طبع المقال
تحميل المقال


على أساس أزمة اجتماعية وكيانية
مناورات سياسية كبرى حول الفرنسيين المغاربة

كريم بورتال*
Karim Bourtel*

في الخامس من أيار/مايو عام 2002، كان شبان فرنسيون يحتفلون، في ساحة الجمهورية، حاملين أعلاماً جزائرية ومغربية، هاتفين للسيد جاك شيراك الذي أعيد انتخابه رئيساً للجمهورية. وبعد أيام قليلة كانت السيدة تقية سايفي تدخل الحكومة الجديدة كوزيرة دولة للتنمية المستدامة، كما السيد حملاوي مكاشرة كوزير لقدامى المحاربين. والأولى هي بنت مهاجر جزائري اما الثاني فهو ضابط جزائري سابق في الجيش الفرنسي.

  ومع ذلك لم ينتخب أي فرنسي مغربي في العام 2003 نائباً في فرنسا، وفقط ثلاثة منهم احتلوا مواقع في البرلمان الأوروبي. وأي إجراء من شأنه أن يصلح هذا "الخلل الديموقراطي" ينتهك "المبادئ الجمهورية.  فأقل ما يتوقعه الفرنسيون المتحدرون من المهاجرين المغاربيين من الأحزاب السياسية، وبدون أن يبنوا اي أوهام حول خلفياتها الانتخابية، هو اعتراف صريح بمواطنيتهم وليس فقط في الخطابات.

  فعلى يمين الساحة السياسية هناك بعض الأحزاب التي غازلت أحياناً الجبهة الوطنية من أجل الفوز برئاسة منطقة أو بلدية تعبر عن اهتمام جديد بهذه الفئة من الشعب. ففي لغة الحسابات الانتخابية يبدو أن "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" (UMP) بات بحاجة الى الناخبين الفرنسيين المغاربيين.

  وهذا على الأرجح ما يجعل الغالبية الحالية تبرز، ليس فقط وزيريها "العربيين"، بل أيضاً مستشاريها التقنيين مثل السيد عمو فرحاتي مستشار السيدة سيفي والسيد رشيد مكران في وزارة الدولة لشؤون الشركات الصغرى والمتوسطة، والسيدة رشيدة داتي في وزارة الداخلية والسيد حكيم القروي عند رئيس الوزراء. هذا من دون تناسي امناء السر الوطنيين الخمسة في الحزب (من أصل واحد وثمانين). والبعض يعتمد عليهم لتوضيح التوقعات أو حالات الحرمان، وحتى لالحاق الفرنسيين المغاربة بـ"الاتحاد من اجل الغالبية الرئاسية". ويرى السيد جان فرنسوا كابي، الناطق باسم الحكومة أن "وجود وزيرين مسلمين داخل الحكومة هو بحد ذاته دليل على منعة الجمهورية(1)."

  أما النخب الفرنسية المغاربية في "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" وبدافع من مصالح حزبها أو لاهتمامها بمستقبلها الخاص فقد تحرك أعضاؤها كناشطين يمينيين في اوساط "الأقليات"، في ما يمكن اعتباره تقليداً للادارة الاستعمارية بإدارييها من أبناء البلد المكلفين شؤون السكان الأصليين. وهم ما بين نقاش واجتماع وبين لقاء واتصال هاتفي يلعبون من دون أي تعقيد على القرابة الحضارية المفترضة من أجل الترويج لمحاورين ينتظر منهم الاعتراف بحقوقهم.

  ولأن كلمة "اندماج" لا يتقبلها الناس المعنيون فقد حلت مكانها كلمة "مواطنية" أو "تكافؤ الفرص". والسيدة ناديا أميري، التي تلقت إعدادها داخل البنى الترابطية نفسها، والحائزة شهادة دراسات عليا (DEA) حول "وهم المساواة في ميزان أشكال التمثيل السياسي: نموذج الفرنسيين من أصل مغاربي في الحزب الاشتراكي"، تعرف جيداً هذه النخب الجديدة وتقول فيها: "إن إطارهم العام هو "المؤثر"، الاعتراف "الاتني" والاجتماعي. وما يهم الفرنسي المغاربي الذي له إدراكه هو تاريخه وهوياته. اما تعويض النقص فهم يعرفون كيف يقومون به."

  من هنا أهمية "الاعترافات الجمهورية". ففي العام 2002 منح وزير شؤون المدينة جان لوي بورلو جائزة "موهوبو المدينة" الى مقاول شاب من فال-فورّي في مانت لا جولي هو السيد أحمد سني الذي أسس مع فائز آخر هو السيد عبد الله أبو الحرجان "جمعية المقاولين الشباب في مانتوا". وفي العام 2003 فازا بـ"ميدالية التنوع في المقاولات" من وزارة الدولة للشركات الصغرى والمتوسطة (PME)، التي لم تتردد على كل حال في الاشارة الى الأصل "الاتني للفائزين"(2). وقد سمعت أصوات كثيرة تؤكد قرب بروز "فوج جديد" من شخصيات ذات أصل مغاربي لتولي مراكز رفيعة في الدولة وفي مراتب جوقة الشرف. ولدى سؤاله لم يتكتم السيد فرحاتي على الأهداف البعيدة: "الكلام هو على مجموعة ناخبة تصل الى ثلاثة ملايين شخص على الأقل، وبدونها لن يتمكن اليمين من الفوز في الانتخابات الرئاسية في العام 2007".

 وفي كل هذا الكلام صدى لكلام امين السر الوطني لحزب "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" لشؤون التلاحم الوطني السيد قاسم كلال حول انعدام التمثيل السياسي للفرنسيين من أصل مغاربي: "هناك تداول داخل الحزب يتعلق بسياسة تمييز إيجابي [و]، في مطلق الأحوال، ومن باب الحسابات الصرف، حققنا بعض التقدم على منافسنا السياسي الرئيسي. وإذا اضطر الأمر امنحونا رصيداً ما للامساك بوجودنا السياسي."

  فهل أن "المغاربيين" تحولوا الى اليمين؟ "ليس الى هذه الدرجة" بحسب ما يؤكد السيد فريديريك كالان، من صندوق العمل الاجتماعي للدمج ومكافحة التمييز (Fasild) في مقاطعة ميدي ـ بيريني. وبعد أن عركتهم عشرون سنة من النضال بدا قادة ثمانينات القرن الماضي تحديداً أكثر فردية واكثر انتهازية. وليس من باب التجريح، إلا انهم يعرفون كيف يتلقفون يد المساعدة التي تقدم إليهم". وهذا ما ينطبق على المشاركين في مسيرات العامين 1983 ــ 1984 من نوع السيدة ناديا زوارق: "لقد آمنا بمثال الجمهورية هذا وبالمساواة والمشاركة بين الجميع. ولست آسفة على ذلك فقد كوّن شخصيتي إنما في ما يتعلق بتغيير المجتمع فقد تراجعت عن ذلك. ولم أنتقل الى "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" بين يوم وآخر. فانا امرأة يسارية من انصار البيئة وهكذا سأبقى. لكنني سأنتخب أولئك الذين يعطوننا حق التعبير وإمكان البروز."

  فقد حلت الاستراتيجيات الفردية مكان الروح النضالية الماضية التي أحياها "الأمل بتطور جماعي بفضل الانتقال من الترابطي الى السياسي" (3) وهذا ينطبق بنوع خاص على "بورجوازية المغاربة". فالفرنسيون المغاربيون لا يمثلون فئة اجتماعية ـ مهنية متجانسة، وليس مستغرباً أن يكون عدد منهم وخصوصاً أولئك الذين حققوا "النجاح"، يميلون الى اليمين. غير أن الجديد في الموضوع هو أن آخرين "من تحت" من الذين أنهكتهم ظروفهم المعيشية وخاب أملهم في الحزب الاشتراكي يبدون متأثرين بنداءات حزب "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية".

  وبذلك يشهد الجزب الاشتراكي ارتداد شريحة من الهيئة الناخبة ومن رجال النخبة الذين ساهم أساساً في إعدادهم وخصوصاً داخل مؤسستي "أس.أو.أس. راسيسم SOS Racisme" و"فرانس بلوس" France Plus  اللتين أسستا تحت رعايته في العام 1984. وهذا ما يوضحه السيد عدا بكوش، رئيس الحركة من أجل المواطنية الناشطة والمقرب "في موضع القيم" من الاشتراكيين: "إن اليسار غالباً ما كان هو رائد الحوارات والتأملات إلا ان اليمين هو الذي كان في الغالب يخطو الخطوة الأولى، كما حدث في موضوع حق المرأة في الانتخاب وفي موضع استقلال الجزائر."

  ومنذ "مسيرات المغاربيين الأولى" في العام 1983 الى الانتخابات التشريعية في العام 2002 ظل مناضلو الفرنسيين المغاربيين ينتظرون من الحزب الاشتراكي أن يضم بعضهم الى لوائحه الانتخابية ويدعمهم فعلاً. لكن من دون جدوى، أو مع القليل منها. وحالياً، من البرلمان الأوروبي الى المجالس العامة والاقليمية مروراً بالحاكميات، ليس هناك سوى السيدة حليمة جمني، المنتخبة في العام 1998 لمجلس الـ"إيل دو فرانس" من محازبي الحزب الاشتراكي(4). أما بالنسبة الى الذين تمكنوا من الفوز بمركز مساعد حاكم أو مستشار بلدي، فانهم نادراً ما يتفلتون من النشاطات المتعلقة بالهوية، فهم يهتمون بموضوع المواطنية، وبالوقاية والأمن وبالتعبئة الحزبية وبالأحياء، الخ.وتذكر ناديا أميري أن "النساء سواء أكن من الكادرات أم من المنتخبات في الأحزاب السياسية، ظللن ولمدة طويلة مختصات بمهمات محددة  مخصصة سلفاً لجنسهن"(5). وسعياً لأن تصبح الحقوق السياسية التي انتزعت انتزاعاً في العام 1945، مساواة وحسب، تطلب الأمر شيئاً من الإرادوية، ولم ينجز الأمر حتى الآن...

  ولذلك كان ينتظر بفارغ الصبر انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي في ديجون في أيار/مايو عام 2003. وحول مسألة التمثيل السياسي لم يتوانَ ثلاثة أعضاء من المكاتب الفيديرالية للحزب (هم السيدة بارزة خياري والسيد فيصل دوحان والسيد علي كزمون) عن استجواب حزبهم، متقدمين بمساهمة في الموضوع تحت عنوان "مكافحة التمييز السياسي داخل الحزب الاشتراكي" تبناها السيد فرنسوا هولاند في مذكرته. حتى أن السيدة خياري التحقت بالسيد قادر عارف في السكرتيرية الوطنية حيث كان وحده حتى ذلك الحين. وقد رأت في ذلك السكرتيرة الوطنية الجديدة، الفخورة بموقعها بين "العشرين الأول، حالة وعي جديدة جوهرية". وقد جاءت المفاجأة الحقيقية في تعيين الرئيس السابق للـ"أس.أو.أس. راسيسم"، مالك بوطيع، الذي أُثار أساساً ردات فعل انتقادية عنيفة "في الأسلوب" مثل القول: "إن مالك بوطيع، هو الى حدٍ ما مثل رشيد قاصي(6) في اليسار. مغاربي ضد المغاربيين." ولم تنفع اشادته بالوزير ساركوزي "المسؤول الذي يعطي أملا للشباب الناشطين في الحقل السياسي"(7).

  وكم يبلغ عددهم هؤلاء الفرنسيين المغاربيين الذين يعمل على استرضائهم؟ من الصعب تحديد ذلك فالقانون يحظر أي تعداد على أساس الأصل أو الدين. لكن يجري الحديث عن ثلاثة ملايين مسلم فرنسي. لكن من المقصود وما هو المقصود بالكلمات المستخدمة "المغاربي" Beur  او "الفرنسي من أصل مغاربي"، أو "العرب" أو المتحدر من الهجرة"؟ وإلام تجري النسبة إن لم يكن الى عدم الانتماء، بالارجاع الى "المصدر الخارجي الاجتماعي  بالنسبة الى أولئك الذين يدعون صفة الشعب الوطني "الأصيل" والشرعي فعلاً(8)؟ اما المهنيون بذلك فانهم من جهتهم ما عادوا يتحملون بهذه الملحقات بهوياتهم.

  إن حي "ميراي" المعتبر "حساساً" في تولوز يضم 000 50 نسمة يقيمون في 000 22 مسكن. والانفجار السكاني في العام 2001 مع إقامة مصنع "آ.زد.أف" على بعد بضع مئات من الأمتار لم يغير شيئاً في المشهد. وقد انتشر واجهات الباطون والزجاج. وهنا لا تلقى مسألة الأصول رواجاً. وعلى ذلك يثور جوّاد، البالغ من العمر 26 عاماً ومؤسس أحدى الشركات الصغيرة قائلاً: "إن اصلنا موسوم على جلودنا، فمن الواضح أنني لست فرنسياً "أصيلاً"، فلماذا التشديد دائماً على القول "فرنسي من أصل مغاربي"؟ فماذا يعني الأصل المجري لساركوزي؟". وفي ذلك يرى أخوه البكر الذي يكبره بـ15 عاماً أنه "مجرد أن يصنفونا من جيل أول وثانٍ وثالث يعني أننا لسنا فرنسيين بصفة كاملة، إنما فرنسيون مختلفون."

  على مدخل أحد الأبراج تتجاذب سيدة مسنة أطراف الحديث مع قاسم البالغ من العمر 27 عاماً. وتدخل بالقرب منهما تماماً السيدة فرانسواز هربار من فيفرينا، الحاكمة المنتخبة عن "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" في الحي والمساعدة الأولى لحاكم تولوز، تلبية لدعوة من احدى الجمعيات الكثيرة هناك. وهي، الغاطسة في الأحمر، تتجاهل بكل برودة قاسم ولا تحيي إلا "السيدة". اما هو فإنه لم يبالِ بذلك، فقد ألف هذا النفور...

 طارق، المعلم في برنامج "الفرص الجديدة"، وهو جهاز لاستلحاق الشبان الفاشلين مدرسياً، امضى نصف حياته مع شباب الضواحي في باريس وفي تولوز. وهو يبتسم لدى الكلام عن عدم تبادل التحية بين قاسم والسيدة فايريناس. فوظيفته، القائمة على "إعادة دمج" طلابه الذين يواجهون صعوبات، لا تترك له مجالاً واسعاً للمجاملة. ومع ذلك فإن جو الارتياب السائد منذ سنتين إزاء العرب المسلمين يجعله يشعر بشيء من المرارة: "لا ازال أطلب اليهم بالحاح أن يبذلوا جهداً، لكن لماذا؟ ألكي يعودوا الى مجتمع يصر على رفضك ما لم تتخلَ عن ثقافتك الأصلية؟ وعند حدوث أدنى عمل عنف يصور أبناؤنا على انهم رجال آليون من المغاربة الجانحين." اما الفريق المقابل له فإنه مقولب أيضاً بصفة "المغاربية الديناميكية".

  ومنذ 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 تتحمل وسائل الاعلام مسؤولية كبيرة في عملية التجريح هذه. فهي عندما يتعلق الأمر بالمغاربة أو الأفارقة، تذكر وبشكل منتظم تقريباً أصل الأشخاص المتورطين في أعمال الجنوح البسيطة هذه أو في أعمال العنف او الارهاب. وذلك بالرغم من القوانين التي تحظر ذلك. وهذا ما يثير غيظ السيدة زوارق: "منذ عشرين عاماً يجري تفصيل القوالب على ابناء المهاجرين والمسلمين."

  والاسلام، المرجعية الحضارية و/أو الدينية، هو ضحية هذا العنف نفسه. الى درجة أن الأمر يبلغ بالفرنسيين المغاربيين القليلي الاهتمام أنهم لا يحفلون إلا بالمكونات المذمومة من هوياتهم. فإذا هم من باب التضامن "يتحولون الى اتنيتهم". فكيف يمكن أن تكون ردة فعل فرنسي "مندمج" إنما مرتبط بالعالم العربي الاسلامي على مقال افتتاحي يؤكد:"سعياً الى جعل أبنائهم يرتدون الحجاب أو الكيبا أو اي لباس رمزي مميز (...)، وما يصدم ويثير الغضب ويحير ان ضيوف دولة ما لا يتحلون باللباقة لاحترام قوانين مضيفيهم(9)

  ومع ذلك فان الدين يساعد البعض في "التحمل" وحتى بحسب الصورة المجازية التي يستخدمها مصطفى "ان يجعل من الليمونة الحامضة عصيراً حلواً". وهم يرون أن ذلك هو "المعيار الوحيد في مجتمع لم يعرف أو لم يرد أن يوفره لهم." وتشاطره السيدة زوارق هذا الرأي: "إن الدين قد أرجع أكثر من واحد عن طريق التدمير الذاتي (إدمان الكحول أو المخدرات أو الجنوح أو الانتحار)، وقد شكل مصدراً ينهل منه من أجل صناعة مستقبل غير الذي حلم به الأهل لأولادهم. فالعربي لا يكبر من دون جذور، فاولادي وأحفادي ربما لن يظلوا "فرنسيين من أصل جزائري" لكنهم سيبقون مسلمين لأن هذا شيء أريد ان أنقله اليهم." أضف الى ذلك، كما يلاحظ مصطفى، أن العدائية تجاه الاسلام تحيي الهوية الاسلامية: "عندما يرى شاب أن امه أو أخته يشار اليها بالأصبع لأنها محجبة فإنه دفاعاً عنهما يعود الى التمسك هو نفسه بالقيم الدينية."

  وترى نزيهة، 24 عاماً، وسحاب، 33 عاماً، والأولى محجبة أما الأخرى فلا، أن "الاسلام هو المرشد اليومي." فعندما ترى سحاب مراجعها الكيانية كامرأة فرنسية من أصل باكستاني تتصادم، وعندما لا تعلم "الى أي قديس تلتجئ" تجد نفسها في الاسلام: "إن بعده الكوني يتجاوز الانتماءات الثقافية ويسمح لي بالاحساس بنفسي كامرأة. وليست هذه هي الحال بالضرورة في الحضارة المغربية أو الباكستانية." أما نزيهة فهي أكثر وضوحاً: "في العائلات المغربية يبرر الاسلام ممارسات هي اقرب الى العادات منها الى الدين وأصوله. فالتحلي بها مجدداً بالعودة الى النص الديني، وإليه وحده، يسمح بتنقية خليط التقليد والدين هذا الذي قدم الينا".

  وماذا يتبقى للذين لا عمل لديهم ولا يؤمنون لا بالسياسة ولا بالجمعيات ولا بالله؟ يتقدم ميلود، وبسمة السخرية على شفتيه من حائط يسند ظهره اليه ويضرب بيده على الباطون قائلاً: "هذا!". ثم يأتي كلامه صدى للحكم الذي أطلقه طارق، محيي النشاطات، حول "هؤلاء الشبان الذين بلغوا الحد الأقصى في ما يمكنهم تقديمه كضمان "للاندماج الجيد" بالمجتمع. والآن على المجتمع ان يقوم بدوره." فعندما يجري حرف المفهوم الجمهوري للشمولية على يد طبقة سياسية هي في غالبيتها الكبرى من  الذكور البيض، والميسورين غالباً، فان هذا المفهوم يفقد مصداقيته.

  ففرنسا تطعن رسمياً بفكرة "الأقلية". لكن الحكومة بطريقة شبه رسمية تحاول الالتفاف عليها. فالسيد باكوش وبشيء من اللباقة يتساءل حول شرعية أن يتكلم  باسم "الأقليات" من "هم أكثر بروزاً والذين نادراً ما يكونون الأكثر تمثيلاً والأكثر جدارة". فمن أين يستمدون شرعيتهم للقيام بذلك؟ وبحسب ما يقر أحد أعضاء "الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية" "لا أحد يمكنه استمالة هؤلاء الفرنسيين، ولا يمكن الالتفاف إلا حول مشروعٍ وقِيَم. وإنه لمن باب التوهم تلك المحاولة التي يهدف منها البعض الى كسب التعاطف بنوع خاص من اجل تأمين مستقبلهم السياسي. وهم إذ انتقلوا من الحزب الاشتراكي الى "الاتحاد من أجل الغالبية" لن يقوموا بالتأكيد بخطوة الى الوراء". وقمة الوقاحة هي أن الأحزاب تضل طريقها في الممارسات الزبائنية التي تشجع على الوصولية على أساس معايير الأصل أكثر مما تكافح آليات التمييز.

  لكن يتابع السيد باكوش "ان التمثيل يجب ألا يتحول هدفاً أسمى، فتدني مستوى التمثيل هو الذي يشكل شواذاً ديموقراطياً". اضف الى ذلك أن "إصلاح خلل التمثيل" امر ضروري. والتعبير عن حسن النيات ليس كافياً والأسباب التقنية والثقافية التي تمنع "الاقليات" من المشاركة بالشكل السليم في الحياة السياسية تبقى من القوة بحيث يجب وضع الحد منها عبر آليات تصويبية مهمة، موقتة وتخضع لتقييم منتظم(10)." أليس ان فرنسا تمارس أساساً "التمييز المبرر"؟ ففي مجلس الشيوخ "يحظى الريفيون رسميا بتمثيل قوي جداً، وذلك باسم التوازن السياسي "وليس الديموغرافي إذن) بين مناطق قليلة السكان وتجمعات ذات كثافة سكانية عالية"(11). وايضاً فان "سياسات المدن" أو "مكافحة الاقصاء" تعتبر في نظر البعض "أعمالاً إيجابية" كونها تنفذ إجراءات من اجل "ردم الهوة" بين حالات التفاوت(12).

  وهناك امثلة اخرى مثل "مناطق الأولويات التعليمية" (ZEP)، وفتح أبواب جامعة العلوم السياسية أمام أبناء الأحياء والتوظيف على أساس "الأفضلية المحلية" في بعض الشركات. وفي هذا المعنى يصبح البحث علناً في اجراءات تصويبية ضرورية من اجل تحقيق تكافؤ الفرص حتى في المجال السياسي يبدو واعداً أكثر من القيام به في الخفاء. وسيكون تشكيل اللوائح في الانتخابات القادمة، على صعيد القضاء او المناطقي او الأوروبي او لمجلس الشيوخ، بمثابة اختبار. فيبدو أن الكل يعتقد مثل السيد كلال أنه "لا يمكن القيام بخطوة الى الوراء: فما من قوة سياسية تكتسب وزناً بدون ان تمثل مجمل مكونات المجتمع." حتى وإن تم الاكتفاء حتى الآن بالنفخ على الحار والبارد في آنٍ معاً.



* صحافي

[1] جلسة الجمعية الوطنية في 26/11/2002.

[2] راجع على الانترنت:

www.pme-commerce-artisanat.gouv.fr/actualites/dossierpress/dp03072003/fiches-laureats.htm

[3] اقرأ:

Catherine Withol de Wenden, "Le Creuset de la ‘beurgeoisie’", in Sciences humaines, Paris, hors-série n°39, décembre 2002/janvier-février 2003.

[4] ولا يكاد حزب الخضر والحزب الشيوعي الفرنسي يفعلان ما هو أفضل. فمن بين ممثلي الأول على المستوى الأوروبي السيدة عليمة بومدين-تييري، ومن ممثلي الثاني السيدة ياسمين بوجنة، وقد انتخبتا نائبتين في العام 1999 مع السيد سامي نيير نائب رئيس حركة المواطنين. وفي العام 2001 انتخب السيدان عبد المجيد صادي وعزالدين طيبي كمستشارين عامين في الحزب الشيوعي في سان ديني. واخيراً فان السيد الوردي بوغداده، رئيس مجموعة الخضر يحتل منذ العام 1998 كرسياً في المجلس الاقليمي لـ"نور-با" في منطقة كاليه.

[5] راجع:

"La représentation nationale: un enjeu démocratique", in Migrations Société, Paris, vol.15, n°86, mars-avril 2003.

[6] السيد قاسي معروف بمشاركته في الحملات المعادية للاسلام.

[7] لوموند، 30 آب/اغسطس 2003

[8] راجع:

Véronique de Rudder, Christian Poiret, François Vourch, "Les enjeux politiques de lutte contre le racisme: Discrimination justifiée, affirmative action, discrimination positive, parle-t-on de la même chose?", CIEMI, Paris, juin 2000.

[9] راجع:

"Décidément, non au voile", éditorial de Jean Daniel, Le Nouvel Observateur, Paris, n? 2010, 15 mai 2003.

[10] راجع:

Laurent Pascal Chambon, "Le sel de la démocratie, l’accès des minorités au pouvoir politique en France et aux Pays-Bas". Thèse de doctorat en sciences politiques, université d’Amsterdam, novembre 2002.

[11] المرجع السابق.

[12] راجع:

Véronique De Rudder et Christian Poiret, "Affirmative action et "discrimination justifiée": vers un universalisme en acte", in Immigration et intégration, l’état des savoirs, La Découverte, Paris, 1999.

 

www.mondiploar.com

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم