طبع المقال
تحميل المقال


"أراضي الميعاد" في فنزويلا

موريس لوموان
MAURICE LEMOINE

سهل شاسع كأنه محيط أخضر تنتشر فيه جزر صغيرة مشجرة. على بعد عشر دقائق بالسيارة من سان كارلوس عاصمة ولاية كوجيدس، وعلى بعد كيلومترات تقريباً من الساحة الصغيرة حيث قتل في 10 كانون الثاني/يناير عام 1860، الجنرال إيزيكويل زامورا(1) تبدأ الـ"لاتيفونديو" (المزارع الكبرى). وخلف خطوط الشريط الشائك التي لا نهاية لها تمتد الـ000 20 الف هكتار من الهاتوس (مزارع الدواجن) التابعة لعائلة بولتون إحدى أغنى العائلات في البلاد. تليها الـ14000 هكتار من هاتو "إل شاركوتي" من ملكية "فلورا كامبانيا آنيونيما. أراضٍ ترتع فيها هنا وهناك بضع عشرات من "النوفيلوس" (الأبقار) شاردة في المساحات الشاسعة. وأبعد بقليل نجد المساحات الممتدة لعائلة برانجر 000 125 هكتار على "المونيسيبو باو"، واراضي سائر الملاكين الذين يملك بعضهم  000 80 هكتار وآخر 000 30 هكتار لا يستثمر منها غالباً أكثر من 3000 او 4000 هكتار.

  "أنا مزارع لا ملكية عندي، لديّ ارض إنما في المقابر." إنها الحقبة التي كان يُلقى القبض فيها على المزارع الذي ينتهك حرمة هذه المساحات البور ويُسجن ويخرج مثقلاً بالجروح. إنه الزمن حيث كان الـ"بيون"، العامل الزراعي، يعمل "بأجر يومي بخس جداً يبلغ 3000 بولوس"(2). ويزرع الفلاحون الذرة غير المنتجة في مساحات ضيقة بمساحة هكتار واحد ويعيشون من نعمة الروح القدس. المزارع الذي لا يملك ما يشتري به أو يستأجر قطعة صغيرة من الأرض الزراعية، الذي يبقى أسير الجدران الأربعة في "الرانشيتو" الكريهة في الضواحي المدنية.

  غير أن الجوع لا يرحم، وفي مطلق الحالات ليس الى ما لا نهاية. ففي 14 تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 استولى السيد جيزيوس فياسكيز، برفقة 25 رجلاً وامرأة، على قطعة أرض من "هاتو إيل شاركوتو". وصاحب الملكية المفترض، عبر شركة "فلورا كومبانيا آنيونيما" هو التاج البريطاني! "وقد طالبتهم الدولة بإبراز سندات ملكيتهم، لكنهم أبداً لم يقدموا ذلك، ففي الواقع أنها أراضي الدولة." هذه الوقائع أكدها التحقيق الذي أجرته المؤسسة الوطنية للأراضي (INTI)، التي أنشئت في 8 كانون الثاني/يناير عام 2002 لتطبيق "قانون الأراضي" الذي أصدره الرئيس هوغو شافيز، والذي بموجبه تملكت 800 عائلة، متجمعة في 24 تعاونية، قسماً من هذه الملكية وزرعت 7000 هكتار منها. وحالياً باتت المزروعات من الذرة والباباي والفاصوليا والبقول والمنيهوت تحيط "الرانشوات" المغطاة سطوحها بسعف النخيل وبناء المدرسة الخشبي الذي شيده المزارعون. وهم بأيديهم أقاموا الجسور التي تفضي الى المنطقة ويتأملون بفخر كيف تمر عليها الجرارات والشاحنات التي حصلوا عليها بفضل قروض من الحكومة. وبشيء من البهجة يقول السيد فياسكيز: "في العام الماضي جرى حصاد طنّين من الذرة، اما هذه السنة فهناك سعي للوصول الى الستة وأكثر بكثير في ما بعد، فالناس ينتجون وبات لديهم ما يأكلونه. بصراحة إنه تغيير رائع."

  وفيما كان الملاكون (terratenientes) بالتواطؤ مع السلطة السابقة، قد تملكوا بشكل غير قانوني ملايين الهكتارات، كانت فنزويلا تستورد 70 في المئة من المواد الغذائية(3). وإن لم نذكر إلا أصحاب شركة بولار للبيرة، وهي الصناعة الثانية في البلاد بعد النفط، فانهم يستوردون كامل حشيشة الدينار من الولايات المتحدة. وهناك محصول وافر من الذرة المستهلكة في البلاد، إلا ان الذرة المعلبة تأتي من الخارج! وإذا كان هذا الوضع يعود بالمنفعة على عمالقة الاستيراد والتوزيع إلا أنه أضر بالقطاعات الأكثر فقراً وخصوصاً بصغار المنتجين وترك مئات الآلاف من المزارعين طي الاهمال.

  في 13 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2001 وفي إطار سلة من 49 مشروع قانون، أعلن الرئيس شافيز "قانون الأراضي" الهادف الى إصلاح حالة المظالم الاجتماعية العميقة والى توفير الأمن الغذائي في فنزويلا عبر إعادة إطلاق عملية الانتاج. وهذا القانون الذي لم يمس بأي شكل بالاستثمارات الجارية، إنما سعى الى وضع حدٍ للـ"لاتيفونديو"، وفرض ضريبة على الأراضي غير المنتجة وحتى على نزع الملكية عنها، وحظر أن يستملك شخص وحده مساحة تزيد على 5000 هكتار. وهو ينص من جهة أخرى على استرجاع أراضي الدولة العديدة التي تم الاستيلاء عليها بطريقة غير شرعية. كما قضى بتوزيع كل هذه المساحات على المزارعين مشجعاً دونما حصرية على تشكيل التعاونيات.

في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2001 غادر حوالى عشرين ألف "كامبيزينوس" (مزارع) دروبهم المتشابكة بالأشجار والأشواك، وقراهم الميّتة، متكدسين في باصات أو في صناديق شاحنات لا جوانب لها. وفي اليوم التالي نظموا، احتفالاً بالحدث، مسيرة في كاراكاس في جو من الجلال، بسحناتهم السمراء ولحاهم ووسخهم. ويشدد السيد كلاوديو ديتوليو من كوريتو مأبوريتال في ولاية باريناس حيث سلمت المؤسسة الوطنية للأراضي 31700 هكتار الى 500 عائلة، على أن "الناس انتقلوا بشكل إرادي، وليس كما كان يحدث من قبل عندما كان يقدم المال أو الغذاء للمزارعين لتعبئتهم. لقد شاركنا في ذلك بمواردنا القليلة إنما يحدونا أمل كبير...".

  الأرض! هذه الصرخة الصاخبة التي لقيت أخيراً آذاناً صاغية، فتحت الباب أمام العديد من تظاهرات التأييد للثورة البوليفرية. ضاحكاً يقول أحد رفاق السيد ديتوليو وقد انعكفت قبعته الى الوراء بفعل الهواء الحار العاصف: "لم أركض قط الى هذه الدرجة وراء امرأة كما سرت وراء هذا الرئيس". فمع قطار الاصلاحات الجذرية هذه تدخل "الثورة البوليفرية" أخيراً صلب الموضوع.

كما انها تدخل في مواجهة لا رحمة فيها مع المعارضة. "إن هذا القانون ذو طابع تدخلي دولتي ولا يعترف بحق الملكية، وهو الحق الجوهري للإنسان". تلك هي ردة الفعل الفورية، من ضمن غيرها، من جانب "جمعية مربي التاشيرا" (أغوساتا) و"فيديكاماراس تاشيرا"، الفرع المحلي لتنظيم أرباب العمل الفنزويلي. "والضرائب على الأراضي غير المزروعة هي مناقضة للدستور (...) فالقانون ناتج من خلفية شيوعية، وهو صيغة نموذجية للسياسة التأميمية (...). وليس وليد فلسفة بقدر ما هو توجه من النوع التوتاليتاري(4)". ويرى السيد جوزي لوي بيتانكور، مدير الاتحاد الوطني لمربي المواشي (فيديناغا) ان هذا القانون "سيؤدي بالعديد من المنتجين الى الافلاس". وتلك هي الحجج نفسها التي تقدم بها السيد بيدرو كارمونا، رئيس أرباب العمل، يؤيده فيها السيد كارلوس اورتيغا، رئيس "اتحاد عمال فنزويلا" (CTV)، هذا الاتحاد الغارق في الفساد. "إن الاعتباطية في هذه القوانين تفرض حججاً دامغة وتحركات رافضة لا لبس فيها" تلك كانت المقولة في الاضراب العام الأول الذي نفذ في 10 كانون الأول/ديسمبر كمقدمة للمحاولة الانقلابية في 11 نيسان/أبريل عام 2002(5).

ومع ذلك، ففي 10 كانون الأول/ديسمبر هذا، كان الرئيس شافيز، في باريناس، يتحدى الاضراب وامام جمهور صاخب كالأمواج بالبيريات (القبعات) الحمراء والأعلام، يصر على موقفه ويوقّع القانون الصادر رسمياً قائلاً: "حضرة السادة كبار الملاكين حضِّروا أوراقكم لأنه سوف يكون عليكم أن تثبتوا ملكيتكم لهذه الأراضي!" وفي الوقت نفسه كان ممثلو اللاتيفوندية يمزقون نص القانون في استعراض عام نقلته وسائل الاعلام مباشرة.

ويستنتج السيد ريكاورتي ليونيتي الذي عيّن رئيساً للمؤسسة الوطنية للأراضي في أول آب/أغسطس عام 2003: "إن الملاكين عندنا لا يشبهون حتى الرأسماليين الذي هم من جهتهم يجعلون الأراضي تنتج. ففي أوروبا قضت الرأسمالية منذ زمن بعيد على هذا نمط التصرف الطفيلي هذا". "الشيوعية الكاستروية" تلك هي تهمة المعارضة. إن طبول الحرب تقرع في فنزويلا.

في ولاية ياراكوي تعلو ضجة. فما بين المزارعين في هذه المنطقة تلقى الأشعار وينادي بعضهم بعضاً "أيها الرفيق". فمنذ عقود هناك نضال ضد "وحش" التيروفاجيس"?terrophages?  بمئة رأس. هناك، وتحت قيادة السيد براوليو الفاريس، ذي الشخصية المتميزة ومدير التنظيم الزراعي الوطني إيزيكويل زامورا (كانيز)، طالبت لجان الأراضي في كاموناري رويو واوراشيشي وحصلت في 4 أيار/مايو عام 2002، على 665 هكتار من الأراضي البور التابعة لعائلات بولمر وأزليكا، المرتبطتين جداً بعائلة الحاكم المعارض ادواردو لابي. وبحسب المؤسسة الوطنية للأراضي فان ملكية هذه الأراضي كانت تعود الى المؤسسة الزراعية الوطنية(IAN) سابقاً.

  وفي 12 تموز/يوليو التالي، وبأمر من الحاكم، قامت قوات المواجهة في الشرطة الاقليمية، "البانتانيروس"، بهجوم عنيف على حوالى 850 شخصاً مقيمين هناك بشكل قانوني تام وطردتهم، بعد إلقاء الغاز المسيل للدموع والرصاص من مختلف العيارات، الى كاموناري رويو. وقد جرح ما يزيد على عشرين شخصاً، دخل ثمانية منهم المستشفى. وقد صرح السيد لابي: "في ياركوي، هناك سعي الى نشر الفوضى وأنا لن أسمح بذلك"، فيما ندد رئيس المجلس التشريعي في الولاية، السيد فيكتور بيريز بـ"مخطط الارهاب" الذي يثيره المزارعون في كاموناري رويو.

  وفي قطاع سانتا لوتشيا من مزارع "هاسيندا سانتا كاتالينا" التابعة لمركز ماتيلد، وهو اتحاد لصناعة السكر (حصل 600 شخص، في 3 أيار/مايو، على 540 هكتاراً مع تمويل بقيمة 170 مليون بوليفر000 (96يورو) وجرار صيني مما ساعدهم فوراً في زرع الـ170 هكتاراً الأولى. وعلى ما حدث يشهد "زاباتا"، أحد رؤساء التعاونية: "لقد هاجمنا بعض المأجورين في 20 تموز/يوليو، فأحرقوا شاحنة وسيارة، وتعاملوا بشراسة مع شخصين حتى انهم سكبوا عليهما البنزين". وحوله وجوه ضعيفة شاحبة عليها امارات سعادة مكبوتة. فبالرغم من أن المحكمة أصدرت قراراً باتخاذ إجراءات حماية بواسطة دوريات من الحرس الوطني "لا يزال يرى "البانتانيروس" من رجال لابي متمركزين هناك، ويشير زاباتا الى معسكر قديم. "إنهم يطلقون النار في الهواء ويهددوننا ويستفزوننا لكي نرد عليهم بما يسمح لهم بتبرير عملية قمع عنيفة".

ويمتنع الرد أيضاً حين يكون "العدو" حاكماً من المعارضة، كما في ولايتي ياراكوي وأبوري وكارابوبو، أو من سياسيي النظام السابق. لكن في كانون الثاني/يناير عام 2002 كان السيد جوني يانيز رانغل؟؟؟، الذي انتخب عن حزب الحركة من اجل الجمهورية الخامسة MVR، حزب الرئيس  في "إل روبال" من ولاية كوييدس، هو الذي أطلق كلابه. يقول السيد فاسكيز مغضباً، وهو واقف قرب الشريط الرصاصي على النهر: لقد طرد المزارعين ودمر اكواخهم والمعدات، لقد ضاع كل شيء". فهل الحاكم ثوري ضد الثورة؟ ليس هذا مؤكداً الى هذه الدرجة... فالكثير من الانتهازيين انضموا الى معسكر المرشح شافيز عندما تبين أن فوزه أصبح أكيداً في الانتخابات الرئاسية. ففي 12 نيسان/أبريل عام 2002 كان السيد يانيز رانغل قد أيد دونما اقتناع الحكومة التي شكلت بعد الانقلاب قبل أن يعود  فينقلب غداة ذلك بكل انتهازية عندما استعاد السيد شافيز السلطة(6).

  والوضع على هذه الدرجة من الخطورة في ولاية كوييدس هذه حيث تبين أن الفريق المحلي للمؤسسة الوطنية للأراضي عديم الفعالية كلياً في المراحل الأولى. ويذكر السيد جوزي بريمانتيل، وهو المكلف ملء الباصات بالناس كلما تطلب الأمر الانتقال الى كاراكاس لدعم الرئيس أن "هناك أيادي خفية، وانصار اللاتيفونديو والسلطات الاقتصادية، فاذا كل شيء يتأخر. وبناء على طلب منا قام آدان شافيز -شقيق الرئيس وكان في حينها مدير المؤسسة الوطنية للأراضي- باستقصاءاته واكتشف بعد تسعة أشهر أن القادة المحليين لم يحققوا شيئاً." وإذ عين السيد غوستافو غوتييريز في تموز/يوليو عام 2003، ليعمل "دون عطلة السبوت والآحاد" كمنسق لفريق جديد، فهو ينوي أن "يصحح الأخطاء ويعيد تنظيم المؤسسة".

  وقد اضطرت "المؤسسة الوطنية للأراضي"، وهي المؤسسة الجديدة التي حلت مكان "المؤسسة الزراعية الوطنية"، العديمة الفعالية بقدر ما هي فاسدة، أن تبدأ من جديد في فسحة ضيقة من الوقت. وحول ذلك يقول رئيسها الحالي السيد ريكاورتي ليونيل: "كان الأمر يتعلق بموظفين جدد كان عليهم الاطلاع على القوانين وكيفية تطبيقها." وفي بلد يفتقر غالباً الى الأرشيفات وسجلات المساحة، من دون الكلام على عراقيل الملاكين المزيفين، كانت البدايات متعثرة. وفي أيلول/سبتمبر عام 2002، حين اكتشف الرئيس شافيز أن الجهاز الجديد لم يسترد 1000 هكتار، أصيب بنوبة غضب: "أريد منكم أن توزعوا، من الآن وحتى 30 آب/أغسطس عام 2003، 1.5 مليون هكتار، وإلا سأصرف الجميع من رئيس المؤسسة (شقيقه آدان في تلك الفترة) الى أصغر موظف." ومذاك تقدم العمل بالاجراءات "بسرعة هائلة". وفي آخر شهر آب/أغسطس عام 2003 كان قد تم توزيع 000 340 1 هكتار على 62800 عائلة (ويبقى الهدف المحدد هو الوصول الى توزيع 2 مليون هكتار على 500000 مزارع)(7).

  إلا أن هناك بعض النقاط السيئة لا تزال قائمة، وخصوصاً في "أبوري" "المنطقة الساخنة" الواقعة على طول الحدود مع كولومبيا. "هناك معاناة هنا يا رفيق. فالثورة الزراعية لم تصل بعد." ولنحكم في الأمر، فلا تزال شركة "فلورا كومبانيا آنونيميا" (التابعة للتاج البريطاني، كما في كوييدس) تمتلك 000 350 هكتار، وشركة "هاتو لا فيتوريا"  000 100 هكتار و"هاتو إل سيدرال"  000 150 هكتار و"لا كانيا فيلينا" 000 30 هكتار و"ماتيبانكو"  000 25 هكتار.

  في مناطق "الايلانوس"(8) الاسطورية هذه، تلك المساحات الممتدة من الأعشاب العالية والوفيرة، تخترقها الأنهار نفسها الملتوية في التعرجات نفسها وفي الممرات الحرجية نفسها امام المشهد الرتيب للسهول الغارقة في المياه، طالما تعرضت الحركة الفلاحية، المتهمة بأنها تشكل "ميليشيات" لأعمال قمع شرسة. مع ما تحفظه الذاكرة عن حقبة خاصة جداً، كان فيها الجنرال أنريكي ميدينا غوميز يقود فرقة "مسرح العمليات رقم واحد"(TO-1)، وهو تشكيل من الجيش الفنزويلي كلف العمل على مكافحة دخول القوات الكولومبية غير الشرعية. وفي 23 كانون الثاني/يناير عام 1997 عمل على إطلاق سبعة أفراد من القوات شبه العسكرية الكولومبية كانوا قد اوقفوا مع أسلحتهم في 22 كانون الأول/ديسمبر السابق. وكان هؤلاء الرجال يتقاضون ما بين مليوني وثلاثة ملايين بوليفر من مربي الدواجن على الحدود "مقابل حمايتهم". وهذا ما يفسره الجنرال قائلاً: "كانوا يقومون بعملية استقصاء معلومات" بإذن من "مسرح العمليات رقم واحد "بشكل قانوني تماماً(9).

  وإذ عزله لاحقاً الرئيس شافيز وعيّن (بشيء من التسرع) ملحقاً عسكرياً في السفارة الفنزويلية في واشنطن، أصبح الجنرال ميدينا غوميز أحد الفاعليات الرئيسية في انقلاب 11 نيسان/أبريل عام 2002. في هذه الأثناء كان ممثلون عن السكان المدنيين في غواسدواليتو يتهمون، عام 1998 أفراداً من الـ"ديسيب" Disip (الشرطة السياسية) بالتعاون مع المنظمات شبه العسكرية العاملة على الحدود.

  وفي غواسدواليتو تحديداً يشير السيد سانتو دوران، المسؤول الفني في اللجنة الاقليمية الفرعية للمؤسسة الوطنية للأراضي (أبوري العليا)، بشيء من الألم الى الأثاث القديم في مكتبه والذي يعود الى العام 1970 حيث جهاز كومبيوتر واحد متوفر يعمل عليه ثلاثة أشخاص، ويبدي تذمره من تضاؤل الامكانات أمام الكدسة العارمة من الملفات. ويؤكد بمرارة: "إننا نعمل بأظافرنا". وليس في هذا الوضع ما هو استثنائي، فلجان المؤسسة الوطنية للأراضي في كل مكان تنقصها التجهيزات بشكل جلي. إلا ان السيد دوران، لدى الاستفسار منه، يحاول أن يشيع الاطمئنان. فبالرغم من النزاعات العديدة ومقاومة بعض كبار الملاكين "تم التوصل بشكل عام الى الأمور بطريقة ودية".

  وإنذار آخر من المعنيين الرئيسيين، أي المزارعين. فالسيد دومينغو سانتانا، من جبهة سيمون بوليفر الثورية ينفجر مغضباً: يوجد هنا 70 حالة تسلط لم تعالجها المؤسسة الوطنية للأراضي أبداً. لم تسلم حتى بطاقة زراعية واحدة (وثيقة تسمح للمزارعين بوضع اليد على الأرض) حتى يومنا هذا في منطقة أبوري العليا". والغضب يهدر في الأكواخ البائسة المنتشرة على طول مياه نهر أبوري الكاكية والمركزة ضمن شريط بعرض مئتي متر تقريباً على الضفة. وتوضح الوضع امرأة وضيعة وهي تطرد الذباب المتطاير فوق صحنها: "لا نستطيع العبور الى الطرف الآخر، غنها ملكية خاصة". وفي مشاهد الفيضان تلك حيث السيقان تتثاقل في الوحول هناك ما ينبئ بإعصار جدي سيهب على "البيروقراطيين" المحليين في المؤسسة الوطنية للأراضي، "فهم أناس غير ملتزمين بتاتاً المسار الثوري ويستغلون قانون الأراضي ليؤمنوا حياتهم ويتقاضوا راتباً جيداً."

  وإذ تبين أن السيد دوران كان سابقاً مديراً لإحدى هذه الملكيات التي يستهدفها المزارعون، الـ"هاتو لا ميال"، فهناك نية جدية في اللجوء الى القوة "للاستيلاء على منشآت المؤسسة الوطنية للأراضي"، مع الشعور بالفخر لأن "صديقاً كبيراً عقدنا عليه الآمال الكثيرة"، طالما رافق الحركة الفلاحية في مسيرتها والذي يعرف جيداً "أبوري العليا" (المقصود السيد ريكاورتو ليونال) قد عين في كاراكاس مديراً للمؤسسة.

  والثورة البوليفرية تريد ان تكون ديمووقراطية، وهي كذلك. فهي لم تقطع الرؤوس ولم تقم بأعمال المطاردة. وهذا مصدر عظمتها. لكن، وللمفارقة، هذه نقطة ضعفها أيضاً. ففي 6 شباط/فبراير عام 2003، زار السيد شافيز أراضي تعاونية "ياكوا" في باريناس، حيث شقت طريق جديدة رائعة لربطها بسائر المناطق. وإضافة الى البطاقات الزراعية منح الأشخاص الـ500 الذين يشغلون هذه الأراضي التي اهملها إثنان من الملاكين، ثلاثة جرارات واعتمادات بقيمة 690 مليون بوليفر (390000 يورو). وبعد سبعة اشهر تبين ان هناك نصف فشل في هذا المشروع الرمزي للرئيس. "يعتقد قائدنا ان كل الأمور تسير على ما يرام! لكن الأرقام الصحيحة تخفى عنه ولا احد يقول له الحقيقة. فهنا لم يجرِ استثمار 500 هكتار من الأراضي بل 15 هكتاراً فقط!" فقد كان على وزارة البنى التحتية أن تقطع الأشجار على مساحة 400 هكتار، لكنها لم تفعل. وبالرغم من المطالبات المتكررة فان موظفي مؤسسة التنمية الريفية، المكلفين تنفيذ أعمال تصريف المياه ونظام الري لم يصلوا بعد. أما موظفو وزارة البيئة، المعنيون أيضاً بالعمل، فانهم غائبون كالمعتاد. ويقول السيد ريشار فيفاس، أحد مديري التعاونية: "إن مؤسسات الدولة لا تستقبلني، وحدها المؤسسة الوطنية للأراضي تساعدني."

  والسيدة غلاديس فيفاس، العاملة في المؤسسة الوطنية للأراضي في كاراكاس تؤكد وجود هذه الصعوبات. فالحكومة لا تريد توزيع الأراضي وحسب، إنما أيضاًَ الآلات والاعتمادات. كما انها تريد أن يتوافر للشعب البنى التحتية والمنازل والمدارس والمراكز الصحية. ومن أجل ذلك يجب أن تعمل المؤسسة الوطنية للأراضي مع الوزارات والادارات المختصة. والبنى بيروقراطية جداً حيث الكثير من الموظفين، من الكوادر المتوسطة والموظفين، هم من أعضاء الأحزاب السابقة متقوقعون هناك أحياناً منذ خمسة عشر او عشرين عاماً. "إنهم يفعلون أي شيء ليعرقلوا هذا النوع من التطور. ونحن علينا، كالوزراء انفسهم، أن نعمل بالتآمر، مفتشين عن حلفاء، متسللين. ونتيجة ذلك هناك تأخر في تلقي الاجابات." وفي هذا تفريط كبير بالقوة والوقت.

  في مساكن الـ"بارو"(10)، عالم السروج الجلدية هذا، والسيوف والأكياس ومصابيح العواصف والمجارف والجزم وأكداس الثياب، انتظم المزارعون للمرة الأولى وباتوا يدركون ما هو القانون. إنهم يقرأونه ويعرفون ان لهم حقوقاً. وفي مواجهة الصعوبات والتأخير تأتي ردة فعلهم بطريقة سياسية تماماً. ففي احد الاجتماعات في الـ"هاتو إلمييدو" في باريناس يسمع كلام من نوع "لا تنجر وراء الاستفزاز، يجب أن تناضل برأسك. وسلاحنا هو القانون." وفي "يواكا"، حيث يجري الاستعداد لاسقاط المؤسسات المتخلفة يرسم أحد القادة أشكال التحرك: "يجب ان ندفع الأبواب، لكن انتبهوا، نحمل لافتة مكتوباً عليها: "نحن ثوريون، نحن مع الرئيس". فالمشكلة هي مع هذا الموظف "تحديداً". وإلا فان الصحافة سوف تتناول الموضوع وتحاول المعارضة الاستفادة منه."

  ذاك ان المعارضة هي في المرصاد. فبفضل محكمة العدل العليا التي تسيطر عليها تمكنت في 20 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 من إلغاء المادتين 89 و90 من القانون. فالمادة 89 كانت تسمح للمؤسسة الوطنية للأراضي بأن تتخذ قراراً بإشغال الأراضي احتياطياً من جانب المزارعين أثناء سير العمل القضائي المخصص لإثبات عدم صحة ملكية "أصحابها" لها. وقد باتت عملية الإشغال تحتاج إصدار حكم (في إطار نظام قضائي بطيء، لم يخضع ابداً للتطهير، وغالباً ما يكون ضالعاً مع المعارضة في الأعمال المشبوهة). اما المادة 90 فإنها تحظر دفع أي تعويض لـ"ملاّكٍ" يكون قد شيد منشآت أو منازل او مباني على أراضي الأمة المحتلة بطريقة غير شرعية. وفي مكتبه في "البارك سنترال" في كاراكاس، يعبر السيد ركاورتي ليونيل عن استيائه: "تخيل! يسرقون سيارتي، فيجهزها السارق بإطارات جديدة وبمحرك جديد وعندما استعيدها عليّ ان أدفع ثمن المحرك والاطارات!"

  وفي انتظار ان تعيد الجمعية الوطنية صياغة المادتين المذكورتين، صدر المرسوم الجمهوري رقم 2292 في 4 شباط/فبراير عام 2003، والقرار رقم 177 عن المؤسسة الوطنية للأراضي، ليطلقا العمل بالبطاقات الزراعية. وهذه لا تعتبر سندات ملكية إنما تسمح بإشغال الراضي موضوع النزاع والحصول على القروض من أجل استصلاحها.

  وفي مطلق الأحوال فإن مقاومة هذه الثورة الجارية في الأرياف قد اتخذت لنفسها أشكالاً أكثر عنفاً. يغادر السيد ريشار فيفاس، المنسق الاقليمي في المؤسسة الوطنية للأراضي، غواناري (عاصمة ولاية بوتوغويزا) قائداً سيارته ذات الزجاج الملون، متوجهاً على وجه السرعة الى زوروبو. فقد أبلغ من لحظات بواسطة الهاتف الخليوي أن تلاسناً وقع بين مجموعة من المزارعين وثلاثة من الـ"كامبو فولانتس"(11). وقد سيطر على المكان، في منطقة مكسوة بالأعشاب والأشجار، جو مكهرب وشيء من الفوضى. تصرخ إحدى المزارعات مشيرة بإصبعها الى ثلاثة رجال ممسكين ببنادقهم: "لا يسمحون لنا بالمرور"، ويضيف أحد رفاقها وقد استولى عليه الغضب: "هم يهددوننا ويحرقون "اكواخنا" ويتلفون محاصيلنا". يعمل السيد فيفاس على تهدئة الجماعة، ثم تحت أنظار رجال الشرطة الغافلة والقلقة يخرج هاتفه الخليوي ويتكلم: "سأطلب الى "الشرطة السياسية" ان تحقق وتحدد هوية هؤلاء القوم." ولدى عودته الى غواناري حيث تمتد الكتابات الجدرانية يعيش يسوع المسيح وبوليفر وشافيز؟؟؟؟؟ يقر بما يأتي: "لقد تلقيت الكثير من التهديدات بالقتل، وأنا آخذها على محمل الجد، إن هذه المعارضة على استعداد لأن تقتل".

  وقد قتل أثنا عشر شخصاً في ولاية بورتوغويزا، ومنهم جاسنتو مندوزا الذي صفي امام مكاتب المؤسسة الوطنية للأراضي. فهو كان يساعد في تنظيم إحدى لجان الأراضي ويطالب لخمسين عائلة بسندات ملكية عن أراضي بور من ملكيات الدولة. وعند توقيف الوسيط المكلف تجنيد "القتلة المأجورين" أقر بأنه تلقى 8 ملايين بوليفر (4500 يورو) مباشرة من السيد عمر كونتريراس باربوزا، وزير الزراعة السابق في عهد السيد كارلوس أندرييس بيريز الرئيس السابق الذي نحي بتهمة الفساد، والذي (الوزير) يدعي ملكية هذه الأراضي. وحتى الان لم يبادر القضاء الى اتخاذ أي إجراء في القضية.

  وتوجد مجموعات إبادة وعصابات منظمة يدفع لها الملاكون وخصوصاً في ولايات زوليا وباريناس وتاشيرا وابوري. وأحياناً تتدخل الوسائط الاعلامية. ففي 24 آذار/مارس الماضي، وفي تقرير مزور نشرته صحيفة "إليونيفرسال" اتهم روبرتو جيوستي يورغي نييفس، أحد القادة الزراعيين ومن زعماء الجماعات، انه أحد القادة لجبهة التحرير البوليفرية المزعومة في أبوري "وهي الذراع المسلحة للثورة البوليفرية" العاملة بالتنسيق مع الميليشيات الكولومبية(12). وبعد شهر، وفي هذه المنطقة التي تعج بالعناصر شبه العسكرية (الكولومبية) سقط هذا الشخص المستهدف صريع الرصاص في قلب غواسدواليتو.

  ويؤكد اتحاد مربي المواشي أن القوات المسلحة تدعم عمليات اجتياح الأراضي المنتجة وان البطاقات الزراعية توزع على مجموعات من الميليشيات. وراحت المعارضة ترفع صوتها ضد الديكتاتورية. وفي الحقيقة ان أنصار الرئيس المنتخب ديموقراطياً في فنزويلا هم الذين يقدمون الضحايا، وفي إطار هذه الحرب التي تتناساها وسائل الاعلام قتل 74 مزارعاً خلال عامين وأكثر من 120 منذ العام 1999.

 وبالرغم من هذه الجرائم، بالرغم من الدماء في هذه المساحات الشاسعة حيث تتحد الأرض بالسماء وحيث يعلن التأييد الدائم "لقائدنا، الرئيس هوغو شافيز" تتجاوز الحماسة كل خيال. ففي كل مكان تعلو التحيات على الشكل التالي: "هولا يا صديقي، كيف يسير النضال؟"   (Epa chámo, como está la lucha)   وفي كل مكان يجري الحديث عن الذرة والذرة البيضاء والبقول والفاكهة والمواشي وتربية الأسماك والانتاج والمدارس الجديدة والمنازل الحديثة. وبالتأكيد ان احداً لم ينسَ ان الاجراء الأول الذي اتخذ في ظل الانقلاب الخاطف في 11 نيسان/أبريل عام 2002 كان إلغاء قانون الأراضي بشطحة قلم. وتتم بكل اهتمام متابعة الأزمة السياسية التي طال أمدها في كاراكاس وحيث تحاول المعارضة، بكل الوسائل إسقاط السيد شافيز عن السلطة قبل ان يتمكن من تنفيذ إصلاحاته. وبأصوات خافتة، او بكل صراحة هناك من ينذر أنه في حال..."انتزع منا كل هذا فستقع هنا حرب أهلية."

 


[1] على رأس جيش من المزارعين سحق الجنرال إيزيكويل زامورا الأوليغارشية المعادية للبوليفرية وذلك في 10 كانون الأول/ديسمبر عام 1859 خلال الحرب الاتحادية.

[2] كل 3000 بوليفر تساوي 1.69 يورو.

[3] بحسب آخر إحصاء زراعي (1998) فان 70 في المئة من الأراضي المنتجة بنوعية جيدة هي بين أيدي 20 في المئة من الملاكين الذي يملكون أكثر من 500 هكتار، بينما 75 في المئة لا يملكون الا 6 في المئة من الأراضي. و60 في المئة من المنتجين الريفيين لا يملكون أي سند ملكية بالأراضي التي يشغلونها.

[4] المزارعون.

[5] راجع:

"Frente a la Ley de tierras", Ultima Hora, Centro de EstudiosGanaderos, Maracay, 15 décembre 2001.

[6] اقرأ:

"Chávez sauvé par le peuple", Le Monde diplomatique, mai 2002.

[7] إثر تدخل الرئيس اضطر السيد يانيز رانغل أن يدفع 55 مليون بوليفر للمزارعين الذين طردهم.

[8] أدى هذا الاستعجال الى ارتكاب بعض الأخطاء سواء في حق الملاكين أصحاب الوضع القانوني، ام في المناطق المحمية المسؤولة عنها مثلاً وزارة البيئة.

[9] منطقة سهلية تشغل قسماً كبيراً من الأراضي الفنزويلية (ومن كولومبيا المجاورة).

[10] على الانترنت:

http://impresodigital.el-nacional.com/archivo/

[11] خليط من الطين يلصق على شبابيك خشبية.

[12] الكامبوس فولانتي (campos volantes) هم وجوه تقليدية من الريف مهمتها مراقبة القطعان، وقد اصبحوا مسلحين في خدمة الملاكين.

 

www.mondiploar.com

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم