأقلمة المحلية" للتعليم قد ساهما  بكل بساطة في مضاعفة المشكلات".

  ويبقى تشخيص الشيخ جعفر عثمان هو أيضاً بلا جدوى: "كنت أعتقد أن البشريعة سوف تطبق بكل دقة تبعاً لتعاليم القرآن وأن الجميع من مسلمي  كانو ومسيحييها سوف يستفيدون من عدالة متساوية. والحال أن 5 في المئة فقط من أثرياء كانو يقومون بفريضة الزكاة، وإذا الشعب اليوم أكثر فقراً من ذي قبل! ففي الواقع أن المال الوحيد الذي يتم توزيعه هنا هو الذي تشترى به الأصوات الانتخابية." والشيخ جعفر هو مؤسس "شركة ابن عفان الاسلامية"، إحدى المدارس الاسلامية الأكثر شهرة في كانو. فيومياً يتقاطر 600 طالب من الصبيان والفتيات، ومن الابتدائي الى الثانوي الى مكان تعلوه مئذنة. وبخلاف المدارس البدائية في المدينة القديمة التي ترسل طلابها "المدجيراي" يستعطون عند تقاطع الطرق، فان معلمي مدرسة ابن عفان يعلمون في آنٍ واحد "القيم الاسلامية والثقافة الغربية".

  والشيخ جعفر عثمان الذي درس في الجامعة الاسلامية في المدينة ثم في الجامعة الافريقية في الخرطوم هو كما يصفه المقربون منه "من الأخوان الجمهوريين" [11] ، فهذا الرجل الأربعيني منتقد "الديكتاتوريات العربية" يعتبر أن على المسلم "أن يمضي حياته مغنياً معارفه". وهو يرى أن حالة صفية الحسيني وامينة لوال "تعود على الأرجح الى أخطاء مؤسفة في الحكم." ففي الحقيقة أن العقلاء قد يخطئون" لكنه يشدد على أنه في المقابل لا يجوز تحميل هذا للشريعة الاسلامية." وبعد ثلاث سنوات من ترحيبه "بسعادة" بإقامة الشريعة في كانو فإن الشيخ يشعر بشيء من المرارة: "لقد خدِعنا، لكن هذا لن يدوم، فيوماً ما سترتد الشريعة ضد أولئك الذي فرضوها، وغضب الله سوف يكون عظيماً، وسيحاسب الشعب أولئك الذين خانوه."

  وفي أيار/مايو عام 2003 حدثت المفاجأة الكبرى، إذ بالرغم من شراء الأصوات سقط الحاكم كوانكوازو أخيراً أمام منافسه من حزب الشعب النيجيري أجمع السيد ابراهيم سيكارو. وهناك نوع من التململ من أن "الشريعة الحق" ستطبق من الآن وصاعداً في كانو. فشعب الهاوسا، وبعد أربع سنوات من الديموقراطية أو بالأحرى من " democrazy " (أي الديموقراطية البلهاء) كما يحلو له أن يسمّي حكمه المدني بمزيج من المرارة والقدرية، يشعر فعلاً أنه تعرض للخديعة والسلب. فلم يكن من شأن الفشل الذي مني به، في انتخابات مزورة، مرشح المعارضة الى الرئاسة محمدو بوهاري الا أن يعزز الشعور بالكبت الذي ولدته هذه الشريعة الاسلامية "التي ترهق الفقراء وتميز الأثرياء". وبشكل أعم ليس هذا الشعور بالكبت الا واحداً من الدلائل المقلقة على الغضب المتصاعد الذي يتغلغل في مجمل البلاد بمختلف طوائفه. والحال أنه من حالة الاستياء هذه قد تبرز الأصوليات الفعلية المسلمة والمسيحية. فبالنسبة الى شعب نيجيري يغرق في الفقر أكثر فأكثر يبقى الدين في الواقع هو الملاذ الأخير، ولا يهم من يفتح هذا الباب، فاليأس يعمي القلوب.



[1] صحافي.

[2] اقرأ:

Joëlle Stolz, "  Les multiples fractures du géant nigérian ", Manière de voir no 51, " Afriques en renaissance ", mai-juin 2000

[3] خكم على هذه المزارعة من الهاوسا بالرجم بالحجارة بتهمة "الدعارة" قبل أن يعفى عنها. اما أمينة لوال، المتهمة الأخرى فإنها تنتظر صدور الحكم. وقد وعد الرئيس أولوسيغون أوباسانجو أنه لن يسمح أبداً بتطبيق هذا النوع من العقوبات في نيجيريا.

[4] اقرأ:

 Lire Murray Last, Politique africaine, no XXX.

[5] الديكتاتور النيجيري الأخير الذي أدت وفاته المفاجئة في العام 1997 الى إجراء الانتخابات الرئاسية في العام 1999 التي انبثقت عنها الحكومة المدنية برئاسة اولوسيغون أوباسانجو.

[6] الهاوسا، إحدى الاتنيات الثلاث الكبرى في البلاد التي يزيد عددها على 250 اتنية، موجودة بنوع خاص في الشمال. وهناك ما يزيد على 50 مليون شخص ينطقون لغتها في الداخل الساحلي. اما الاتنيتان الأخريان الرئيسيتان فهما الـ"يوروبا" (مسيحيون ومسلمون)) في جنوب غرب البلاد والـ"إيغبو" (مسيحيون) في الجنوب الشرقي.

[7] من هؤلاء الـ OPC التي تحل بانتظام مكان الشرطة في شوارع لاإوس، او "باكاسي بويز من الايغبو الذين قاموا باعدامات من دون محاكمة كانت مثار استنكار من منظمات الدفاع عن حقوق الانسان غير الحكومية.

[8] اقرأ:

Offensive sur lor noir africain, Le Monde diplomatique, Jan. 2003 

[9] إذاعة "بي.بي.سي."، لندن، في18/٢/ 2003 .

[10] كما حدث في كانون الأول/ديسمبر عام 1980 مع عملية القمع الدموية التي سقط فيها آلاف القتلى من اتباع النبي "مايتاتسين". وتشهد كانو حالياً تجدد هذا النوع من التبشير الاسلامي.

[11] حركة نشأت في السودان عام 1953 تدعو الى التوافق بين الاسلام والعالم الحديث.

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 20031© , العالم الدبلوماسي و مفهوم