نظرة سياسية إلى الجغرافية
مايو/آيار 2000
"يعيش علم الخرائط على نوع من الالتباس يضعه على مفترق طرق بين العلوم الدقيقة والفن" جان كلود غوشنس
الخريطة ، حين تظهر بشكل قزمي مساحات شاسعة، هي اختزال للواقع أو نوع من الكذب بالصمت. ويتطلب التصوير الرمزي التضحية بجزء من المعلومات: فلا يمكن وضع ما يحدث على مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة على قطعة ورق صغيرة. ويختار صانع الخارطة نظرياً بشكل عقلاني، عناصر يريد إظهارها. وأمام المعلومات، لا بد له من أن يعطي الشمولية وأن يلخص وأن يترك جانباً. وما خريطته النهائية إلا صورة مرشحة، قص برقابته منها أحياناً أشياء مهمة، قدر لها هو أن تكون ثانوية أو مهملة. لقد بسطها كي نتمكن من قراءتها ولكنه وضع فيها طريقته في رؤية العالم وحساسيته.
وهكذا يمكن للخارطة أن تخضع لكل أنواع التلاعب، المفضوح منها والخفي. فهي إذاً في صلب السياسة، تعتبرها السلطة وسيلة أساسية للدعاية. ولنأخذ بعض الأمثلة من العالم العربي. فصبيجة اجتياح قواته للكويت في أغسطس/آب 1990 ظهر السيد صدام حسين على التلفاز مع خريطته الجديدة للعراق التي تضم الكويت معتبراً إياه محافظة عراقية. وحسب زعمه، الجغرافية هي التي تعطيه الحق: فالكويت الواقع عند مصب دجلة والفرات هو "طبيعياً" جزء من العراق... أما المغرب فقد منع لزمن طويل كل المطبوعات التي تظهر فرقاً بين المغرب والصحراء الغربية التي كان يحتلها الإسبان. وكان أية خط ولو منقط بين الأرضين كافياً لمنع المطبوعة من التداول. وفي العالم العربي كله، كان تصوير أو ذكر اسم اسرائيل على خارطة مرادفاً لمنع كامل من النشر. وكان الحل إما تبديل كلمة اسرائيل بفلسطين والغاء كلمة اسرائيل من الفهرس، أو وضع صورة مكان البلد. وكان الأمر حساساً لدرجة أن المديرين التجاريين لدى ناشري الكتب المدرسية الفرنسية كانوا يتدخلون عند مسؤولي النشرة كي يظهر تصوير مناسب للمغرب وللشرق الأدنى، وإلا خسروا أسواقاً كبيرة في بلاد إفريقيا الشمالية الفرانكوفونية.
وعرض الحدود السياسية مغامرة خطرة. ويخطيء المرء عندما يعتقد أن هناك صورة "رسمية" للحدود والتقطيع السياسي للعالم. فحتى مراكز الخرائط لإدارات الأمم المتحدة المختلفة تأخذ حذرها مشيرة على خرائطها أن تصوير الحدود هو تصوير رمزي لا تتحمل الأمم المتحدة مسؤوليته... أما البنك الدولي، ولتفادي الحساسيات، فقد "نصح" حديثاً مراكز إعداد الخرائط عنده بإظهار أية شيء دقيق يتعلق بمنطقة كشمير على خرائط شبه الجزيرة الهندية... وبين وجهات النظر الأقليمية والدولية، لدى علم الخرائط مجالاً واسعاً من الخيارات. فالصين كما تراها الصين لا تتطابق مع الصين كما تراها الهند.
وليس علم الخرائط فقط تصويراً للحدود: فهو أيضاً صورة للعلاقات بين الكائن الإنساني والأراضي التي يعيش فيها. فعبر نظرة واحدة، تمكن الخارطة من فهم منطق تنظيم الإنتشار السكاني ، أبعاد ونتائج النزاعات. فوحدها أمكنت خارطة البحيرات الكبرى التي وضعت عام 1994 بعيد الإبادة الجماعية الرواندية من التحقق عن كيفية اجتياز الجموع الخائفة مئات الكيلومترات في الأدغال قبل استقبالها في مخيمات اللاجئين. وللبعد التاريخي أيضاً أهميته: فلا يمكننا فهم المشاكل الإفريقية دون العوجة إلى قراءة خرائط الاستعمار. كما لا يمكننا فهم التوزع الحالي للتجمعات الأثنية-اللغوية إلا عبر خرائط الامبرطوريات الكبيرة القديمة.
وهكذا ينقي هذا التوجه المزدوج الجغرافي والتاريخي معرفتنا لمشاكل عالمنا المعاصر الكبرى. ويمكننا أن نخطيء أقل عندما نحاول البحث عن تفسير. فتدعونا الخارطة للنظر، مع الابتعاد اللازم، على التطورات الجغرافية والاقتصادية والسياسية. وهي تضع الديكور وتمركز أمكنة اللاعبين، فتساعدنا إذاً على طرح الأسئلة أكثر من تقديمها للأجوبة. وهي تدعونا إلى كثير من التحفظ في تحاليلنا، فالعلاقة بين الظواهر المصورة على الخارطة هي أغلب الأحيان غير دقيقة. والخريطة المنشورة رسالة معقدة وشخصية يقدمها واضعها إلى قرائه. ولنا نحن قراءتها الواعية والنقدية.
فيليب ريكاسيفيتش
على الشبكة
قائمة الخرائط