الموت الثاني لأميلكار
كابرال في الرأس الأخضر
توبياس أنجل*
Tobias Engel
وتنفق السلطة الكثير لتنظيم ندوات دولية ذات تأثيرات مشبوهة على حقوق الإنسان والفقر. فدولة الرأس الأخضر تتلقى بانتظام شهادات رضى من المؤسسات الدولية. وحين يسأل كوادر الحكومة من قدامى المناضلين في الحرب من أجل الاستقلال عن الوضع الاجتماعي الصعب في البلاد (44 في المئة فقراء، 47 في المئة عاطلون عن العمل او عاملون بدوام جزئي) فانهم يحتمون بالتقارير المشجعة الصادرة عن البنك الدولي ويسألونك: "ألم تتطلع على المؤشرات الاقتصادية؟".
اما اسقف براييا باولينو ليفرامانتو إيفورا فيهتف مستنكراً: "تكفي النقاشات المملة والطاولات المستديرة، فلتذهب المساعدات الى الفقراء وليس الى جيوب اولئك الذين باتوا يمتلكون كل شيء! المطلوب عمل فعلي ملموس في اتجاه الفقراء وليس في اتجاه "الأميغينوس" (أي الأصحاب الأنذال). إنه لمن المستغرب أن تقوم كنيسة، هي رجعية بالأحرى (تناضل ضد قوانين منع الحمل والاجهاض)، بتذكير "حزب يساري" بأصول النظام. وقد اختفت كتب أميلكار كابرال عن رفوف المكتبات، كما ان الكآبة والحقد باديان للعيان. ويبدو ان رسالة هذا الثوري الذي اغتيل قد أصبحت طي النسيان: "أولاً كل شيء للشعب وثانياً كل شيء للشعب وثالثاً كل شيء للشعب." ويرى رئيس الحركة المسيحية لجماعة "الرابيلادوس" أن هذا الشعار يعاكس في كل شيء ما يحرك الطبقة الحاكمة: "كل شيء لي". ويبدو أن هناك نوعاً من ذهنية الطبقات التي بدأت تنمو مؤثرة في جميع الأحزاب السياسية: ففي الحزب الافريقي لاستقلال الرأس الأخضر لم يعد "الرفاق" سوى "اصدقاء". ويرى المحامي السيد جوسلينو فييرا أن "فكرة الجماهير الشعبية او الطبقة التي كان كل حزب يدافع عن مصالحها، قد زالت منذ زمن طويل. فهناك مجموعات لها امتيازاتها تتشاطر المصالح الاقتصادية نفسها، قد استولت على الأحزاب السياسية التي عندما تصل الى السلطة لا تختلف في التوجهات السياسية." والمسيرة الشخصية لبعض المناضلين هي خير معبّر. والمحيّرة هي سيرة السيد أنطونيو ليما الذي ادار في سبعينات القرن الماضي "الكاووغويامو" وهي مجموعة التدخل الثقافي الأولى في أوروبا، فقد كان يتغنى بنضال شعبي غينيا بيساو والرأس الخضر. وبعد نجاح لامع في العمل الديبلوماسي أصبح مستشاراً لدى الرئيس بيريس ويبدو راضياً عن المؤشرات الاقتصادية الرسمية. اما الذي انقلبت عنده القيم كلياً فانه "جورج" من جماعة "كاووغويامو"، الذي عرف بقبعة "كابرال" على رأسه وبتسريحته الافريقية وبالنمر الأسود، الضعيف البنية الفارع القامة، السياف المتمكن والمرح، إذ انه أصبح نوعاً من تاراس بولبا. فهو يدير أعمالاً له ويتجول بسيارة تويوتا، وفي عنقه سلسلة وفي يديه الساعة والخواتم الذهبية. كما تغيرت كثيراً أيضاً، "أبوزا"، "الجوهرة السوداء" التي كان يتحدث عنها كابرال. فعندما توجه اليها الاسئلة يمتقع وجهها وتنعكس المرارة في التجاعيد الصغيرة على زاويتي فمها. فهي تتلافى وتخشى ان تفقد بإجابتها موقعها كـ"مناضلة سابقة" والتعويض الذي سوف تحصل عليه قريباً. وفي الانتظار إنها تتمتع بما تتلقاه من دعوات الى الاحتفالات في سفارة البرتغال حيث تتذمر من "الأكل بكثرة". وعلى هذا تعلق إحدى الخادمات بشيء من الأسى: "لقد أزيح المناضلون القدامى اما كابرال فقد اخفي مع الغبار تحت السجاد". بعد الاستقلال فقد الحزب الافريقي لاستقلال الرأس الأخضر تدريجياً رونقه. السيد بيدرو مارتينز، المناضل النموذجي في أثناء الثورة والمعتقل الشجاع لدى الشرطة السياسية البرتغالية في معسكر الاعتقال في تارافال، يقيم في براييا حيث فتح مكتباً للهندسة بعد ان هاجر لفترة الى الولايات المتحدة. شعر فاحم وجبهة عالية وعينان سوداوان ترتجف حواجبهما باستمرار، يتكلم بصوت جهوري هادىء. وهو بكل حذق وبكلمات قليلة يتذكر "حماسته كشاب ثوري والآمال المجنونة بالاستقلال." لكن في الأساس كان هناك برمجة "لابعاد مقاومي الرأس الأخضر في الداخل لصالح رجال ميليشيات حزب "استقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر" الذين وفدوا من غينيا وهم لا يعرفون شيئاً عن واقع الرأس الأخضر. وقد فتحت الفصائل الداخلية أبواب الحزب أمام جميع أشكال الانتهازيين والممتهنين.وكان من شأن الاضطهادات الطائفية واعتقال المناضلين الشباب والعجزة وأعمال التعذيب أن كبحت إندفاعة الثوريين، وهنا أيضاً انكسرت الدينامية." وما يزيد من حدة المرارة بالنسبة الى جميع المناضلين الأوائل، أن الرأس الأخضر هي المستعمرة البرتغالية السابقة التي حققت افضل الانجازات بالمقارنة مع غينيا بيساو مثلاً التي تعتبر من الدول الأقل تقدماً. غير أن وراء الأرقام الرسمية مظالم اجتماعية صارخة. فلقد اندحرت الجهود الاجتماعية في عهود الاستقلال الأولى أمام المنعطف الليبيرالي في تسعينات القرن الماضي ومع انتشار الفساد. وهكذا يروي "الرئيس" من جماعة الرابيلادو "أننا لن نزور الأطباء بعد الآن بسبب الحاجة الى المال. ففي كل مرة علينا أن ندفع بدل الانتقال ذهاباً وإيايباً الى براييا وعندما نقابل الطبيب يعطينا وصفة لا تنفعنا بشيء إذ اننا لا نملك ما نشتري به الدواء. وغالباً لا يشفى الناس لأن وصفة الطبيب تبقى في المنزل، ومعظم الأحيان تفتقر المستشفيات الى الأدوية." لقد أصبحت دولة الرأس الأخضر الى حد ما مسرحاً للنمو الوهمي. فمجمل الناتج المحلي في البلاد والمساعدات الدولية تمر أولاً بين يدي النخبة المتعجرفة والواثقة من نفسها، بينما يعلل الشعب بأوهام المشاريع التي لا تحدد بالشكل الملائم ولا تنجز أبداً. فبناء مستشفى مثلاً يليق بالعاصمة، لا يخضع لأي مخطط تمويلي وهو يؤجل على الدوام. وترى طبيبة الأسنان ماريا لوسيا أن السلطة "ليست مطلعة حتى على حقيقة الوضع الصحي، وهي تجهل تحديداً المخاطر المتأتية عن الإيدز وتترك موظفي القطاع الصحي من دون أي وسائل." ويبلغ قصر النظر أقصاه حين نعلم أن شيئاً لم يحضر لاستيعاب أجور الأطباء الثمانين ودفعها والذين سيعودون في العام 2004 من كوبا حيث أتموا دراساتهم. "لكن ليست المؤشرات الاجتماعية هي ما يهم البنك الدولي." وتبقى النخبة خاضعة لتأثير البرتغال والولايات المتحدة حيث المهاجرون بأعداد كبيرة وذوو نفوذ "التعليم والتلفزيون و هيمنة الشراكات الاقتصادية الخ". تجري في المياه الاقليمية، التي يبدو انها غنية بالنفط إنما عميقاً تحت قعر البحار، أعمال تنقيب على أيدي خبراء أميركيين(2). وهذا ما يجعل السيد مانويل دلغادو، المستشار "الصوري" للرئيس بيريس ورئيس تحرير المجلة الالكترونية "بارالليلو 41" يعتبر البلد "خليجاً فارسياً آخر بالنسبة الى الولايات المتحدة، هو ممر الى البترول". ويتحفظ الرجل عن ذكر ضغوط واشنطن التي قلصت من مساعداتها الغذائية واعادت بعض سجناء الحق العام الى براييا التي باتت سجونها تغص اساساً بالمعتقلين. وهو يكتفي بالتعليق بهدوء: "لا يمكن السباحة بعكس تيار "سياسة الخليج". يجب ان نعرف كيف نسبح في الاتجاه الصحيح".* صحافي وسينمائي.
[1] كانت الرأس الأخضر، مع غينيا بيساو الواقعة في القارة، تشكلان جزءاً من غينيا البرتغالية. وقد استقل الاقليمان بشكل منفصل: غينيا بيساو في 24/9/1973 والرأس الأخضر في 5/7/1975 وكان يحكم البلدين الحزب من اجل استقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، الحزب الوحيد الحاكم. وقد حدث الانفصال حين عمد السيد نينو فييرا، القائد المميز للميليشيات، عندما تولى رئاسة الوزراء، الى الاطاحة بلويس كابرال في انقلاب قام به في العام 1980.
[2] اقرأ:
Jean-Christophe Servant, “Offensive américaine sur l’or noir africain“, Le Monde diplomatique, janvier 2003.
| www.mondiploar.com |