حاجات متزايدة وعرض لاهث على خلفية الحرب العراقية
في أسباب الأزمة النفطية الجديدة

نقولا سركيس *
Nicolas SARKIS

ما هي أسباب الارتفاع الحاد الراهن لأسعار النفط؟ هل هي ظاهرة ظرفية عابرة أم بداية حلقة من الارتفاع المستديم لأسعار الطاقة؟ أو هل هي أخيراً، وكما يخشى البعض، مؤشر إلى صدمة نفطية كبيرة جديدة تنبع من انعدام التوازن في أطوار العرض والطلب؟

تكتسب هذه الأسئلة وهذه المخاوف شرعيتها من كون السوق النفطية دخلت في مرحلة غليان بعد اجتياح العراق في آذار/مارس ـ نيسان/ابريل 2003 والذي أمل البعض على أثره بحصول تزايد سريع للإنتاج العراقي وانخفاض سعر البرميل إلى حوالى العشرين دولاراً. إن الارتفاع الكبير غير المتوقع تسارع في بداية ربيع 2004 أي تحديداً في الفترة التي سجل فيها الطلب العالمي انخفاضه الموسمي بنسبة مليوني برميل يوميا.

التراجع الذي حصل بعد الاجتماع الأخير لمنظمة الدول المصدرة للنفط[1] في 3 حزيران/يونيو 2004 وكذلك الإعلان  عن زيادة حجم الاحتياط الاميركي، لم يبددا المخاوف. فالطلب العالمي مرشح للقفز مجدداً في الأشهر المقبلة والأسباب التي فجرت الأسعار إلى حدود الأربعين دولاراً للبرميل لم تختف أساساً وهي تتعلق بالظرف الجيوسياسي العالمي وبآلية عمل السوق.

لو كان الوضع في العراق مستقراً ولو لم تتعرض السعودية للاعتداءات لما كانت الأسعار بالطبع ارتفعت بهذه السرعة. ففي العراق، أدى انعدام الأمن وأعمال التخريب المتكررة للمنشئات النفطية إلى خفض الإنتاج إلى 1،33 مليون برميل يومياً عام 2003 (مقابل 2،12 مليون برميل يوميا عام 2002 أي قبل الحرب). وبالرغم من ارتفاع الإنتاج إلى 2،3 مليون برميل في اليوم خلال شهر أيار/مايو 2004 فان الإنتاج ما زال دون معدلات الأعوام 1999-2001. 

من جهة أخرى تم تجميد العقود الموقعة أو التي كانت تجري التفاوض حولها مع النظام البائد شركات دولية عدة بهدف استثمار حقول جديدة ومضاعفة الإنتاج في فترة تتراوح بين 6 و8 أعوام. أما السعودية، وهي المصدّر الأول للنفط في العالم، فجاءتها الصدمة من جرّاء الاعتداءات المتوالية في أراضيها لا سيّما تلك التي استهدفت مجمع البيتروكيميائيات والمناطق النفطية.

إن تكاثر الاعتداءات قد ينذر تكرارها في السعودية والعراق أو في سائر دول الخليج بما يستتبعه من اضطراب أو انقطاع متفاوت في تصدير النفط. الفارق الكبير مع ما حدث في 1973 أو 1979 أن الأمر لا يتعلق بحظر لتصدير النفط أقرته الحكومات أو بتغيير النظام السياسي (كما في إيران بعد الثورة الإسلامية) بل بأعمال إرهابية لا يمكن توقعها على الإطلاق تنفذها مجموعات لا اسم لها ولا وجه. والأسوأ من ذلك أن مخاطر الاهتزاز التي يتعرض لها النظام السعودي قد لا تجعله قادراً على الاستمرار في لعب دور رئيسي في تلبية الاحتياجات النفطية العالمية.

في الإجمال، إن التوتر الناجم عن تدهور الأوضاع في العراق والسعودية هو المسؤول إلى حدٍ كبيرٍ عن آخر ارتفاع للأسعار وهو المعروف بـ"زيادة المخاطر" المقدرة بين 6 و10 دولارات للبرميل تبعا للظروف والتي تشمل أيضاً الزيادة في كلفة التأمين ونتائج المضاربات في سوق الأسهم والتي توظف فيها المصارف الكبرى مليارات من الدولارات.

في الواقع تضاعف الضغوط الجيوسياسية والمضاربات من حركة الارتفاع التي تعود جذورها إلى تطور العرض والطلب. ثلاثة عوامل تلفت الانتباه في هذا السياق.

الأول وغالباً ما ننزع إلى نسيانه، هو تأثير النزاعات العرقية والإضطرابات في نيجيريا على الإنتاج النفطي في هذا البلد. كذلك أدى الإضراب الذي أصاب الصناعة البترولية الفنزويلية بالشلل عام 2003 إلى انخفاض كبير في إنتاج النفط في هذا البلد.

الثاني يتعلق بالاختناق الذي تعانيه أعمال التكرير في البلدان المستهلكة الكبرى. فعلى الصعيد الدولي وإثر هبوط معدل الاستثمارات في السنوات الأخيرة لا تتجاوز القدرات الراهنة 83،6 مليون برميل يومياً أي أكثر بقليل من الرقم القياسي المسجل في شباط/فبراير 2004 والبالغ 82،5 مليون برميل. إضافةً إلى أن بنية هذه القدرات لم تعد تنسجم مع تطور الحاجة إلى المواد المكررة. هذا ما يحدث خصوصا في الولايات المتحدة التي لا تستهلك أقل من 9،6 ملايين برميل يوميا وحيث بدأت تظهر إشارات أزمة التموين مع بداية "فصل قيادة السيارات" في أيار/مايو مما تسبب في ارتفاع حاد بالأسعار أدى بالطبع إلى رفع أسعار النفط الخام.  

العامل الثالث كان القرار الذي أعلنته منظمة الدول المصدرة للنفط في 10 نيسان/ابريل بخفض سقف إنتاجها إلى 23،5 مليون برميل يوميا وما لقيه هذا القرار من اعتراضات في الدول الصناعية. أدى ذلك إلى تزايد الضغوط والأسعار. بيد أن دول أوبيك لم تخفض إنتاجها فعلياً وبقي إجمالي العرض كافيا لتغطية الطلب.

هذا ما يبرهن على ضبابية الاحصائيات المنتشرة حول معطيات السوق النفطية. ومهما بدا الأمر مفاجئاً فإن الدول الأعضاء في منظمة أوبيك لا تنشر الأرقام حول إنتاجها الفعلي إلا بتأخير أشهر عدة. يؤدي هذا التعتيم إلى بث الغموض في احتساب الفارق بين حصص هذه البلدان النظرية وإنتاجها الفعلي الذي يتجاوز عموما هذه الحصص. يلجأ العاملون في هذا القطاع والمراقبون إلى لعبة التخفي الغريبة عبر اللجؤ الصعب إلى تعقب ناقلات النفط التي تغادر مرافئ التحميل والتوجه إلى مصادر ثانوية للمعلومات من اجل تقويم حجم النفط المنتج يومياً في البلدان المصدرة قدر الإمكان.  

إن الافتقار إلى الشفافية لا يطال فقط المعطيات الحقيقية للإنتاج بل يعقد أيضاً مشكلة المقدرة على الإنتاج وتقويم القدرات غير المستعملة لهذه البلدان. وتصبح المسألة حيوية عندما يتبين، كما هي الحال اليوم، أن القدرات غير المستعملة ضعيفة في واقع الحال.

بحسب التقديرات الموثوق بها، تصل هذه الإمكانات الاحتياطية إلى ما بين 2،5 و3 ملايين برميل يومياً أكثرها في السعودية في الوقت التي تلجأ البلدان من غير الأعضاء في اوبيك وغالبية أعضاء هذه المنظمة، إلى استخدام كامل طاقتها. يكفي إذن حدوث اضطراب كبير في الصادرات السعودية أو العراقية أو تنظيم إضراب أو وقوع حادث جدي في أحد البلدان الكبرى المصدرة للتسبب بنقص في العرض وبارتفاع جديد في الأسواق. وقد ساهم هذا الخطر أيضاً في الارتفاع الأخير للأسعار لا سيّما أن الزيادة المتوقعة في الطلب الدولي خلال النصف الثاني من العام ستضع على المحك القدرات الإنتاجية الضعيفة المتوافرة.

أما الفجوة السوداء الأخرى في الإحصائيات النفطية فتأتي من الشكوك حول المعطيات التي تنشر بشأن المخزون المؤكد وحول صدقية التوقعات في المدى المتوسط والطويل حول التطور الشامل للعرض والطلب. عندما تُقدِم شركة دولية مسجلة في سوق الأسهم مثل شركة "شل" في فرصة أشهر معدودة على خفض أرقام مخزونها بنسبة الربع، فليس من الغرابة أن تثار التساؤلات حول الأرقام التي تقدمها سائر الشركات الخاصة الكبيرة.

وتحوم منذ سنوات شكوك أكثر جديةً حول الإحصائيات الرسمية المتعلقة بالمخزون المؤكد لروسيا والأعضاء الرئيسيين في منظمة اوبيك، ذلك أن الاحتياط المعلن عنه لا يتم التأكد منه عبر هيئات مستقلة. والمشكلة هنا كبيرة إذ أن الاحتياط المبدئي للشركات الوطنية الثماني الرئيسية في بلدان الاوبيك يبلغ 662 مليار برميل مقابل 57 ملياراً فقط لدى الشركات الدولية الخاصة الثماني. وقد تضاعف القلق مؤخراً مع الجدل الدائر حول تقرير "سيمونز"[2] في خصوص المخزون السعودي والقدرة الفعلية على تطوير احتياط "ارامكو السعودية" والتي تمثل ربع الاحتياط العالمي.

في مواجهة طلب عالمي قد يرتفع من 80،3 مليوناً  إلى ما يقارب 120 مليون برميل يومياً في العام 2005 أي أكثر من ضعف الطلب قبل 30 عاما، هل يمكن للعرض أن يلبي؟ القسم الأكبر من العرض يتكفّله الشرق الأوسط والذي عليه بالتالي مضاعفة إنتاجه لتفادي النقص. في المدى المتوسط إن العقبات سياسية أي ضرورة إيجاد مناخ ملائم للاستثمارات الضخمة المقدرة بـ 27 مليار دولار في هذه المنطقة. وهذا ليس متوافرا اليوم. على المدى البعيد تبقى الورقة المستورة في الشرق الأوسط وسائر العالم معرفة تاريخ الحد الأقصى للإنتاج وبداية تراجعه الذي لا مفر منه.

إن النقاشات التي شهدها المؤتمر الدولي في برلين خلال شهر أيار/مايو المنصرم من تنظيم "جمعية الدراسات النفطية" ASPO لا تبعث على الاطمئنان. فمهما تكن آراء "المتفائلين" أو "المتشائمين" فاكتشافات النفط تتضاءل ولم تعد ذات أهمية كبيرة. حقل ضخم وحيد تم اكتشافه خلال العقود الثلاثة الماضية وذلك في كاشاغان (كازاخستان) وما يكتشف كل عام لا يعوض ما يصرف. فكما نجح في التعبير عنه أحد علماء الجيولوجيا، فإن تصدير النفط بات أشبه بحفلة صيد تمكن خلالها الصياد بفضل التقدم التكنولوجي من تحسين بندقيته في وقت يضمر فيه عدد الطرائد.

واقع آخر يجدر الالتفات إليه: بين 2001 و2005 سيؤدي ارتفاع الحاجات العالمية وانخفاض احتياطي الدول الصناعية وإنتاجها إلى زيادة ارتهان الولايات المتحدة حيال الذهب الأسود المستورد من 55،7 إلى 71 في المئة وأوروبا الغربية من 50،1 إلى 68،6 في المئة والصين من 31،5 إلى 37،2 في المئة من دون أن ننسى سائر البلدان المستهلكة. هذا الارتهان المتزايد في مجال الطاقة الحيوي يفسر "حرب النفط" التي تتواجه فيها الدول الكبرى وشركاتها البترولية من اجل السيطرة على احتياطي الشرق الأوسط وإفريقيا[3] أو آسيا الوسطى، إضافة بالطبع إلى حرب العراق الأخيرة[4].

لهذه الأسباب دار النقاش حول أسباب الارتفاع الأخير للأسعار: أليس نذير صدمة كبيرة قد يتسبب بها عاجلاً أم آجلاً عدم التطابق المتزايد للحاجات مع إمكانات الإنتاج اللاهثة؟

إن تطور هذه الامكانات في السنوات المقبلة مرهون بالاستقرار السياسي وخصوصاً في الشرق الأوسط بقدر ما هو مرهون بحجم الاحتياط المتوافر. وعلى المدى الأطول، فان الاستنفاد البطيء والحتمي للاحتياط يجعل الانتقال التدريجي إلى مصادر طاقة أخرى أمراً لا مفر منه. 

إضافة إلى الاستقرار السياسي، يتطلب هذا الانتقال أسعاراً للطاقة تكون قادرة على جذب الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة والتي تقدرها الوكالة الدولية للطاقة بـ 16480 مليارا (دولار بسعر العام 2000) في الحقبة الممتدة من 2001 إلى 2030 وذلك سواء في الصناعات النفطية والغازية أو في سبيل تطوير مصادر جديدة للطاقة. بهذا المعنى، يمكن القول أن المخاوف التي أثارها الارتفاع الأخير لأسعار النفط قد تكون مفيدة إذ أنها تحرك الثُبات العام الذي تسبب به عرض أكثر من كاف وأسعار لم تتجاوز قياسا بسعر الدولار الثابت رقمها القياسي قبل ربع قرن من الزمن.

* مدير المركز العربي للدراسات النفطية ومدير نشرة "البترول والغاز العربي". 

 

 



[1] تضم منظمة "اوبيك" 11 دولة هي السعودية والعراق وايران والكويت وقطر والامارات والجزائر وليبيا ونيجيريا وفنزويلا واندونيسيا.

 

[2]  السيد ماتيو سيمونز الذي يرأس بنك الاستثمار "سيمونز وشركاه" هو مستشار لنائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ومن الذين اوحوا بسيلسة الطاقة الجديدة في الولايات المتحدة.

[3] Jean-Christophe Servant, “Offensive sur l’or noir africain”, Le Monde diplomatique, janvier, 2003.

[4] |Yahya Sadowski, « Verites et mensonges sur l’enjeu pertrolier », Le Monde diplomatique, avril, 2003.

www.mondiploar.com

ÌãíÚ ÇáÍÞæÞ ãÍÝæÙÉ 2004© , ÇáÚÇáã ÇáÏÈáæãÇÓí æ ãÝåæã