طبع المقال
تحميل المقال


إنقسامات وآمال في "أوروبا الجديدة"

كاترين ساماري*
Catherine Samary

لقد قرأت مؤخراً رأي جنرال بولوني مسؤول عن المنطقة التي نحتلها. وهو يعتقد ان "العراقيين" لن يحبونا طالما نحن لم نحل مشاكل العمل والصحة والادارة. ومن هنا السؤال المطروح: لماذا بدلاً من الذهاب الى هناك، لا نبدأ بحل هذه المشاكل عندنا؟". إن وزير العمل السابق الشعبي، جاسيك كورون، كان احد المثقفين البولونيين النادرين الذين اتخذوا موقفاً معارضاً للحرب على العراق(1). وهو يعترف بأنه "فوجئ" بدعم الرئيس والحكومة في بولونيا للولايات المتحدة فيقول: "إنهم ربما يسعون الى تحقيق بعض المكاسب السياسية على المدى القصير، إلا أن هذا لا يبرر المشاركة في هذه القصة المشينة."

  وعلى الأرجح تعبّر وجهة النظر هذه عن رأي غالبية الآراء الشعبية التي كان من المفترض أن تمثل بهذه المواقف المتخذة، سواء في بولونيا ام في مجمل "أوروبا الجديدة" هذه التي ينظر اليها كحليفة للولايات المتحدة(2). وما يشهد على ذلك هو هذا التباعد في المواقف من مسألة الحرب على العراق بين هذه المجتمعات وزعمائها الحاليين وأيضاً المقاطعة الكثيفة للاستفتاءات حول الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.

  وفي الواقع عمقت الحرب على العراق الهوة التي أحدثتها حرب كوسوفو قبل أربع سنوات، إلا في بولونيا، بين شعوب دول أوروبا الشرقية وحكامها، وكان بعضها (بولونيا وتشيكيا والمجر) قد انضم حديثاً الى حلف الأطلسي(3). ففي شباط/فبراير عام 2003 عارضت الشعوب في مجمل الدول المرشحة للإنضمام الى الاتحاد الأوروبي، بمعدل 75 في المئة، التدخل العسكري في العراق بدون قرار من الأمم المتحدة. وحتى مع فرضية صدور قرار عن مجلس الأمن ظلت نسبة معارضة التدخل متفوقة (49 في المئة مؤيد مقابل 42 في المئة معارض)، بعكس الرأي العام في أوروبا الغربية (38 في المئة معارض مقابل 57 في المئة مؤيد)(4). وهكذا فان "رسالة الثمانية" و"إعلان العشرة"(5) وفيهما تأييد للحرب التي خططت لها الولايات المتحدة لم يعكسا لا رأي الشعوب ولا حتى نتائج المداولات البرلمانية.

  ومما يرويه عالم الاقتصاد، لازلو اندور، رئيس المجلس العلمي "أتاك ـ المجر" مثيراً موضوع توقيع المجر "رسالة الثمانية" أن "رئيس الحكومة بينر مدجييسي قد وقّعه بالأحرف الأولى خلال رحلة له الى اليونان. وبعودته الى البلاد اضطر الى تقديم إيضاحات حول سبب موافقته على وثيقة تؤيد الحرب بدون ان يستشير مجلس الوزراء والبرلمان في حين كان يعرف أساساً موقف كل من فرنسا وألمانيا كما الرفض الشعبي المتنامي للتدخل والذي بينته استطلاعات الرأي في المجر. فزعم أنه حصل على "تعديل طفيف" في الرسالة التي لم تكن إعلان حرب... فأكد أن الجنود المجريين لن يشاركوا في القتال في العراق. أما الضجة التي أثارتها هذه القضية فقد بلغت حداً أدى الى تعيين مستشار جديد للأمن القومي."

  وكتب البروفسور اغدوناس راسيوس أن "حكومات دول البلطيق لم تواكب إرسال قواتها الى العراق بأي نقاش حكومي او عام، ذاك انه جاء كنوع من "الولاء" للولايات المتحدة"(6). وكذلك فإن البروفسور راستكو موكنيك، من جامعة لوبليانا، يحدثنا عما اثاره توقيع سلوفينيا من "ارتباك ونقاش سياسي واسع"، فالعريضة التي وقعها تؤكد أنه "ما من فريق سياسي في سلوفينيا يملك الحق في جر البلاد الى حرب عدائية" وتطالب بأن "تسحب الحكومة دعمها إعلان وزراء الخارجية العشرة في حكومات أوروبا الشرقية".

  فمن سلوفاكيا الى المجر، ومن الجمهورية التشيكية الى بولونيا جاءت الاحتجاجات على مختلف أشكال دعم الحرب، ثم الاحتلال، تتجاوز بكثير إطار استغلال مختلف أطراف المعارضة موقف خصومهم الضعيف. فالزعماء التشيكيون والسلوفينيون والكرواتيون قد عارضوا رسمياً وجود بلادهم على لائحة الدول "الحليفة". فيما انقسم آخرون علناً كما حدث في رومانيا وبلغاريا.

  والحقيقة أن الضغوط على الأعضاء الجدد والعتيدين في حلف الأطلسي كما في الاتحاد قد اختلطت بالمصالح والسياسة الخارجية وبـ"إعادة تأهيل" الكوادر السابقة من الدوائر الشيوعية.

  فمثلاً، بات من المعروف أكثر فأكثر دور "مفوض" الولايات المتحدة الذي لعبه السيد بروس جاكسون(7) وهو رئيس لجنة تحرير العراق وقد نجح في ضم العديد من شخصيات أوروبا الشرقية اليها، ونائب رئيس شركة تصنيع السلاح "لوكهيد ـ مارتن" وفي الوقت نفسه مهندس توسيع نشر قواعد حلف الأطلسي في المنطقة، ورئيس مشروع العصر الأميركي الجديد الصادر عن اليمين الأميركي من المحافظين الجدد بعد أن كان خدم في وزارة الدفاع. وهو بنوع خاص الذي فاوض بولونيا على "صفقة العصر" لبيعها 48 طائرة مقاتلة من نوع "أف ٦١" من تصنيع شركة "لوكهيد ـ مارتن". وفي الواقع موّلت الولايات المتحدة بنفسها هذا "الاتفاق"، فعملية الشراء هذه تم "التعويض" عنها بواسطة قرض وبشراء البضائع البولونية بمبالغ تصل قيمتها الى 12 مليار دولار(8).

  فلا عجب إذن إذا كانت بولونيا، الدولة الوحيدة في أوروبا الشرقية التي انضمت الى التحالف الذي قاده السيدان جورج دبليو بوش وتوني بلير، قد تولت قيادة القوة المتعددة الجنسية في المنطقة الجنوبية الوسطى من العراق. وربما حظيت بـ"العرفان" مع تعيين رئيسها، الشيوعي السابق الكسندر كوازنيوسكي، على رأس حلف الأطلسي ومع نقل أربع قواعد أميركية من ألمانيا الى بولونيا. وهناك زعماء أوروبيون شرقيون آخرون، وعلى غرار العديد من زعماء اوروبا الغربية، قد فتحوا أراضيهم وأجواءهم امام العمليات الأميركية أو أرسلوا بضعة مئات من الجنود لحماية ديبلوماسييهم والعمليات المسماة إنسانية، وهم لا يفوتهم بالطبع أن يشجعوا شركاتهم على المفاوضات الجارية حول "إعادة بناء" البلاد.

  غير ان التظاهرات، وضمناً تلك التي جرت ضد الشرطة العسكرية التشيكية التي جاءت تؤمّن الحماية للمستشفى الميداني في البصرة، والاعتداءات على قوات الاحتلال وعلى الأمم المتحدة، قد أخمدت حالات الحماسة. أما بالنسبة الى القواعد الأميركية التي أقيمت في اوروبا الشرقية فان الآراء التي اعتبرتها في الأساس نوعاً من مساعدة للاقتصاد المحلي قد باتت أكثر فأكثر ترى فيها  نوعاً من الدفع الى الأعمال الانتقامية.  ففي 15 شباط/فبراير عام 2003 نزل الى الشوارع في بودابست خمسون الف شخص تلبية لدعوة حركة المواطنين من أجل السلام في المجر، لكي تمنع أي شكل من أشكال المساعدة في الحرب ولإقفال قاعدة تازسار العسكرية، التي ستغلق في المناسبة مع بداية التدخل العسكري...

  وقد جاءت مسألة زيادة الانفاقات العسكرية فيما يجري خفض الانفاق على الصحة والتربية، ليطرح بدوره قضية المعايير، النظرية، في معاهدة ماستريخت وفي البناء الليبيرالي في أوروبا. فالرأسمال الأجنبي، الذي لا يميل كثيراً الى دعم الوظائف والخدمات العامة، يتحكم بقوة بالأنظمة المصرفية في أوروبا الشرقية منذ نهاية تسعينات القرن الماضي (وحدها سلوفينيا قاومت هذا المنطق المفروض من المفوضية الأوروبية). أما التوظيفات البنيوية، التي تحتل الباب الثاني في الموازنة الأوروبية بعد الزراعة والتي يفترض بها أن تعوض آليات نظام السوق ومساعدة المناطق الأكثر فقراً، فقد باتت محكومة بسقف ومشروطة بالتمويل المشترك. وبالنتيجة فإن خفض أعمال التمويل العام وسعي الاعتمادات الخاصة الى الربح، قد جعلا المساعدة تخصص للمحظوظين أكثر.

  وربما تشكل بولونيا واسبانيا جبهة واحدة حول موضوع العراق وحول معايير التمثيل داخل الاتحاد. لكن إذا ظلت موازنة هذه الأخيرة على حالها، ونسبتها ادنى من 1.27 في المئة من مجمل ناتجها المحلي(9)،  فان منطق إعادة التوزيع، الضعيف جداً أساساً، سيزداد ضعفاً كلما كان الأعضاء الجدد أكثر فقراً. وهكذا فان اسبانيا سوف تخسر تقريباً كل التمويلات الأوروبية التي حصلت عليها حتى الآن في الوقت الذي ينظر في خفض المبالغ الممنوحة (ينال المزارع البولوني في البداية ما نسبته 25 في المئة مما يحصل عليه المزارع الفرنسي).

  ومما يقال في بروكسيل انه ليس هناك رغبة في تشجيع الابقاء على "الاستهلاك الذاتي غير المنتج". وعلى كل حال، فان قطع الأرض تبقى حزام الصمود الوحيد حين تلتغي الخدمات الاجتماعية التي كانت توفرها سابقاً الشركات الكبرى. وفي الواقع فان المستهدف في الإلغاء هو مجمل أشكال الحماية الاجتماعية، كما حدث في القرن التاسع عشر وذلك كي تنهض طبقة أجيرة "فعلية" مرتهنة لوضع "مرن" قاسٍ. وهذا ما تعمل على تطبيقه قوانين العمل الجديدة. ومن هنا تزايد الفقر في حين هناك إدعاء بالعمل على "استدراك" الوضع.

  وإذا كان الأمر مجرد سعي الى إقامة سوق ليبيرالية كبرى في اوروبا الشرقية، فما الفائدة من عملية التوسيع التي تفاقم من مشكلات الاتحاد؟ فقد بات أمراً واقعاً في هذه الدول الانفتاح التجاري وإلغاء الحمايات الاجتماعية وبيع الشركات الفضلى وإعادة التموضع. وهذا ما جعل بروكسيل تتأخر في الشروع في المرحلة الرسمية من المفاوضات التي لم تبدأ مع الفوج الأول من هذه الدول(10) الا في العام 1998، وليس بفعل ما تحقق من نجاحات في الدول المعنية، بل نظراً للذكرى العاشرة لسقوط جدار برلين. ففي العام 1998، وبعد سنوات من انخفاض النتاجات الاجمالية المحلية، تمكنت دولتان فقط من العودة الى مستواها في العام 1989 وإحداهما بولونيا التي راحت بعدها تشهد تراجعاً في معدل نموها...

  ويلفت عالم الاقتصاد المجري المناهض للعولمة لاسزلو أندور الى أن "النخب السياسية الجديدة في الشرق كانت تخشى أن يشكك في وضعها. ومن أجل تعزيز التحولات المتحققة أرادت الالتحاق في أي شيء بالغرب، بحلف الأطلسي أو بالاتحاد الأوروبي، لا هم، شرط ان يكون اول وافد من المجتمع الأورو ـ أطلسي." وبغية العمل على تأخير المرشحين للانضمام تمسكت قمة كوبنهاغن في العام 1993 ببعض المعايير مثل التعددية السياسية واقتصاد السوق "الكفيلة بمواجهة المنافسة" وإنجاز "الشروط المكتسبة الاتحادية"(11). غير أن التطبيق الفعلي لهذه المكتسبات، بحسب ما يعتبر اندور، استدعى في الواقع عملاً انتقائياً بحيث ان الوعود الأولية بالانفتاح على الشرق لم تتحقق الا مع دولة او اثنتين اعتبرتا بمثابة واجهة".

  أما القمة الأوروبية التي انعقدت في كانون الأول/ديسمبر عام 1999 فهي التي شكلت المنعطف في اتجاه "الحدث الكبير". فقد تقرر أن انضمام مجمل المرشحين أمر "حاصل" لكن لم يحدد له وقت. الا أن تطبيق معايير كوبنهاغن بدأ يخف شيئاً فشيئاً، فالميزان التجاري مع الاتحاد في الدول المرشحة للدخول اليه، هو في حالة عجز ولا يمكنه "مواجهة المنافسة"، و"المكتسبات الاتحادية" غير محددة ومتحركة في ما خص السياسة الزراعية المشتركة والصناديق البنيوية، وهما الرهانان الأساسيان في المفاوضات النهائية. اما على الصعيد السياسي فان تصاعد حالات المقاطعة والتيارات المعادية للأجانب(12) التي زادت من حدتها نتائج حرب حلف الأطلسي على يوغوسلافيا، قد سرع عملية الانعطاف.

  وبالاضافة الى "الحدث الكبير" كان من المفترض بميثاق الاستقرار لجنوب شرق أوروبا، الذي وضع في حزيران/يونيو عام 1999، أن يساعد حكومات المنطقة، التي تزايد اهتزاز وضعها، مشكّلاً ما يشبه مدخلاً للاتحاد الى "دول غرب البلقان"(13). كانت المقاربة الاقليمية ضرورية خوفاً من مفاقمة عملية بلقنة معممة والاضطرار من أجل فرض الاستقرار الى الاستعانة مجدداً بأعمال القوات الجوية الأميركية. هذا ما رآه السيد أندور الذي نظم في شهر آذار/مارس الماضي في بودابست المؤتمر الأول في اوروبا الغربية لشبكة من علماء الاقتصاد من اجل وضع سياسة اوروبية مختلفة(14)...

  لقد انتقلت اوروبا الغربية مباشرة من الرقابة والارتباكات البيروقراطية في نظام الحزب الواحد السابق، الضامن اجتماعياً على الأقل، الى الارهاب الفكري والرأسمالية المتوحشة التي حملتها العقائد الليبيرالية. وفي عملية التحول المؤلمة هذه بدا الاتحاد الأوروبي مصدراً لضبط الأمور، إنما أيضاً حاملا للامل في تلاقٍ جديد على مستوى القاعدة.

  فالسيد بيتر اول، المناضل التشيكوسلوفاكي السابق من اجل ميثاق الـ77، والخصم العنيد لحلف الأطلسي والمؤيد المتحمس للانضمام الى الاتحاد، يبدي ارتياحه قائلاً: "إن الحرب في العراق قد أبرزت الروابط بين شعوب اوروبا الشرقية واوروبا الغربية". ففي صحيفة "برافو" حيث يكتب المقالات الافتتاحية، وصف توقيع السيد فاتسلاف هافل "رسالة الثمانية" في حين أنه لم يتبقَ له إلا أيام من عهده الرئاسي بالعمل "الاجرامي". وهو يعتبر ان البناء الأوروبي وسيلة "لتطوير الحقوق التي اعترف بها المجلس الأوروبي". وهو الذي فضح "مسؤوليات التشيكيين" في انقسام الاتحاد التشيكوسلوفاكي يحارب القوميين المتشددين، ومما يقوله لنا "ان حملة الحزب الشيوعي التشيكي على الاتحاد الأوروبي سلبية جداً ذاك انها تعتبر ان الألمان، والأجانب يشكلون خطراً."

  والسيدة آنا ساباتوفا، الناطقة سابقاً باسم ميثاق الـ77 والتي انتخبها مؤخراً البرلمان التشيكي كوسيطة مساعدة، ترفض ايضاً هذه القومية فتقول: "لا يمكنني ان أتصور بديلاً من الانضمام". وهي إذ تتحسس حالات التراجع الاجتماعي الجارية منذ العام 1989، تشدد في كل حال على تطور الذهنيات: "في ما مضى، كان التلفظ بكلمة "تضامن" يعتبر فظاظة من قاموس "ذهنية المستفيدين". اما الان فقد بات بالامكان انتقاد حالات الاستبعاد التي تطال الأكثر فقراً وإلغاء المساعدات الاجتماعية بطريقة عقلانية". وتضيف: "ما اعلمه هو أن الانضمام لن يكون له إلا نواح حسنة، لكنني لا أفهم كيف يمكن تغيير العالم بطريقة معزولة. فالكثير من الأمثلة داخل الاتحاد يمكن ان تساعد في الصمود هنا."

  ويعتبر تاماس كراوس، المناضل في المؤتمر الاشتراكي المجري أن هذا "هو أقل الخيارات سوءاً. ففي مواجهة اليمين الكاره لأوروبا نملك هامش مناورة اوسع من أجل الدفاع عن الأقليات القومية (وخصوصاً الروم) والجنسية في إطار الاتحاد، ومزيد من إمكانات التعاون النقابي." ويضيف مبتسماً: "لقد اكتشف الوفد المجري الى المؤتمر الاشتراكي المنعقد في فلورنسا أن في الامكان رفع الأعلام الحمراء من دون الذهاب الى السجن." ويخلص الى القول أنه بالاجمال "على مدى ثلاثة عشر عاماً كنا في الخارج مستعمرين أكثر مما يمكن أن نكون عليه في الداخل".

  وتبين الصيغة مسؤوليات الاتحاد في الرأسمال المتوحش الذي نشرته النخب الحاكمة في أوروبا الشرقية وقد استفادت منه. وهذا ما جاءت تعبر عنه بعض "اللاءات"في الاستفتاء على الانضمام. غير أن غالبية هذه اللاءات قد أتت من اليمين المتطرف القومي المعادي للأجانب والذي يجد صدى له غالباً بين الفئات الأكثر حرماناً أو لدى غلاة الليبيراليين من التاتشريين أو السياديين (مثل حزب الرئيس فاتسلاف كلاوس في تشيكيا). اما عصبة العائلات البولونية، وهي من اليمين الكاثوليكي المعادي لأوروبا (بالرغم من مواقف البابا)، فانها فضلت اقتراح انضمام بولونيا الى اتفاق التبادل الحر لدول أميركا الشمالية (ألينا) على الانضمام الى الاتحاد(15)!.

  ويلفت البروفسور نيكولا باردوس-فلتورونيي الى انه من مختلف الاتجاهات "يطرح معدل المقاطعة المرتفع جداً الكثير من التساؤلات من دون أن يأتي بإجابات واضحة. لكنه يبدو مرتفعاً بنوع خاص في المناطق ذات الدخل المتدني او المتوسط . والحال انه في "الك"، إحدى المناطق المنكوبة أكثر من غيرها في بولونيا، انعقد في شباط/فبراير عام 2003 احد هذه المؤتمرات الاشتراكية الذي جمع بنوع خاص جمعيات العاطلين عن العمل والنقابيين. "إن ممثلي بلدنا طالبوا بحق الفيتو في ما خص القضايا الاجتماعية، غير ان هؤلاء الناس لا يتكلمون باسمنا". هذا ما قاله مغضباً السيد بيوتر إيكونوفيتش أحد منظمي هذا المؤتمر والذي صوت على اقتراح يدعو الى اوروبا اشتراكية. غير أن المقترحات البديلة لبناء ليبيرالي في اوروبا، منقطع عن اليمين الديني والقومي، كانت قد بدأت بالظهور.

  ويشدد السيد ميشال كوزلوفسكي، ناشر مجلة "بيز دوغماتو" (بدون عقيدة) البولونية المعادية جداً لرجال الدين على أن "الاتحاد الأوروبي يبقى هو الزاوية الوحيدة في العالم الذي لا يزال يحتضن اكثر ما يمكن من العلمانية كما الحقوق الاجتماعية والمدنية". ويتابع مؤكداً تردده: "إن شروط الانضمام تشكل فضيحة." وفي أي حال "فان انضمام بولونيا يعتبر  تحدياً". هذا ما يضيفه جاداً وممازحاً في آنٍ معاً، لأنه يخشى، وعلى غرار أنصار المرأة البولونيين "نفوذ اللوبي الديني التابع للبابا في بروكسيل".

  وكانما هو يردد كلامه، احب المؤرخ البولوني مارسان كولا أن يذكّر برأي الذين اعتبروا أن "بولونيا كانت على الدوام في اوروبا، فعلى الاتحاد أن ينضم الى القيم البولونية". وهو بالعكس ينتقد الكلام السائد الذي يعتبر الماضي الأوروبي لبولونيا وهماً ويتناسى "موقعها الحدودي" بالنسبة الى اوروبا الغربية.

  ويوضح هذا المؤرخ أنه أساساً وفي ظل النظام السابق في سبعينات القرن الماضي كان الزعيم الشيوعي ادوارد جيريك  "قد فتح نافذة على الحياة الغربية عبر سياسة الاستيراد التي انتهجها". ولكن في عهد سوليدارنوسك "ظلت البطالة أمراً غير مطروح ولا أحد كان يفكر في الخصخصة". ومن هنا نشأت هذه المفارقة". ففيما كانت الحركة النقابية في أساس التحولات، فقد اختفت كلياً تقريباً وخصوصاً في الشركات الخاصة. وقد خاب أمل الناس بأوروبا بعد سقوط الشيوعية، فهم راحوا يتذكرون المساعدات التي جاءتهم في ثمانينات القرن الماضي ويعتقدون أنهم ما إن "يتحرروا" حتى يستقبلون بالترحاب. ويخلص الى القول:"ولذلك فان نظرتهم الى الماضي الشيوعي أيجابية أكثر مما كانت عليه في العام 1989"(16).

 وعندما سئل عن رأيه الخاص في ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي لخص البروفسور كونا تماماً الصراعات والمخاوف القائمة هناك، وخصوصاً إزاء طلب إغلاق الحدود البولونية مع جيرانها الشرقيين والتهريب عبر الحدود: "إذا كان يجب الاختيار بين الانضمام الى الاتحاد أو التواجد مع بيلاروسيا برئاسة الكسندر لوكاتشينكو، فأنا أصوت لصالح الاتحاد. لكني أشعر بالقلق، وأولاً إزاء خطر قيام جدران جديدة بيننا وبين "أوروبا شرقية" جديدة يكون مواطنوها عرضة للكراهية إذ يعتبرون هم بدورهم "اوروبيين سيئين".



* أستاذ محاضر في جامعة باري-دوفين، شارك في تأليف:

Conflits yougoslaves de A à Z, L’Atelier, Paris, 2000.

[1] من مقابلة في:

Zycie Warszawy, Varsovie, 4 septembre 2003

[2] حول نظرة شعوب اوروبا الوسطى ونخبها الى الولايات المتحدة راجع:

Nicolas Bardos-Feltoronyi, “Le centre de l’Europe et la guerre en Irak“, La Revue nouvelle, Bruxelles, mai-juin 2003.

[3] المرجع:

Catherine Gousseff, “L’effet Kosovo sur les nouveaux partenaires“, Courrier des pays de l’Est, n°1001, janvier 2000 et François Guilbert, "L’OTAN, d’un élargissement à l’autre“, in Edith Lhomel (ed.), L’Europe centrale et orientale, dix ans de transformations (1989-1999).

[4] المرجع:

Le Monde du 1er février, qui titrait pourtant: Les pays de l’Est justifient leur fidélité aux Etats-Unis ?…

[5] وقعت "رسالة الثمانية" في 30 كانون الثاني/يناير من جانب رئيسي الوزراء البولوني والمجري والرئيس التشيكي (قبل أيام من انتهاء عهده)مع رؤساء حكومات اسبانيا وبريطانيا والبرتغال وإيطاليا والدانمارك. اما "إعلان العشرة" فقد وقع في 5 شباط/فبراير عام 2003 من جانب زعماء ألبانيا وبلغاريا وكرواتيا واستونيا وليتوانيا وليتونيا ومقدونيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا.

[6] راجع:

The Baltic Times, Vilnius, 18 septembre 2003.

[7] راجع بنوع خاص:

The Baltic Times,15 novembre 2001, International Herald Tribune, 20 février 2003; Radio Free Europe, 10 février 2003.

[8] راجع صحيفة "ذي غارديان" (The Guardian) في 12/6 و 16/5/2003

[9] في الولايات المتحدة تشكل الموازنة 20 في المئة من مجمل الناتج المحلي.

[10] الدول الخمس الأولى هي سلوفينيا وبولونيا والمجر والجمهورية التشيكية وأستونيا. أما الفوج الثاني فقد جمع ليتوانيا وليتونيا وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا.

[11] راجع:

“L’adhésion coûtera cher à l’Est“, Le Monde diplomatique, juin 2000

[12] راجع:

Jacques Rupnik, “L’Europe du Centre-Est entre quête de stabilité et tentation populiste“, in Etudes du CERI, n°81, décembre 2001.

[13] راجع:

دول الاتحاد اليوغوسلافي سابقاً (ما عدا سلوفينيا)، وألبانيا، إنما أيضاً رومانيا وبلغاريا وقد أرجئ انضمامها الى العام 2007.

[14] المقصود الشبكة الموضوعية:

Ex-Républiques yougoslaves (sauf la Slovénie), Albanie, mais aussi Roumanie et Bulgarie, dont l’adhésion a été repoussée à 2007.

EPOC (http://www.epoc.uni-bremen.de/home.htm)

[15] راجع:

Jean-Michel De Waele (ed.), La Pologne et l’intégration européenne, Université de Bruxelles, 2003, p.66.

[16] أكثر من 70 في المئة من البولونيين يقوّمون بشكل إيجابي سنوات جيريك.

Plus de 70 % des Polonais apprécieraient positivement les années Gierek.

www.mondiploar.com

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم