بكين تفرض نفسها في آسيا الماثلة للشفاء
فيليب غولوب
PHILIP S. GOLUB
في منتصف تموز/يوليو عام 2003 ارتفعت جوقة من الأصوات الأميركية ضد الصين تحمّلها مسؤولية العجز التجاري المزمن في الولايات المتحدة والتسبب بزيادة البطالة وبضرب الصناعة في قطاعي النسيج والالكترونيات. ففي 18 تموز/يوليو راح السيناتور تشارلز شومر يندد قائلاً: "تم القضاء على المعامل الصناعية الأميركية. ومن جهتها أعلنت السيناتورة إليزابيت دول أن الخفض المصطنع لليوان الصيني يتسبب بإغراق السوق بالمنتجات الأجنبية الأرخص التي لا يمكن شركاتنا ان تنافسها. واضاف السيناتور لندسي غراهام: "إن الصينيين لا يحترمون الاتفاقات التجارية... ويجب على الخزانة أن تدرس المسألة وتتخذ الاجراءات المناسبة كي تحرص على ألا تسمح للصينيين بالاستمرار في خفض قيمة عملتهم على حساب صناعاتنا الداخلية"(1).
وفي شهادة ادلى بها في اليوم السابق امام الكونغرس كان رئيس الخزانة الفيديرالية السيد آلن غرينسبن يدعم هذه الحجج مؤكداً أن عملات الصين ودول شرق آسيوية أخرى تقدر بأقل من قيمتها الحقيقية وأنه لا يجوز لهذه الدول الاستمرار في مراكمة احتياطات بالنقد الأجنبي بهذا الحجم الى ما لا نهاية(2).
فعند الاشارة طالب الشيوخ رسمياً وزارة الخزانة الأميركية بممارسة الضغوط على الصين لكي تتخلى عن مراقبة أعمال القطع وتدع سعر عملتها يرتفع علماً أن سعر صرف اليوان هو 8.3 دولار. هذا الاندفاع الوطني خمد الى حد ما في شهر آب/أغسطس غير ان وزير الخزانة السيد جون سنو خلال جولة له في آسيا جدد الحملة مع بداية شهر أيلول/سبتمبر عندما حض الصين على "أن تدع السوق تحدد سعر عملتها". وفي هذا موقف مستغرب جداً من حكومة هي في أمس الحاجة الى مساعدة بيجينغ لمعالجة المسألة الكورية وفي مسألة الأمن الاقليمي الآسيوي.
إلا انه يجب توقع استمرار الهجوم في الأشهر والسنوات المقبلة حين تقع الولايات المتحدة أسيرة حالات عجز متنامية وتصبح الصين، احد مراكز النمو النادرة في الاقتصاد العالمي محور التكامل الاقتصادي الاقليمي في شرق آسيا. وفي الحقيقة أن هذا الهجوم على آسيا لا يعود فقط الى تواتر ديبلوماسية تجارية أميركية عدائية تعكس تقلب السياسة الداخلية الأميركية. بل أنها تعبر عن قلق قديم وخفي من فكرة التغيّرات في البنية العالمية التي تلوح في الأفق في ما يخص توزيع السلطة الاقتصادية العالمية لصالح شرق آسيا وبالتحديد اكثر لصالح الصين.
وأساساً أمكن تلمس غموض موقف الولايات المتحدة تجاه الدينامية الاقتصادية عند دول "النمور" و"التنين" منذ ثمانينات القرن الماضي عندما ترافق دفق التعليقات حول "المعجزة الآسيوية" مع تحذيرات منذرة من المركنتيلية والخطر الآسيوي المنافس. فللمرة الأولى منذ العام 1918 أصبحت الولايات المتحدة دولة مَدينة وواجهت حالات عجز في الموازنة وفي ميزان مدفوعاتها. وكما يحدث للصين اليوم اتهمت اليابان والدول الصناعية الحديثة في شرق آسيا بأنها تفرغ النسيج الصناعي في الغرب وتعرضت لضغوط كبيرة حضتها على إعادة تقويم عملاتها وعلى فتح اقتصاداتها وأنظمتها المالية على التجارة والاستثمارات الأميركية.
في العام 1985، وبنوع من الدسيسة دبرت إدارة السيد رونالد ريغن إعادة تقويم الين ليرتفع سعره بنسبة 50 في المئة وذلك عبر اتفاقات البلازا المزعومة التي كان يفترض بها، بعد فرضها على الحلفاء المرتبطين بنيوياً بالولايات المتحدة والذين ضاق عندهم هامش المناورة، أن تحفز آلياً الصادرات الأميركية وتضعف قدرة اليابان على المنافسة الصناعية. غير انه نتج من هذه السياسة انعكاسات لم تكن متوقعة، فرفع سعر الين جعل من اليابان بين يوم وآخر الدولة الدائنة الأولى في العالم. وقد سرّع ذلك من عملية التكامل الاقتصادي الاقليمي في آسيا دافعاً الشركات اليابانية الى إعادة مركزة نشاطها التصديري ذي القيمة المضافة البسيطة في جنوب شرق آسيا. وسرعان ما نشأ عن إعادة نشر القوة الصناعية اليابانية تقسيم للعمل الأقليمي في شرق آسيا تمحور حول اليابان.
فما بين خمسينات القرن الماضي وسبعيناته انتظم الاقتصاد السياسي الاقليمي حول التجارة عبر الباسيفيك وتميز بارتهان دول شمال شرق آسيا البنيوي بالسوق الأميركية (الارتهان لسوق واحدة: ? single market dependence ?). وبحسب تعبير مريديث وو-كومنكس(3) كانت منطقة شرق آسيا "بحيرة أميركية" والولايات المتحدة هي التي شرعت في "إحياء الصناعة اليابانية عبر الصادرات. وقد كان هناك تساهل إزاء الدولة المطورة والموجهة، بل أنها كانت تلقى تشجيعاً في إطار اتفاق تصبح بموجبه كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان حاجزاً من الأمن والازدهار حول الاتحاد السوفياتي والصين.
عندها رضيت هذه الدول بمقايضة سيادتها السياسية مقابل الوصول بدون أي قيود الى السوق الأميركية. وهكذا كانت الولايات المتحدة، أواسط ثمانينات القرن الماضي، تستوعب ما يزيد على ثلث صادرات اليابان و40 في المئة من صادرات كوريا و44 في المئة من صادرات تايوان. وقد أمّن هذا الارتهان البنيوي لواشنطن أن تتحكم بقبضتها السياسية النافذة جداً بحلفائها. الا ان اليابان بعد اتفاقات بلازا عمدت الى تنويع تجارتها ودفق استثماراتها ملتفتة بشكل أساسي نحو سائر بلدان شرق آسيا. وفي أوائل ثمانينات القرن الماضي أنخفضت حصة اليابان من الصادرات الى الولايات المتحدة بنسبة 27 في المئة. وفي المرحلة نفسها حققت حصتها من التجارة بين الدول الآسيوية نمواً بنسبة 12 نقطة وقد ارتفعت من 32 الى 44 في المئة، وهي زيادة عكست الأهمية المتنامية لفروع الشركات اليابانية المتعددة الجنسية في تقسيم العمل إقليمياً(4). وفي العام 1994 شكلت التجارة بين المناطق الاقليمية نسبة 48.5 في المئة من مجمل التجارة الآسيوية، ثم تخطت عتبة الـ50 في المئة في العام 1995.
ولم تكن الولايات المتحدة تتمنى أو تتوقع هذه النتيجة. فاليابان، ولاحقاً الدول الصناعية الحديثة، إبان الحرب الباردة "دعيت من جانب الغرب الى حسن التصرف من دون أن يصل الأمر الى درجة التهديد"(5). وبالتأكيد ليس الى درجة أن تصبح مرشحة للهيمنة الاقتصادية العالمية. أما في عالم ما بعد الحرب الباردة فليس أن الدولة المطورة الآسيوية قد خسرت شيئاً من صدقيتها الاستراتيجية بل أنها تحولت خطراً في نظر الأميركيين والأوروبيين، حتى أصبحت واشنطن مهووسة بشبح الكتلة الاقليمية الناشطة.
وفي العام 1989 حدد السيد لورنس سامرز الذي سيتولى منصب مساعد وزير الخزانة في عهد كلينتون، المشكلة على الشكل الآتي: "هناك كتلة اقتصادية آسيوية هي قيد التشكل وفي مقدمها اليابان". "وهذا يطرح إمكان أن تكون غالبية الأميركيين الذين يعتقدون اليوم أن اليابان تشكل خطراً على الولايات المتحدة أكبر من خطر الاتحاد السوفياتي، هي على حق"(6). إذن جرى تنفس الصعداء عندما غرقت اليابان في العام 1990 في فترة طويلة من الركود الاقتصادي بعد أن نفست حالة الازدهار المالي والعقاري في طوكيو. وفي استعادة لتعابير التساهل المتعجرفة لأحد الكتاب الأميركيين فان الأزمة قد برهنت أن "النموذج الياباني ليس من نوع مختلف من الرأسمالية...بل انه من مخلفات حقبة سابقة للرأسمالية"(7).
وبالطبع هذا لا معنى له إلا أن هذه الفكرة، باستبعادها شبح الكتلة الآسيوية المستقلة تريح اعصاب أولئك الغربيين الذين يخشون الانحطاط. وبعد سنوات تبين من الأزمة الخطيرة الاقليمية التي شهدتها آسيا في العامين 1997 ــ 1998 دليلاً جديداً على فرادة الغرب وتفوقه (أو بالعكس على طفولية الاقتصاد الشرقي). وبحسب ما لفت اليه تشارلز جونسون فإن "مختلف المراجع والخبراء الاقتصاديين قد عبّروا صراحة عن ارتياحهم" لرؤية المنطقة تتأرجح على شفير كارثة اجتماعية واقتصادية(8). ففي تلك الحقبة كتب شارل كراوتهامر البيروقراطي من المحافظين الجدد الذي تعود شهرته اليوم الى تحمسه للحرب وللامبراطورية: "إن نجاحنا هو نجاح النموذج الرأسمالي الأميركي الأقرب من غيره الى رؤية آدم سميث في التبادل الحر. وهو بالتأكيد أقرب اليه بكثير من رأسمالية آسيا الأبوية المتواطئة التي طالما غرّت مناهضي النظام الأميركي في فترة الفقاعة الآسيوية التي نفست اليوم"(9).
وكان هذا رأي بعض الجامعيين. فبحسب قول احدهم أن "الأزمة قضت على مصداقية نموذج النمو الاقتصادي الياباني أو الشرق آسيوي"(10). وقد نزل السيد غرينسبن بنفسه الى الحلبة ليبرهن أن ما تسبب بالأزمة الآسيوية هي الدولة المطورة أي سياسة التصنيع التي تقودها الدولة وتخصيص الموارد بإدارة الحكومة بدلاً من ترك ذلك للسوق. وأكد ان الأزمة تعني أن العالم يتخلى حتماً عن السياسة التوجيهية لصالح "الصيغة الغربية لرأسمالية السوق الحرة"(11). باختصار إن "المعجزة" الآسيوية أصبحت فجأة "سراباً".
فممّا بين سطور هذه المداولات كان يفترض القول ان "الوافدين المتأخرين" الى الرأسمالية الحديثة قد أعيدوا الى حجمهم الطبيعي. فمن على طرفي الباسيفيك فسرت الأزمة على أنها صدمة ما بين الشرق والغرب ولحظة حاسمة لإقامة التوازن في السلطة الاقتصادية العالمية. وقد عززت الطريقة الأميركية في إدارة أزمة 1997 ــ 1998 الفكرة القائلة بأن عملية التحرير الجريئة للأسواق المالية المحلية بتحفيز من واشنطن وصندوق النقد الدولي خلال الأزمة وبعدها، تحولت أداة سلطوية واندرجت في إطار جهد اوسع يهدف الى "إسقاط سياسات "الدولة المطورة" في العالم أجمع(12).
وفيما عمدت الخزانة الأميركية في العام 1994 الى تعويم المكسيك بشكل سريع وحاسم، كانت الولايات المتحدة وشريكاتها ما وراء الأطلسي تستنكف عن القيام بأي شيء على مدى أشهر فيما أزمة العام 1997 تكتسح مجمل شرق آسيا. ولم يوضع مخطط مهم للتعويم من جانب صندوق النقد الدولي إلا بعد التحقق من بلوغ الظاهرة مداها، فقد خرجت العدوى عن كل سيطرة ووصلت الأزمة الى الأسواق العالمية. وما هو معبّر أكثر أن الخزانة الأميركية وضعت فيتو على الاقتراح الياباني في اواخر العام 1997 بإنشاء "صندوق نقد آسيوي" بغية إمداد الدول المعرضة لهروب الرساميل بشكل مكثف بقسم كبير من السيولة التي كانت تحتاجها.
فهذا الاقتراح سحقه "سريعاً و... بشكل فظ رئيس الخزانة الأميركي وقتذاك السيد لورنس سامرز" مما عزز في شرق آسيا الفكرة القائلة بأن "الولايات المتحدة مستعدة لشطب العديد من الدول الآسيوية عن الخريطة الاقتصادية. حتى ان البعض رأى أن الأميركيين مستعجلون للاستفادة من الوضع الحرج الذي شهدته آسيا"(13). ففي نظر واشنطن تمثلت المشكلة في أنه كان من شأن صندوق النقد الآسيوي أن يتحول نواة لنظام نقدي اقليمي مستقل من شأنه منافسة صندوق النقد الدولي، إحدى الأدوات الشمولية للهيمنة الغربية. وهكذا سهلت عملية تدخل هذا الأخير مع حصته العادية من سياسات التصويب البنيوية الجذرية الهادفة الى إنقاذ الدول الدائنة وفتح قطاعات اقتصادية محمية وضغط حركة الطلب الداخلية.
وليس من أدنى شك في ان الأزمة اعتبرت تماماً فرصة للانتقال الى السيطرة على قطاعات استراتيجية محمية في الاقتصادات المحلية. وقد شدد دانيال لاين، من مجموعة "مورغن ستانلي" المالية، في تحليل نقدي للسياسة الأميركية على أنه إذا كان للغرب مصلحة في الابقاء على "الارتهان الشرق آسيوي للطلب الخارجي وعلى القدرة الانتاجية الممسوكة أو الممولة عبر مصالح أجنبية، فإنه يريد أيضاً "أن يتمكن من شراء الاقتصادات الداخلية في المنطقة"(14).
وكما عندما تناول الأمر سابقاً عملية إعادة تسعير الين فان هذه السياسة، التي جاءت نتائجها على النقيض التام لما كان يتوخى منها، قد باءت بفشل كلي.
فهي اولاً تسببت بصدمة ارتدادية وطنية قوية جداً في كل البلدان المعنية. وبنتيجة ذلك فإن الصناعات الداخلية لم تنخفض قيمتها، بل على العكس تماماً، فان العديد من الدول التي ضربتها الأزمة، مع بعض الاستثناءات كما في حالة اندونيسيا، قد نجحت في الحفاظ على إشراف قطاعاتها الاستراتيجية على المساعدة في شراء الدولة ديون الشركات الخاصة أو في تجميد عملية خصخصة القطاع العام.
ثانياً كان من شأن هذه السياسة أنها حفزت التعاون النقدي اقليمياً. ففي العام 2000 أطلقت الدول الآسيوية "مبادرة شيانغ ماي" الهادفة الى تنظيم التنسيق النقدي الاقليمي عبر إنشاء نوع من صندوق نقد آسيوي غير رسمي. وفي العام 2003 شكل عدد الدول الآسيوية "آسيا بوند"، وهو جهاز نقدي مشترك الهدف منه تجنيد الاحتياطات الضخمة بالنقد الأجنبي المراكمة في المنطقة لأهداف انتاجية(15).
ثالثاً، ومن السخرية المؤلمة، أن الولايات المتحدة، بإضعافها الجهود اليابانية للبناء الاقليمي قد عززت، عن غير رغبة منها، موقع الصين الاستراتيجي. فعملية التكامل الاقتصادي الاقليمية، التي كانت تقودها طوكيو حتى ذلك الوقت قد باتت اليوم تتم تحت راية الصين.
فالصين التي نجت من الانعكاسات المباشرة للأزمة بفعل الرقابة على أسعار الصرف، أصبحت منذ أواخر العام 1990 المحور المركزي للنزعات التكاملية الاقليمية. وتعكس هذه الظاهرة تراجعاً في اندفاعة اليابان ودينامية الاقتصاد الصيني حيث نسبة نمو مجمل الناتج المحلي بلغت 7.8 في المئة في العام 2002 ومن المتوقع أن تبلغ ما بين 8 و9 في المئة في العام 2003 بالرغم من تفشي داء السارس فيها، وقد أصبح هذا البلد، في العام 2002، الدولة الأولى في استقبال الاستثمارات الدولية المباشرة (52.7 مليار دولار). وهو ما يعكس نية الصين، من الناحية الجيوسياسية في أن تكتسب موقعاً مركزياً في شرق آسيا في العقد المقبل.
في العام 2001 أطلقت السلطات فكرة إنشاء مناطق إقليمية للتبادل الحر من الآن وحتى العام 2010 بين شرق آسيا وشمالها. وفيما تشهد حركة التجارة العالمية تراجعاً فإن المبادلات التجارية والاستثمارات بين الصين وسائر آسيا تشهد تطوراً قوياً. فقد زادت صادرات "مجموعة دول جنوب شرق آسيا الى الصين بنسبة 55 في المئة خلال النصف الأول من العام 2003 لتبلغ 20 مليار دولار من أصل رقم إجمالي يبلغ 70 مليار دولار. وفي الواقع أن المبادلات التجارية بين المنطقة والصين قد تزايدت بوتيرة أكثر ثباتاً من المبادلات الآسيوية مع الولايات المتحدة. ومع اليابان تجاوزت أساساً الواردات اليابانية الواردات الأميركية كما ان الصادرات اليابانية الى الصين تشهد ارتفاعاً منتظماً. والنزعة نفسها يمكن استنتاجها في ما خص المبادلات الثنائية مع كوريا الجنوبية وتايلاند وماليزيا وسنغافورة(16).
وما تعنيه هذه الظواهر أننا أمام المراحل الأولى من بناء اقتصاد سياسي اقليمي صيني. وما تراه بيجينغ هو ان لهذا التطلع العديد من المنافع، فهو من جهة يحد من ارتباط البلاد بالسوق الأميركية وبناء عليه من تعرضها للضغوط وللصدمات الخارجية. اما شبكات الترابط المتبادل التي تقام مع سائر آسيا فانها ستكون نوعاً من صمام أمان بين الصين والولايات المتحدة.
أما بالنسبة الى سائر المنطقة فان انعكاسات هذا التطور تبقى أكثر غموضاً. فاليابان، الدولة المتقدمة أشواطاً، تتنازع مع بيجينغ السيطرة على المنطقة حتى وإن تكن شركاتها المتعددة الجنسية تزيد دائماً من استثماراتها في الصين. وهذا التنافس يعود بالمنفعة ربما على دول جنوب شرق آسيا غير الراغبة أبداً في استبدال الارتهان الاستراتيجي (الأميركي) بارتهان آخر (صيني). أضف الى ذلك أن الصين، ونظراً لطبيعة انتاج البلدان النامية في المنطقة وتخصصها الضيق في قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة (الالكترونيات والنسيج الخ)، باتت تمثل بالنسبة الى هذه الدول تحدياً رئيسياً في مجال المنافسة.
والنزعة الاقليمية اليابانية ولدت حالة تصنيعية سطحية بدلاً من تحديث جنوب شرق آسيا في العمق. فبسبب الفروقات المهمة بين الدول المتطورة (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة) والدول الأقل تطوراً (ماليزيا وتايلاند واندونيسيا وفييتنام الخ) وبسبب المنافسات الاقليمية فإنه لن يكون في الامكان إقامة نظام اقليمي آسيوي منسجم قبل زمن طويل. لكن هذه لا يعني ان الميول لا تذهب في هذا الاتجاه على المدى الطويل. ولاعتبارات عدة يمكن تشبيه هذه الظاهرة البنيوية بتلك التي أدت بالولايات المتحدة لكي تصبح قوة اقتصادية مهيمنة، وهو المسار الذي أعاقه انهيار ثلاثينات القرن الماضي لكنه لم يلغِه. وكما يوحي اللغط الدائر حول قضية النقد الصيني فان على الغرب أن يحقق ثورة كوبرنيكية (انقلاب فعلي مع الماضي) قبل أن يتقبل هذا الواقع عن طيبة خاطر.
* صحافي واستاذ في جامعة باريس الثامنة.
[1] راجع:
Senators urge Treasury to take action to get China to float its currency, http://schumer.senate.gov
[2] راجع:
Fed's calls for yuan float grow louder, in International Herald Tribune, Paris, 17 juillet 2003
[3] اقرأ:
Meredith Woo-Cumings, "East Asia’s American Problem" in Past as prelude, Westview Press, Boulder, Colorado, 1993.
[4] راجع:
Claude Pottier, Les multinationales et la mise en concurrence des salariés, l?Harmattan, Paris, 2003
[5] راجع:
Giovanni Arrighi, The LongTwentieth Century, Verso, Londres, 1994, p. 353
[6] اوردها:
Richard
Katz, The System that Soured: The Rise and Fall of the Japanese Economic Miracle,
M. E. Sharpe, 1998, p. 9
وقد أبدى الأوروبيون
نظرة مماثلة. ففي العام 1991 صدر عن رئيسة الوزراء الفرنسية اديث كريسون كلام
مؤسف اثار ضجة كبيرة، إذ صرحت آنذاك أن اليابان "نظام مقفل بإحكام"
و"يريد اجتياح" أوروبا والعالم.
[7] المرجع السابق.
[8] Chalmers Johnson, Blowback, the Costs and Consequenses of American Empire, Metropolitan Books, New York, 2000, p. 6
[9] أوردها تشارلز جونسون، المرجع المذكور أعلاه/ ص:6.
[10] راجع:
Donald K. Emmerson, "Americanizing Asia", in Foreign Affairs, New York, mai-juin 1998. Voir aussi Philip S. Golub, "Remise en question du modèle occidental", in Le Monde diplomatique, avril 1999.
[11] راجع:
Alan Greenspan, "The ascendance of market capitalism", discours prononcé devant l?Annual Convention of the American Society of Newspaper Editors, Washington, D.C., 2 avril 1998
[12] راجع:
Immanuel Wallerstein, "America and the World: The Twin Towers as Metaphor", Charles R. Lawrence II Memorial Lecture, Brooklyn College, New-York, 5 décembre 2001
[13] راجع:
Bernard K.Gordon, "A High Risk Trade Policy", in Foreign Affairs, Londres, juillet-août 2003, p. 110
[14] راجع:
Daniel Lian, "Mr. Thaksin’s role in the East-West Dichotomy", Morgan Stanley Economic Trends Reports, New York, 25 juillet 2003
[15] تمتلك اليابان والصين مجتمعتين 990 مليار دولار من الاحتياط بالعملة الأجنبية (560 و340 ملياراً على التوالي) هي بشكل أساسي سندات خزينة أميركية. وإذا أضفنا اليها احتياط سائر دول شرق آسيا يتجاوز الرقم مليار دولار. بمعنى آخر أن منطقة شرق آسيا تمول الدين والاستهلاك الأميركيين.
[16] برنار كي. غوردن، المرجع المذكور أعلاه، ص: 111
| www.mondiploar.com |