معايير متغيرة لتعويضات
الحروب
دومينيك شيميه-
جاندرو*
Dominique CHEMILLIER-GENDREAU
ارغم العراق بموجب الرقابة المفروضة من الامم المتحدة على بيع منتجاته النفطية ودفع جميع تعويضات الحرب التي شنها على الكويت بين 1990 و1991(1). في المقابل لم تدفع الولايات المتحدة مليما واحدا مقابل الحرب التي شنتها في فيتنام بين 1964 و1975 كما رفضت تسديد التعويضات التي طالبتها محكمة العدل الدولية بدفعها عقابا على الحرب التي شنتها عبر تنظيم "الكونترا" ضد نيكاراغوا الساندينية مطلع الثمانينات. اخيرا فإن الولايات المتحدة اطلقت مؤخرا ثلاث حروب، واحدة تحت ستار الناتو في كوسوفو والثانية ضد افغانستان اثر اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2002 والثالثة ضد العراق عام 2003.
وحيث لا يمكن اعتبار هذه الحروب بمثابة عمليات لحفظ السلام فإنها تسببت بأضرار متنوعة الاحجام. وآخر هذه الحروب في العراق كانت مثقلة بالخسائر البشرية والمادية. من جهتها تستقوي اسرائيل بموقف مماثل من اللامسؤولية لتشن "عمليات عسكرية" في الاراضي (الضفة الغربية وغزة) التي تحتلها وتستعمرها بصورة غير مشروعة مما يلحق منذ نصف قرن اضرارا جسيمة بالفلسطينيين وبممتلكاتهم. وحتى اليوم لم تطرح مسألة التعويضات التي يستحقونها شرعا. ماذا نقول بالتالي عن النزاعات الافريقية وهي مزيج لا يمكن انكاره من الحروب الاهلية والحرب الدولية تسقط فيها الضحايا بالآلاف او الملايين وتبرز فيها هوية المسؤولين المباشرين وغير المباشرين من دون اي أمل في التوصل الى آلية تؤدي الى التعويض.
ان القانون الدولي يعاني اليوم وضعا تراجعيا على هذا الصعيد. فبعد صرخات "الويل للمغلوب" والممارسة الابتزازية الطويلة للقوي، سمح التطور التدريجي للاطار القانوني بأن تؤدي مفاوضات السلام التالية للحروب الى تحديد التعويضات المستحقة للمغلوبين. فابتداء من القرن العشرين وخصوصا منذ معاهدة فرساي التي وضعت حدا للحرب العالمية الاولى لم تعد التعويضات تتخذ طابعا اعتباطيا اذ باتت ترتبط بدرجة المسؤولية التي يتم تحديدها من مختلف الاطراف. وتقتصر التعويضات على الخسائر وليس على نفقات الحرب. اخيرا، وكي لا يولّد الظلم ظلما آخر، فان احتساب التعويضات يتم وفق القدرات المالية للدولة المسؤولة.
كان يمكن التعويل على ان القانون الدولي الذي تبلور عبر الامم المتحدة سيسرع من وتيرة التقدم حول هذه المسألة. لكن ما يلاحظ بالاحرى هو التراجع. فبدل نظام لامركزي في المطلق يسود مجتمعا دوليا مكونا من دول جميعها ذات سيادة، اوجدت الامم المتحدة نظام مركزيا محدودا ومقبولا. في الواقع ان هذه الحركة المنطلقة من هيئة واحدة هي مجلس الامن الدولي المتميز بانعدام المساواة الفاضحة بين الدول، قد ولدت وضعا استنسابيا مشهودا.
فلقد وسعت هذه الهيئة صلاحياتها لتطال مسألة التعويضات في حالة العراق، وقامت بذلك انطلاقا من اجراء تنفيذي قسري من خلال صندوق للتعويضات يموَّل بنسبة 30 في المئة من عائدات النفط العراقي المسموح تصديره. ففي خروجه هذا على المنطق المتبع حتى الآن في مسألة تعويضات الحرب، اندرجت سياسة مجلس الامن في سياق الفكرة القائلة ان التعويض من شأنه المساهمة في استعادة شروط السلام وان تنظيمه لهذه التعويضات يشكل بالتالي جزءا من دوره الاساسي(2). لكن آلية عمل لجنة التعويضات برهنت على ان الهدف الرئيسي كان اعادة تنشيط الاقتصاد الكويتي على حساب العراق والاهتمام الاكبر كان بمصالح الشركات الغربية العديدة المشاركة في اعادة اعمار الكويت.
وقد ساهمت الآلية القسرية بقوة في انهيار العراق وخرق جميع الحقوق الانسانية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالشعب العراقي الذي زاد فقرا على فقر منذ 13 عاما. لم تكن اللجنة ملتزمة أي معيار قانوني ودرست 2،5 ملايين من طلبات التعويض على ضوء ادلة قابلة للطعن بشكل واسع (لجأت الى الظن او اخذت في الحسبان شهادات الاهل المفترض عدم الاتكال عليها).
كان العراق في وضع لا يمكنه الدفاع عن نفسه. فاللجنة التي ارتكزت على حجة العدوان كعامل رئيسي في المسؤولية، استخلصت نتائج لا يمكن القبول بها مفادها ان سلوك المعتدي يبرر حرمان العراق من فوائد الدفاع عن موقفه. فلم يتمكن هذا البلد من الطعن في مطالب مبالغ فيها او مشكوك في صحتها كما لم يسمح له بالاستعانة بمشورة قانونية من المحترفين في هذا المجال.
وقد توسعت صلاحيات لجنة التعويضات لتشمل تعويض الاضرار اللاحقة بالبيئة والتفريط بالموارد الطبيعية. اخيرا، وفي ما يتجاوز الاضرار الناجمة عن عدم الصيانة والعناية او التدمير والسرقة، اهتمت اللجنة بالتعويض عن سؤ التنظيم الاقتصادي الناجم عن مخلفات الحرب اذ اعتبر المعتدي مسؤولا بصورة تلقائية عن الفوضى والاضطراب في الكويت كما عن خسارة الاجور والخسائر الصناعية.
هكذا وفي سياق آليات تم اتباعها في غفلة من الرأي العام تطايرت المبادىء التي وضعت بكد حول مسألة تعويضات الحروب. ان الامور تحسمها هيئة سلطة منبثقة عن مجلس الامن الدولي من دون التوقف عند ضرورة نقض الجهة الاخرى لهذه القرارات، كما يتطلب ذلك التقليد القانوني في العقود المنصرمة. فعندما احتلت فرنسا عام 1923 وادي الروهر الالماني من اجل الحصول على الفحم كبديل من التعويضات، ابدى الحلفاء معارضتهم. من اعترض اليوم على قرارات اللجنة الملزمة؟
اخيرا فإن الهم الانساني اندثر في حالة العراق بعدما نصت عليه معاهدات السلام (البند 232 من معاهدة فرساي و178 من معاهدة السلام مع النمسا عام 1919 والبند 14 من معاهدة الصلح مع اليابان) ليحل محله شعور الانتقام المريض. ان آلية التعويضات لم تكن سوى واسطة من اجل وضع ثلث الثروات النفطية العراقية بين ايدي المستثمرين الغربيين الذين يشرفون على الاقتصاد الكويتي. تعرضت الامم المتحدة مؤخرا لاعتداء مأسوي في بغداد. بيد انه يجب الرجوع الى الوراء لتفحص النظرة العراقية الى الامم المتحدة منذ العام 1991 بين الحصار الظالم ونظام التعويضات الجائر. قبل التمكن من محاربة الارهاب محاربة فعالة وانجاز مهمات السلام واعادة الاعمار التي هي من اختصاصها، على الامم المتحدة طلب المعذرة من الشعب العراقي بسبب مسؤوليتها في عذاباته.
المطلوب ايضا تحديد المسؤوليات بدقة. ففي حرب "الحلفاء" على العراق عام 1991 (تطبيقا لقرار مجلس الامن الدولي رقم 687) استخدم الجيش الاميركي اليورانيوم المخصب على نطاق واسع(3). ولم يخف الجيش الاميركي استخدام هذه الاسلحة عام 2003. خلافا لقوانين الحرب فإن هذا الاستعمال اوقع عددا من الضحايا وما زال يوقع. من يعوض؟ من يدفع كلفة العلاج لمن اصيبوا وسيصابون في المستقبل بالسرطان بمعدل يفوق سبعة او ثمانية اضعاف الحالات ما قبل استخدام اليورانيوم؟ متى يطلب من المعتدي تحمل المسؤولية المالية عن القتل والدمار الذي تسبب به؟ المدخنون الكبار المسؤولون جزئيا عن ادمانهم ينجحون اليوم في الحصول على تعويضات من شركات التبغ. متى يدفع مصنّعو الاسلحة والمخططون لاستخدامها تعويضا عن افعالهم؟ هل يجوز للادارة الاميركية ان تبرمج اعادة اعمار العراق لصالح الشركات الاميركية بشكل رئيسي ولكن على حساب موارد الشعب العراقي نفسه؟
ان "مبدأ المسؤولية" يتطلب ان يقدم المسؤولون عن الحصار ومن استخدموا الاسلحة القاتلة وقادوا مؤخرا حربا رفضتها الامم المتحدة، بالتعويض من اموالهم وليس من اموال ضحاياهم عن هذه الافعال غير المشروعة قانونا. كما يجب التطرق الى مسؤولية من ضاعفوا طوال شهور من التنقلات الجوية والبحرية وتحليق القاذفات الثقيلة مما ساهم في انبعاث الغاز المسخن للارض والمهدد للكرة الارضية بالتغير المناخي في معدلات عالية جدا.
وبشكل عام يبدو ان المطلوب تدعيم مسألة التعويضات بمبادئ قانونية صارمة نظرا للحروب والتدمير الحاصل منذ تأسيس الامم المتحدة. ولعل الحالة الفاضحة تتمثل في فيتنام، البلد الصغير الذي ما كاد يخرج من حرب تحرير ضد الاستعمار حتى دخل في مواجهة دامت عشر سنين مع النيران الاميركية. فتعرض لقصف لا هوادة فيه وتلقى سيلا من المواد السامة التي نشرت عن قصد لاتلاف زراعته ومعيشته. وحتى اليوم وبعد ثلاثين عاما على هذه الاحداث ما زالت تظهر ضحايا جديدة. انهم عشرات الالاف من الفيتناميين المصابين اصابات تعطلهم عن العمل بينما لا تزال التربة ملوثة ونهاية الكابوس غير واضحة المعالم(4). لكن الحرب الاميركية شكلت في الواقع اعتداء كما يظهر من اعمال محكمة راسل وتصريحات بعض المسؤولين الاميركيين انفسهم. وهي كانت مناسبة لاستخدام اسلحة محظورة(5). هناك اذاً مستويان من الاعمال غير المشروعة، العدوان واساليب الحرب المستخدمة، والاثنان يمثلان مصدرا للمسؤولية في نظر القانون الدولي. وكان مبدأ التعويضات قد طرح بصورة غامضة في اتفاق باريس بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 1973: "ان الولايات المتحدة ستقدم وفقا لسياستها التقليدية المساهمة في تضميد الجراح..." وقد تم تشكيل لجنة لم تعش طويلا لانها تأسست على سؤ تفاهم لان ما كان بالنسبة للفيتناميين بمثابة تعويضات لم يكن في نظر الاميركيين سوى مساهمة طوعية مناط بهم أمر تقديرها. في مطلق الاحوال تم تعليق المحادثات في تموز/يوليو 1973 ولم تستأنف ابدا.
كذلك فان الاحتلال العسكري المخالف للقانون الدولي والحرب التي تشنها اسرائيل في فلسطين لم يفضيا الى اثارة اشكالية التعويضات. وترفض اسرائيل بحجة عرقية تتعلق بالطابع اليهودي للدولة عودة الفلسطينيين الذين طردوا من منازلهم عام 1948 وفي مراحل لاحقة. وخلال المفاوضات لم تصل مسألة التعويضات يوما الى مرحلة ملموسة. كما ان تدمير الاقتصاد الفلسطيني المتسارع خصوصا بعد اتفاق اوسلو واقفال الجيش الاسرائيلي المناطق الفلسطينية كان يفترض ان يؤدي الى تطبيق المعايير التي استخدمت في صالح الاقتصاد الكويتي اي تحميل المسؤول عن انهيار الاقتصاد كلفة اعادة انعاشه. اما التذرع بأمن اسرائيل المتكرر دائما فيجب الا يؤدي هنا الى منطق خاطئ. فالاعتداءات التي تهدد فعلا امن اسرائيل تطورت بعد سنوات من الاحتلال والحرب والظلم. وان مفتاح السلام الآتي هو في وضع حد لها والتعويض عن اضرارها، وعلى مجلس الامن الدولي الاهتمام بهذا الشأن.
ان مجموع قواعد المسؤولية الدولية هي على المحك من خلال هذه النواقص الخطيرة في العدالة الدولية. فقد تركز انتباه الرأي العام منذ بضع سنوات على موضوع المسؤولية الجنائية الدولية، لكن العدالة تتطلب ايضا ان تتحكم القواعد الدقيقة بمبادئ المسؤولية المدنية ايضا. ويجدر بنا القلق من جراء تطور القانون في هذا المجال(6) حيث تعمل الهيئات الدولية منذ عقود على موضوع مسؤولية الدولة في "فعل غير مشروع دوليا". وبات نص لجنة القانون الدولي جاهزا ولكن العديد من الاسئلة المقلقة لا تزال مطروحة. فاذا تم التشديد على "الفعل غير المشروع" كسبب لتحميل المسؤولية، فان الغموض لا يزال يلف المعايير القانونية التي من شأنها التعريف بهذه الافعال. كما لم يتم توضيح مفهوم الدولة المعرضة للاذى. واذا كنا نطمح الى تحويل البشرية الى جماعة سياسية حقيقية يجب ان تتمكن الدول جميعها من ابرازمصلحتها في احترام قواعد القانون. بدل ذلك ما زال الباب مفتوحا امام الاجراءات المضادة مما يدل على "بعض التراجع في القانون الدولي" بما ان كل طرف ينتزع سلطة تحقيق العدالة لنفسه(7).
* استاذة في جامعة باريس السابعة دنيس ديدرو
[1] حول شروط تحديد هذه التعويضات، اقرأ:
Alain Gresh "L'Irak paiera", Le Monde diplomatique, octobre 2000
[2] اقرأ:
Alexandros Kolliopoulos, La Commission d’indemnisation des Nations Unies et le droit de la responsabilite internationale, LGDJ, Paris 2001.
[3] انظر:
"Loi du silence sur l'uranium appauvri". Robert James Parsons. Le Monde Diplomatique; Février 2001
[4] اقرأ
Le Cao Dai, Agent orange in the Vietnam War, Vietnam Red Cross Society, Hanoi, 2000. Schofield Coryell, "Au Vietnam, l'agent orange tue encore", Le Monde diplomatique, mars 2002
[5] راجع:
Tran Van Minh. "Les réparations de guerre au Vietnam et le droit international". Revue Générale de Droit International Public. 1977. n°4. P. 1047 sq
Brigitte Stern. "Et si on utilisait le concept de préjudice juridique? Retour sur une notion délaissée à l'occasion de la fin des travaux de la CDI sur la responsabilité des États". Annuaire Français de Droit International. 2001. P. 3 sq
Yves Daudet. Travaux de la Commission du Droit International. Annuaire Français du Droit International. 1994. P. 591
| www.mondiploar.com |