طبع المقال
تحميل المقال


في مواجهة الاحتلال الأميركي للعراق
العالم العربي في وضع حرج

هشام بن عبد الله العلوي*
Hicham Ben Abdallah El Alaoui*

يقول المثل: "انتبه الى ما تطلبه فمن المحتمل ان تحصل عليه." يبدو أن الولايات المتحدة قد حققت ما أرادته في العراق، أي النصر العسكري السريع ـ الذي أسقط صدام حسين والمخاطر الضاغطة التي كان يهدد بها، أياً يكن نوعها ـ واقامة رأس جسر في مشروعها لإعادة تركيب الشرق الأوسط على أساس ديموقراطي.

  ومما لا شك فيه ان لدى واشنطن استراتيجيا ما، أيا يكن الرأي فيها، وهي الاستراتيجيا الجريئة من جانب قوة عظمى مستنفرة من أجل تحقيق غاياتها. وإن تكن هي لا تعجبنا فعلينا أن نحشد قوانا الخاصة في خدمة مشروعنا الخاص. إنما علينا أيضاً الاعتراف بالتفاوت الأكيد في القوى. فالعالم بغالبيته قد عارض هذه الحرب لكنه لم يستطع وقفها.

  والمؤسف أكثر أن العالم العربي والاسلامي لم يتمكن من مقاومة هذا المشروع ولم يعد حتى يملك القوة لإيجاد وحدته ورغبته الضروريتين للدفاع عن مصالحه. فالشعارات المظفرة حول الوحدة العربية الشاملة قد سقطت لصالح الاعتراف الفاضح بالضعف السياسي والاجتماعي والعسكري الموهن. فطالما نحن لا نتجاوز هذه المعطوبية سيظل برنامج عملنا من وضع غيرنا. فالولايات المتحدة، عندما قررت غزو العراق قد وضعت جدول اعمال هي نفسها، ومثلنا تماماً، عليها مواجهته الآن. فلنأمل أن يستغل العرب الفرصة لصوغه في الاتجاه الملائم لشعوبهم.

  من وجهة نظر القومية العربية، البراغماتية والديموقراطية، فإن الكثير من التغييرات تفرض نفسها في الشرق الأوسط. فالتشبث برفض أي إصلاح ديموقراطي، وصمود الأنظمة السياسية القائمة على رجلٍ قوي أو على الحزب الواحد، والعجز عن حل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الفادحة والنفوذ المتنامي للتيارات الأصولية والجهادية وتعدد المواقف السياسية المتمحورة حول الأصولية والاستبدادية العلمانية، كل هذه العناصر تساهم في رسم مشهد في منتهى الاضطراب. ولم تظهر أي حركة تحضّ ولو على بعض التغيير سواء بدفع من الأنظمة أم من النخب أم من الشارع.

  وفي عالم تسيطر عليه حال من الهلع بسبب عدم استقرار دوله وعدوانية الأطراف الفاعلة التي تتفلت من سلطتها، هناك الكثير من الأسباب التي تستدعي الرغبة في رؤية المجتمعات العربية تتطور. وهذا الهاجس رفعته أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 الى رأس سلّم اولويات الغرب. ويبدو أن الشرق الأوسط قد حل مكان اوروبا كمحور للسياسة العالمية، حيث تتشعب الطرق وحيث سيتم قريباً اعتماد الخيارات الحاسمة التي ستحدد مستقبل العالم.

  وبدلاً من التفكير في ساحة المعركة في "صدام الحضارات"، فلنتطلع الى مصهر تُسيّل فيه جميع الثوابت العالمية الجديدة في إقامة التوازن والتعاون. ومن هذه الثوابت تبرز مفاهيم الديموقراطية والشرعية الشعبية والقانون الدولي وحق الدفاع عن الذات والسيادة الوطنية، كما ايضاً فكرة "حق الشفعة" مع ما يلازمه من حق امتلاك أو استخدام او التهديد باستخدام وسائل العنف على مستوى محدود او مكثف، بغية تحقيق الأهداف.

  كثير من المفاهيم التي تجعل الخلافات مستمرة وليس في ذلك ما يفاجئ. فمهما يكن من جرأة في المحاولة الأميركية لفرض إدارتها لهذا التطور التاريخي، فهي تبقى مجبولة بالتناقضات. إنه مشروع قد تأتي نتائجه الفعلية مختلفة كلياً عن الأهداف المتوخاة.

  فالحجج التي تذرعت بها واشنطن بالكثير من الإصرار لتبرير تدخلها في العراق هي في الواقع الأقل إقناعاً، من أسلحة الدمار الشامل الى علاقة صدام حسين بتنظيم "القاعدة" الى الخطر الذي يمثله النظام البعثي. وكلها أسباب تساقطت مصداقيتها، المحدودة جداً أساساً داخل المجتمع الدولي، حتى في الولايات المتحدة الى درجة أنها لم تعد تستحق الكلام عليها. وعلى كل حال فان المدافعين الأكثر حماسة عن الحرب داخل الحكومة الأميركية قد اقروا بأن هذه التبريرات كانت من باب "التوفيق" أكثر منها حقيقية.

  لكن للعملية الاميركية تفسيراً آخر. فالوقائع الثابتة تشير الى أن اجتياح العراق ليس سوى الفصل الكبير الأول من عملية إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية العالمية والدور الذي تنوي الولايات المتحدة أن تلعبه فيها. وقد وضعت هذه الرؤية منذ ما قبل 11 أيلول/سبتمبر، إلا ان الجرائم التي ارتكبت في ذلك اليوم ساعدت في كسب دعم الشعب الأميركي والتحول الى خوض الحرب العالمية على الارهاب.

  في ايلول/سبتمبر عام 2002 نشرت "استراتيجيا الأمن القومي للولايات المتحدة"(NSS). وفي كلامه عنها رأى فيها الصحافي وليم بفاف "التنكر الأميركي ضمنياً لنظام الدولة الحديثة الذي يحكم العلاقات الدولية منذ العام 1648 ومعاهدة "وستفاليا"(...) وذلك بهدف الحلول مكان مبدأ الشرعية الدولية القائم(1). ويتابع بفاف أن هذه الوثيقة "تؤكد أنه إذا قررت الولايات المتحدة من جانب واحد أن إحدى الدول تشكل خطراً مستقبلياً عليها، (...) فإن واشنطن ستتدخل وقائياً من أجل إزاحة الخطر حتى بـ"تغيير النظام إذا اضطرها الأمر الى ذلك" (2). وهو يدعو الى بسط الهيمنة الأميركية في كل مناطق العالم ويشدد على أن الولايات المتحدة "ستتصرف بشكل وقائي" بغية "استباق (...) اعمال عدائية من جانب أعدائها ومن أجل ردع خصومها المحتملين عن تنمية قواهم العسكرية على أمل تجاوز أو مضاهاة " قدراتها.

  ووفقاً لهذه السياسة يجب على الولايات المتحدة في الواقع أن تؤمن لنفسها "قوة عسكرية لا تضاهى" كي تتمكن من فرض إرادتها في كل مكان. ويجب عليها بالتالي أن تستبق ظهور دول قادرة، بفعل أسلحتها النووية، أن تجمد هذه الدواعي، والعراق يمثل في هذا المجال الدولة الأساسية في منطقة أساسية. كما يتطلب الأمر أيضاً منع قوى نووية منافسة لها، مثل روسيا او الصين، من ان تطرح على بساط البحث مسألة هيمنتها الشمولية.

  وتمثل الحرب على العراق الذروة بعد عشر سنوات من العمل الفكري والسياسي المكثف الذي قامت به مجموعة صغيرة من المحافظين الجدد(3) الذين شكلوا مع الأصوليين المسيحيين ومع ذوي النزعة العسكرية، تحالفاً امبراطورياً جديداً تبلورت صورته في ظل رئاسة السيد جورج دبليو بوش.

  وهذه الاستراتيجيا تستدعي في الشرق الاوسط تغييراً جذرياً في "مجرى التاريخ" عبر تشجيعها اعتماد القيم السياسية والاقتصادية الأميركية على أمل أن تعقبها قيم مكملة أخلاقية وثقافية وحتى دينية. ووفقاً لهذا السيناريو من المفترض باحتلال العراق أن يوقف انتشار الأصولية الاسلامية ويضعف دعم المقاومة الفلسطينية ويحمل الفلسطينيين والعرب على الموافقة على مشروع "السلام". كما أنها تهدف الى وضع الولايات المتحدة في قلب منظمة الدول المصدرة للنفط بغية تعزيز سياسة تحديد الأسعار الخام والوضع المركزي للدولار عالمياً في آنٍ معاً.

  وفي هذا رؤية جريئة تكاد تكون رسولية. فهناك بحاثة مثل برنار لويس وفؤاد عجمي قد ساهموا في إقناع واشنطن بأن الانحطاط في عالم عربي عاجز عن تحقيق الاصلاح سيولد أشكالاً أكثر فتكاً من الإرهاب المعادي لأميركا. فالعهد الذي قام بعد 11 أيلول/سبتمبر هو أن القضاء على أنظمة من نوع نظام صدام حسين وتغيير الثقافة السياسية في الشرق الأوسط سوف يمنعان المجموعات المتطرفة من نوع تنظيم القاعدة من الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وعلى هذا الأساس تقدم هذه الاستراتيجيا على أنها حاجة دفاعية.

  وفي الحقيقة أن الخطر الحقيقي يتأتى من الأسلحة النووية التي تأمنت لها مصادر صناعية وعلمية أقل انتشاراً ويسهل أكثر التحكم بها. فالحكومة الأميركية تستخدم عبارة "أسلحة الدمار الشامل" كي تمزج بين الأسلحة النووية والأسلحة البيولوجية والكيميائية مع انه تبين من التجربة أن هذه الأخيرة يصعب استخدامها وقليلة الفاعلية، إلا أنها أسهل جداً في التصنيع والاخفاء. فاعتبار أيّ بلد عربي أو اسلامي يملك صناعة كيميائية أو صناعة الأدوية البيولوجية بشكل بدائي على انه يشكل خطراً محتملاً، فهو قد يوفر يوماً ما السلاح لمجموعة إرهابية قادرة على استخدامه ضد الولايات المتحدة أو حلفائها. وهذا معناه القول لدول الشرق الأوسط أن مجرد التوصل الى مستوى معين من التطور قد يعتبر خطراً بحد ذاته إذا لم تلتحق هذه الدول بقوة بركاب المعسكر الأميركي.

  يضاف الى ذلك أن هذه الاستراتيجيا، الى جانب كونها تطالب بعدم تطوير الأسلحة النووية، تتخلى عن وسائل الرقابة، المعترف بها دولياً بواسطة المعاهدات، على نشر الأسلحة النووية، وذلك لصالح سياسة اكثر عدائية إحادية الطرف و"استباقية"، ففي الواقع أن "معارضة نشر الأسلحة" تكرس امتلاك الولايات المتحدة وحلفائها المقربين الأسلحة النووية إضافة الى التهديد باستعمالها.

  والمخيف أيضاً أن القوة العسكرية تشكل الوسيلة الأساسية التي تعتمدها الاستراتيجيا الجديدة لتحقيق أهدافها. فإذا تمنعت الدول عن الانصياع فان الولايات المتحدة تتكفل حملها على ذلك عبر فرض "التغييرات في الأنظمة" من طرف واحد ولو انتهك القانون الدولي. وما التزامها "الانساني" و"التقدمي" إلا تغطية رسمية للاحتلال. وما شأن المشكلات السياسية والاجتماعية المحلية؟ هي مجرد امور زائدة تحل سريعاً بعد استعراض القوة الساحقة، وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها "هذه الدول". فخطاب المحافظين الجدد حول "التحرير" و"إقامة الديموقراطية" يدعي التفوق على الحضارات كلها.

  ومشروع على هذا المستوى من العدائية يعتبر رهاناً ضخماً على فعالية التكنولوجيا العسكرية، وهو على كل ما رفضه قسم كبير من المجتمع الدولي. أما بالنسبة الى الرأي العام الأميركي، المرتاب جداً عندما يكون في وضع الضحية، فانه لم يتقبله الا بعد تأكده من وجود خطر حقيقي واحتمالات فعلية لتحقيق النجاحات. أما أنصار هذه الأحادية العدوانية في التصرف فكانوا يعلمون أنهم لن يسوقوا مشاريع شركاتهم "في غياب حدث يكون بمثابة كارثة وعامل محفز، بيرل هاربر جديدة نوعاً ما(4)" وهكذا فان صدمة 11 أيلول/سبتمبر وحدها كانت كفيلة فرض الانسياق وراء المشروع.

  من جهتها الدوائر التقليدية في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية التي اضطرت الى الانكفاء، فانها تشعر أيضاً بشيء من القلق إزاء هذا المستوى من التعصب. فالكل يتفهم الخطر الكامن في مشروع زعزعة الاستقرار في مجمل العالم العربي. حتى أن وزيراً سابقاً للخارجية في عهد الرئيس جورج بوش الأب قد صرح قائلاً: "إذا قرّر جورج دبليو بوش أن يطلق قواته ضد سوريا وإيران (...) فأنا بنفسي سأكون من الداعين الى تنحيته(5)..." فإيران وسوريا وحتى السعودية التي يزداد توجيه الانتقادات اليها، هي في وضع المستهدف.

  فتطور الأحداث في هذه الدول الثلاث قد يفاقم من التجاذبات داخل الولايات المتحدة، بين التقليديين والمحافظين الجدد. فالفريق الأول يتمنى، بالنسبة الى إيران، تمتين العلاقات مع الايرانيين المعتدلين بغية التشجيع على عملية اصلاح النظام السياسي على المدى الطويل والتفاوض لحل المسألة النووية والحفاظ على التزود من النفط بشكل ثابت، وأبعد من ذلك من أجل تأمين تعاون أفضل مع شيعة العراق. ولأنهم مقتنعون بصعوبة القيام بعملية عسكرية ضد طهران فهم يفضلون دعم التغييرات الجارية. بينما المحافظون الجدد، وبالعكس، يفتقرون الى الحد الأدنى من الصبر اللازم في انتظار التوصل الى التوفيق مع رجال الدين هؤلاء "غير الأصوليين جداً" على أمل "بسيط" في أن يتخلوا "كما وعدوا" عن الأسلحة النووية. وهو ما ينذر بمواجهة وشيكة.

  وفي ما يتعلق بسوريا فان واشنطن تطالبها بالكف عن دعم المناضلين الفلسطينيين وحزب الله اللبناني. وعلى الأرجح أن التقليديين مستعدون لمنحها ، مقابل هذه التنازلات، ضمانات تتعلق بلبنان والجولان وباستمرار النظام البعثي. اما الصقور فيبدو أنهم من جهتهم قرروا المواجهة على أساس اتهامهم دمشق بإخفاء أسلحة السيد صدام حسين للدمار الشامل، إن لم تكن تؤويه هو نفسه. وقد وصل الأمر بالقوات الأميركية في العراق أن دخلت أراضي سوريا مع انها تعتبر "احد الحلفاء الأكثر فعالية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في مجال الاستخبارات المتعلقة بالحرب على تنظيم القاعدة"(6).

  ويعتبر الموقف من السعودية نموذج التعارض الجذري بين التقليديين والمحافظين الجدد. فالأول، وأكثر ما يهمهم هو النفط، طالما قامت علاقاتهم على حماية النظام الملكي السعودي الذي، منذ أن وقع في العام 1945 الميثاق مع الرئيس فرنكلين د. روزفلت، لا يزال يضمن وصول أميركا الى موارد بترولية ثابتة وقليلة الكلفة. أما الفريق الآخر فهو ينوي "هزّ العصا" في وجه الرياض التي، إضافة الى دعمها القضية الفلسطينية والأصولية الاسلامية، توجه اليها تهمة تمويل اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر، أو أنها كانت على علم مسبق بحدوثها. فأن يكون السيد أسامة بن لادن ومعظم قراصنة الجو من السعوديين لهو دليل قاطع على مخاطر الوهابية الراديكالية. فالمحافظون الجدد المتساهلون مع هذه الوهابية خلال الحرب الباردة، باتوا يطالبون بأن يتخلى النظام السعودي عن هذا المذهب الاسلامي الذي عليه تقوم شرعيته...

  هذه الهجومات في كل الاتجاهات، وانعكاساتها المتوقعة، تثير قلق انصار السياسة الخارجية المعتدلة. فهؤلاء، في الولايات المتحدة كما في سائر العالم، يخشون أن يستفيد الأصوليون الراديكاليون من حدوث أزمة تمتد الى المنطقة كلها. لكن الأنقياء المتشددين لا تثنيهم فكرة حدوث كارثة. فأن تأتي النتائج سلبية على المدى القصير ليس من شأنه الا أن يبرز الطبيعة غير الديموقراطية في الأنظمة والمجتمعات التي تنتج الارهاب، مما سيدفع الولايات المتحدة بالتالي، "وفي سلسلة من التحركات والهجومات المضادة التي ستتوسع مع الوقت(7)"، الى توسيع المواجهة حتى فرض حضارة ديموقراطية في كل مكان في الشرق الأوسط.

  فهل أن العراق "سيغير مجرى التاريخ"؟ ولإن نعم، ففي أي اتجاه؟ إن احتلال العراق وإعادة بنائه يشكلان الآن نقطة انطلاق. لكن التاريخ يبرهن كم هو صعب إعادة الثقة وإنشاء مؤسسات جديدة ومحاولة إشراك مختلف الجماعات في مجتمع متعدد الاتنيات خاضع لسيطرة أجنبية. ففي دول البلقان كان من شأن الانتداب الدولي الصريح وبإدارة مدنية تستمد سلطتها من المجتمع الدولي، عبر الأمم المتحدة، أنه ساعد في تعاون جميع العناصر المكونة للشعب في إعادة البناء السياسي، وفي تجنيب السلطات المدنية والعسكرية التعرض لأعمال مقاومة.

  وتستند مهمة الولايات المتحدة الحالية الى أساس أكثر هشاشة، فالاحتلال الأميركي للعراق جاء نتيجة اجتياح أدانته معظم دول العالم، ولم تطالب به أي جماعة موجودة على الأرض، وقد انهك البنى التحتية المدنية في البلاد. ولذلك عليها الانطلاق من الصفر كي تبرهن عن جدارتها للعراق والعالم. وليس من شيء جلي في هذا المجال إذ لم يجرِ إعداد أي شيء لمرحلة ما بعد الحرب. والحال، فإن إعادة الأمن، حتى، التي تتطلب جملة من البنى، من الشرطة المحلية الى النظام القضائي الوطني، تتجاوز صلاحيات الجيش. فقد جرى كل شيء وكأن واشنطن اعتقدت أن بامكانها أن ترث أجهزة الدولة البعثية سليمة.

  إن حالة الدمار في البلاد وطموح الأهداف الأميركية يتطلبان التزاماً مالياً وانسانياً ضخماً. وإذا ثابرت واشنطن على خيار التصرف الأحادي الطرف، فان هذا الجهد سيقوم على مواردها وحدها وحسب. غير أن نصف قواتها القتالية موجودة في العراق وتقدر كلفة الاحتلال بـ60 مليار دولار سنوياً، ولن تغطي عائدات النفط هذه التكاليف قبل سنوات. وحالة الرضى التي تعبر عنها الولايات المتحدة بالنسبة الى الأبعاد الديبلوماسية والسياسية لعمليتها قد تجبرها على أن تسحب من احتياطها الخاص بشكل مكثف. فلا احد يرغب في تقديم المساعدة لهذه الجهود إذا احتفظت أميركا بالسلطة السياسية لنفسها، ولا يمكن تحقيق أي تقدم بدون قيام شرعية موسعة.

  والحلفاء، خصوصاً في "أوروبا القديمة"، الذين أهينوا على قدم وساق، لا يزالون حتى الآن يصمون آذانهم عن المطالبة بقوات إضافية. وإذ تسعى بشكل مسعور الى ترويج مشاركة العالم الثالث، والاسلامي إذا امكن، ليشاطرها الأعباء، فان الولايات المتحدة التفتت مجدداً ناحية تركيا. وقد اوضح السيد بول وولفوويتز، مساعد وزير الدفاع، مفهومه للديموقراطية عندما أنحى باللائمة على العسكريين الأتراك لأنهم لم يشاركوا بقواتهم منذ البداية بالرغم من معارضة البرلمان.

  ثم أن تتالي الهجومات على قوات الاحتلال يجعل مشاركة الدول الأخرى أكثر الحاحاً وأكثر صعوبة. لكن ما يقرر مصير التدخل هو بنوع خاص رد فعل الأطراف الاجتماعية العراقية. فانهيار البنى التحتية الاجتماعية يثير حالة من الغضب تغذيها الجهود الأميركية المبذولة للامساك بالسلطة، فإذا المظاهرات والدعوات الى انهاء الاحتلال تتوالى. فمصرع عائلات بأكملها عند نقاط التفتيش وأثناء همليات النهب بات أمراً مألوفاً، وقد تكثفت أعمال المقاومة بعد أن كانت متقطعة في البداية. وقد بات الجنود الأميركيون يعون واقع النظرة اليهم على أنهم "محتلون" أكثر منهم "محررين".

  وبعد ان ألغت فكرة إجراء اتتخابات محلية، عمدت السلطات الأميركية الى جمع مجلس حكم على عجل. وقد اختار بعض العراقيين، ومعظمهم من الشيعة، موقف الترقب، فيما عمد آخرون الى اغتيال المتعاونين. فما هو الحجم الذي يمكن أن تتخذه المقاومة المسلحة؟

  ما من أحد يعلم، لكنه سيكون من الغباء الاعتقاد أنها ستبقى محصورة بأنصار صدام حسين. وفي المقابل بات من المعلوم ما هي العوامل الحاسمة، من إعادة إعمار البنى التحتية، أو لا، الى تلبية الحاجات الاجتماعية الأساسية، أو لا، الى مسألة أن تكون السلطة، أو لا، في أيدي العراقيين، الى مسألة إقامة التوازن، او لا، بين مختلف الجماعات الاتنية والعشائرية والاقليمية والدينية.

  فالاكراد، الذين اقاموا حكمهم الخاص منذ العام 1991، يقدمون أنفسهم على انهم حلفاء واشنطن، وحتى أنهم تغاضوا عن المطالب التي قد تبعدهم عن الولايات المتحدة. اما السنة الذين خسروا موقعهم المهيمن فإن الحقد يتآكلهم، فيما المسلمون والمسيحيون العلمانيون يتخوفون من إمكان أسلمة المجتمع. فيما الشيعة (60 في المئة من السكان)، الذين قمعهم النظام البعثي، قد يكونون الرابحين اكثر من غيرهم من أي نظام سياسي جديد وقد يأتي موقفهم من التدخل مناسباً، إذ إن المشروع الأميركي لن يكتب له النجاح بدون تعاونهم.

  كما ان المقاومة ليس أمامها أمل كبير في النجاح بدون الشيعة. فإذا استوعبتهم هذه المقاومة فلن يتمكن الأميركيون من قمعها بدون محو البلاد وبالتالي اي شرعية معنوية أو سياسية. غير ان أي هيمنة شيعية قد تهدد وحدة البلاد كونها ستدفع الأكراد الى السيادة الذاتية والى التحالف مع السنّة والمسيحيين كما مع العراقيين العلمانيين. إذاً سيقوم نجاح المشروع الأميركي أو فشله على لعبة التوازن الدقيق الذي سيقيمه الشيعة ما بين التأييد والتحفظ والعدائية.

  وهناك أمل في ان يؤمن مجلس الحكم العراقي الذي عيّنه الأميركيون، بغالبية شيعية، في التوجه نحو إعادة البناء الوطني التوحيدي. غير أن المجتمع الشيعي يبدو مستعجلاً. فرجال الدين من آيات الله في النجف، المدينة الأكثر قداسة عند الطائفة الشيعية، لم يبدوا إلا تساهلاً محدوداً إزاء الوجود الأميركي.

   فآية الله علي سيستاني، العضو الأكثر توقيراً في الحوزة العلمية، مجلس رجال الدين المسلمين في النجف، لطالما كان من مؤيدي إقامة نظام شيعي، وقد أصدر "فتوى"  تطالب بأن يكون العراقيون وليس السلطات الأميركية، هم الذين يختارون أعضاء اللجنة المكلفة وضع دستور يجري الاستفتاء عليه. اما المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، الذي أداره حتى اغتياله في 29 آب/أغسطس 2003 آية الله باقر الحكيم، فإن له جناحه العسكري الخاص (لواء بدر) وقد اتخذ قاعدة له في إيران في عهد السيد صدام حسين، وهو يشارك في مجلس الحكم. كما ان الشخصية المتميزة للامام مقتضى الصدر، نجل زعيم ديني محترم اغتاله البعثيون، تلقى صدى واسعاً في صفوف الشباب والمحرومين. وقد نظم تظاهرات مهمة، لقيت ترحيباً في رسائل الدعم الموجهة  من إيران، للتنديد بنذالة مجلس الحكم وبأميركا وصدام حسين والاستعمار، وللدعوة الى إقامة نظام ديني وفق النموذج الإيراني. إلا انه يتفادى الدعوة الى المقاومة المسلحة التي تعارضها الحوزة العلمية.

  فكيف سيحسم الجدل بين مؤيدي الديموقراطية العلمانية والمتمسكين بنظام ديني تيوقراطي داخل جماعة الشيعة كما بين الشيعة من جهة وبين سائر العراقيين والسلطات الأميركية من جهة اخرى؟ فالولايات المتحدة، في سعيها الى تأمين التأييد الشيعي لها، قد تذكي من الحركة الأصولية.

  وهكذا نجد، في أحد احياء بغداد الفقيرة، مدينة صدام وقد أصبح اسمها مدينة الصدر، أن ميليشيات مرتبطة بمقتضى الصدر، تمولها القوات الأميركية بـ"ملايين الدينارات" تشارك على طريقتها في فرض النظام. وهي تطالب بإحراق دور السينما وبقتل تجار المشروبات الروحية والرجال الذين يرفضون إطلاق لحاهم وبفرض الحجاب على جميع النساء حتى المسيحيات منهن، وبان تعاقب بالموت مرتكبات "الاثم" والنساء غير المحجبات(8).

  إن مشاهد من هذا النوع تزيد المخاوف من قيام نسخة عن إيران أو افغانستان. فإذا تم فرض نظام آيات الله في بغداد فان وحدة الدولة العراقية ستضرب وستطلق يد الأصولية الشيعية عبر الحدود وتتلقى واشنطن كارثة سياسية. فالمسألة الشيعية أكثر من غيرها تبين التناقض بين الهدف المعلن من الولايات المتحدة، أي العمل على وصول العراق الى الديموقراطية، وبين الضرورة المطلقة، بالنسبة اليها، في التحكم بالعملية حتى النهاية. لكن ما الذي يمكن واشنطن ان ترفضه للشيعة الذين يكفي تمنعهم لنشر الفوضى؟

  لا يمكن للبيت الأبيض ان يسمح للعراق بالانحراف، على غرار ما حدث في أفغانستان. فهذه السابقة، كما سابقة البلقان، هي خير دليل. فإلحاق الهزيمة بجيش ما أسهل بكثير من بناء امة، هذا من دون الحديث عن تغيير حضارة منطقة ما. فالمشروع الامبراطوري للمحافظين الجدد يقوم على انتقاد للثقافة السياسية العربية المعاصرة وعلى الخوف من تياراتها المتطرفة(9). فالعلاج المطلوب يصل  أبعد من مجرد الاحتلال. فالتعقيد المجتمعي والتعددية والاستقلالية الثقافية المترسخة لدى شعب ما لا يمكن إلغاؤها وفق ترسيمة مستوردة من الأماكن البعيدة جداً.

  فإقامة الديموقراطية التي يحتاجها الشرق الأوسط بالحاح تتطلب ذكاء سياسياً وخيالاً معنوياً. وهي تستدعي دعم القوى التي عملت بشجاعة في هذا الاتجاه من منشقين وصحافيين خاطروا بحياتهم وحرياتهم كل يوم، الى إصلاحيين مسلمين دافعوا في وجه المتطرفين عن تلاؤم الاسلام والديموقراطية، الى مجموعات نسائية ونقابات وممثلي المجتمع المدني الذين ناضلوا من أجل الحق في الانتظام والتعبير عن آرائهم. وهي تفترض فهم أن الحركات السياسية الاسلامية ليست بالضرورة مكونة من جهاديين يعتمدون العنف، وأنه ليس من سبب يمنع من إلحاقها بالسياسة الوطنية كما المسيحيون الديموقراطيون في أوروبا.

  فعلى أي قوة خارجة راغبة في التدخل في المنطقة باسم الديموقراطية أن تتحاور مع هذه القوى وأن تحترمها وتتوصل بالتعاون معها الى حلول سياسية واجتماعية واقتصادية. ذاك لأن هذه المجموعات وحدها هي الكفيلة بكسب معركة الديموقراطية وبأن تكون المتراس الأمتن في وجه التطرفية الجهادية. وعلى عاتقها هي، وليس على نخبة قليلة في واشنطن، تقع مسؤولية خوض النضال من أجل الاصلاح في الشرق الأوسط.

  وواشنطن، بدلاً من أن تدعم هذه الحركات الاصلاحية المحلية، تستمر في التحالف مع الحكومات الاستبدادية التي تخنقها. فباسم "الحرب على الارهاب" تعزز الولايات المتحدة اكثر اجهزة الدول قمعاً وتتعامى عن الاعتقالات الاعتباطية في حق "الاسلاميين".

  وهي، إذا كانت تريد أن يأخذها الاصلاحيون العرب على محمل الجد عندما تؤكد التزامها لصالح الديموقراطية، عليها أن تكف عن تشجيع الاعتقالات الجماعية وأعمال التعذيب. وإذا كانت راغبة في ان يأخذها القوميون العرب المعتدلون على محمل الجد عندما تؤكد اهتمامها بمستقبل الحضارة العربية، أو بالخطر المتأتي من أسلحة الدمار الشامل، عليها أن تمتنع عن دعمها غير المشروط لسياسة إسرائيل العدائية وأن تبذل جهدها من اجل التقدم بمشروع سلام يأخذ في الاعتبار غضب الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال والاستعمار الى جانب المخاوف الاسرائيلية في المجال الأمني.

  لكن نظراً الى الأصل الصادر عنه مشروع المحافظين الجدد فان احتمال تغيير من هذا النوع يبدو ضئيلاً. وعلى كل حال، إذا كانت استراتيجيا الولايات المتحدة في المنطقة تسعى الى فرض مظالم جديدة على الفلسطينيين، فان العديد من الدول العربية لن ترى فيها، وعن حق، سوى أداة الغاية منها إرضاء التصلب الاسرائيلي. وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب فعلاً في ان يصدقها العرب عندما تؤكد تأييدها حق تقرير المصير، فلا يمكنها أن تطلب الى الديموقراطية العراقية أن تتلبس بثياب ديكتاتورية جديدة. وإذا لم تستطع تقديم الدليل على هذا الحد الأدنى من الاحترام لهذه المنطقة التي تؤكد انها تريد إصلاحها، فان التناقضات الداخلية في سياستها ستصبح أمراً بديهياً بالنسبة الى شعوب الشرق الأوسط، متخطية الحلقة الضيقة من دوائر التخطيط ووسائل الاعلام التي تجامل واشنطن.

  وليس لهدف واشنطن الاستراتيجي ان يتحقق ما لم يتحول العراق سريعاً دولة سيدة مستقرة موحدة ديموقراطية وغير دينية. هذا هو الشرط اللازم لتوفير الأمن في الشرق الأوسط وفي سائر العالم، وليحقق ايضاً المحافظون الجدد هدفهم من الحرب، أي تأمين قاعدة لهم تخدم المصالح الأميركية الجيوسياسية وتفرض الديموقراطية في العالم العربي في آنٍ معاً. ولتحقيق ذلك على الولايات المتحدة أن تقبل بخسارة بعض الرجال وبالتعهد بالانفاقات الضخمة في وقت يعيش شعبها في زمن خفض الموازنات. وما يمكن أن يشكل بالنسبة اليها فشلاً سياسياً ذريعاً هو الاحتمالات الأخرى من تفكيك الدولة العراقية وانتشار الفقر والاضطرابات والمقاومة وامتداد زمن الاحتلال الأجنبي وتصاعد الأصولية او قيام نظام استبدادي.

  اما بالنسبة الى العالم العربي سيكون من الخطر وقوفه مكتوف اليدين في انتظار فشل الولايات المتحدة التي، بتمديدها فترة احتلالها العراق، قد تتسبب بـ"تغيير الأنظمة" في أماكن أخرى. بل يجب على الدول العربية وسائر الدول النامية، المستهدفة بالقوة من الولايات المتحدة، أن تأخذ زمام المبادرة السياسية والمعنوية. فالمؤسسات الدولية التي أنشئت من اجل الحرب الباردة، من الأمم المتحدة الى جامعة الدول العربية الى حركة عدم الانحياز، بات عملها معطلاً. والسابقة الأميركية في مجال الحرب الوقائية تهدد بأن تصبح معياراً عالمياُ في النزاعات.

  ولتفادي ذلك نحن بحاجة الى بنى تضامنية جديدة تتجاوز الثوابت التقليدية في العلاقات بين الدول. فالأمم المستقلة عليها التزام احترام معايير القانون الدولي في نزاعاتها وإدانة أي عمل عسكري وقائي يتم عبر انتهاك القانون الدولي وحرمانه أي دعم (قواعد، حق استخدام المجالات الجوية الخ) والقيام بإصلاحات ديموقراطية حتى إن تطلب ذلك "تغييراً في الأنظمة". وهذه المبادرة، يجب ان تكون اكثر من معاهدة، بل ميداناً تعد فيه الاصلاحات الديموقراطية وفي العالم الاسلامي، الاصلاحات الاسلامية.

  فواشنطن، عندما "كسبت" حرب العراق قد وضعتنا جميعاً أمام الامتحان. فإذا لم تصبح بغداد، بحسب الوعود، مركز استقطاب ثابتاً تتمحور حوله عملية إقامة الديموقراطية في الشرق الأوسط، فان الولايات المتحدة ستجد نفسها ضعيفة ومعرضة أكثر للخطر، بينما  ستصبح احتمالات الاصلاح في العالم العربي قضايا شائكة اكثر. وبالطريقة نفسها إذا لم يجد العراق ودول عربية اخرى طريقها الخاص الى الديموقراطية والشرعية الشعبية فان النتائج ستكون مفجعة. وها ان حظوظ النجاح، كما حددتها أميركا لها ولسائر العالم تبدو واهية. وأياً تكن نيات الولايات المتحدة في احتلالها العراق، تلك ستكون النتيجة لها ولنا.

* مؤسس "مؤسسة جامعة برنستاون (الولايات المتحدة) عبر المناطق". شارك في العديد من مهمات السلام الدولية، وخصوصاً في كوسوفو مع الأمم المتحدة. ومن جهة اخرى فان الكاتب هو أبن عمٍ ملك المغرب محمد السادس. يقيم منذ سنتين في الولايات المتحدة. وهذا المقال مستوحى من محاضرة ألقيت في 29 أيلول/سبتمبر 2003 في معهد الأعمال في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة.



[1] راجع:

The International Herald Tribune, 3 octobre 2002. Voir aussi Henry Kissinger, "Irak Poses Most Consequential Foreign-Policy Decision for Bush" in Chicago Tribune, 11 août 2002.

[2] المرجع نفسه.

[3] اقرأ:

Philip S. Golub, "Métamorphoses d'une politique impériale", Le Monde diplomatique, mars 2003.

[4] تقرير PNAC، 2000

[5] راجع:

"Lawrence Engleburger: Bush Should Be Impeached If He Invades Syria or Iran", antiwar.com, 14 avril 2003.

[6] راجع:

Seymour M. Hersh, "The Syrian Bet: Did the Bush Administration burn a useful source on Al Qaeda?", in The New Yorker, 28 juillet 2003.

[7] راجع:

Jeffrey Bell, cité par Joshua Micah Marshall dans "Practice to Deceive", in The Washington Monthly Online, avril 2003.

[8] راجع:

Susan Sachs, "After the War: Bagdad ; Shiite Leaders Compete to Govern an Iraqi Slum" in The New York Times, 25 mai 2003.

[9] راجع:

Edward W. Said, "L'humanisme, dernier rempart contre la barbarie", Le Monde diplomatique, septembre 2003.

 

www.mondiploar.com

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم