طبع المقال
تحميل المقال


نحو شرطة متعددة الالوان

موريس ماشينو*
Maurice T. MASCHINO

"لا تضم الشرطة الفرنسية سوى الفرنسيين. لا نعير اهمية للاصول وهذا امر لا يعني الادارة". هذا ما يصرح به موظف كبير في وزارة الخارجية. ربما. لكن ماذا نقول ازاء وجود حوالى عشرة مسؤولين فقط (ضباط ومفوضون) من اصول مغاربية او افريقية في صفوف الشرطة؟ انه "حادث احصائي" يقول احد الزملاء الذي لا يريد الكشف عن اسمه. الواقع اننا امام مؤشر الى تمييز حقيقي ولو انه مستور وغير واع ربما. يجيب محدثنا: ‏”‏ان صفوف الشرطة مفتوحة امام الجميع وهي ليست عنصرية، لكل مكانه فيها وفقا لكفاءاته. انها عائلة كبرى".

وللدلالة على ان هذه العائلة الكبرى تحسن تقدير جهود اعضائها، يخرج لنا استمارة يقرأ فيها: "محمد ل.، مغربي، شرطي، لم يتردد في القبض على احد النشالين خلال عطلته. جوزف س.، من توغو، عريف، تمكن من السيطرة على احد المجانين الذي كان يهدد زملاء له بواسطة سكين خطير... صدقوني، ان التضامن بين افراد الشرطة ليس تعبيرا فارغا. في اسوأ الاحوال قد تسجل بعض التوترات لكنها حالات معزولة فقط".

انكار أم سؤ نية؟ ليس بالتأكيد. فكما يوضح احد المسؤولين الى صوفي بودي ـ جاندرو وكاترين ويتول دو ويندن، مؤلفتي دراسة لافتة حول "الشرطة والتمييز العنصري(1): ان النظام الفرنسي غرق في الايديولوجيا المساواتية والعالمية الى حد لا يمكن معه رؤية مشكلات التمييز. انها مسألة محظورة".

الحرص نفسه يعبّر عنه بعض اصحاب الرتب، خارج الوزارة، فيروي عبد القادر ه. قائلا: والدي جزائري من الحركيين وعندما وصل والدي الى فرنسا كانا معدمين . لكن اولادهما دخلوا الشرطة واحد برتبة نفر والثاني برتبة ضابط، وهو عبد القادر ومركزه في احدى مفوضيات منطقة الشمال الرئيسية: لا مشكلة اندماج هنا. بل انه من الاسهل الدخول الى الشرطة من دخول شركة عادية. التمييز العنصري عندنا اضعف والتضامن هو سيد الموقف .

من مركز عمله في ضاحية باريس يعتبر رشيد ب. وهو من اصل مغربي نفسه راضيا هو ايضا ولا يندم على انخراطه في سلك الشرطة:  كنت ابحث عن عمل يؤمّن لي التقدم وابحث عن الاحترام فحصلت عليه. انا فخور بارتداء البزة، انها تفرض هيبتها . حتى على الزملاء؟ "امتحنوني في البداية. كان القدامى مترددين وهذا طبيعي اذ كان عليّ انا الاندماج. برهنت عن نفسي وقبلوني. صحيح ان شكلي ليس مغاربيا جدا . لكن في ملامحه ما يكفي لكي يتعرض للتفتيش اكثر من غيره لو كان في الثياب المدنية. وهذا ما يفرحه: "حليق الرأس، سراويل جينز بلا لون وحذاء رياضي متسخ، لا يمكنني الافلات. وافتخر بابراز بطاقتي كشرطي. حتى عندما يقول احد رجال الشرطة لرفاقه خلال احدى عمليات التفتيش: اتركوا العربي انه من جماعتنا. ويعلق رشيد بالقول مع ابتسامة محرجة: "انهم ليسوا اشرارا، هذا اسلوبهم في الكلام".

الغالبية ليسوا على هذا القدر من التفاؤل ويتذمرون مثلا من انحياز المشرفين على الامتحانات الفهية، فتروي فرانسين وأصلها من مالي: "بذريعة اني مارست بعض الاعمال المتفرقة، أصرت الرائدة التي كانت تمتحن نفسيتي اني لا بد ان اكون غير مستقرة فقالت: ما النفع من تجنيدك طالما انك ستغادرين السلك قريبا؟" . ويسأل احد الضباط ميمون كيف سيتصرف اذا اضطرت كتيبته لالقاء القبض على بعض الجانحين من المغاربة. ويسأل كريم اذا كان يجرؤ على التصريح امام رفاقه في الضواحي انه من الشرطة. يقول موريس وهو من اصل مارتينيكي في "سرية الامن الجمهوري": "يحاولون دب اليأس في نفوسنا بمختلف السبل. كنت ارغب في التقدم الى امتحان الضباط. لكن عبثا. توجه اليّ رئيسي في الخدمة قائلا: طالما انا هنا لن تنجح. لولاه لكنت اليوم برتبة مقدم بينما ما زلت عريفا بعد 26 عاما في الخدمة".

هل نحن ازاء ردود فعل معزولة؟ بحسب تحقيق اجري في مدينتي ليل ومرسيليا فان "آليات الاختيار ذات دلالة ويتعرض المرشحون المغاربة لتعنيف كلامي بارز للعيان من نوع: اذا القي القبض على شقيقك كيف تتصرف؟ هل تؤوب الى بيتك مرتديا البزة الرسمية؟ اي تردد في الاجابة من شأنه اطاحة حظوظ المرشح بالنجاح(2).

بعد قبوله بصفة شرطي متمرن لم يلق محمد ترحيبا من محوله فاتخذ لنفسه اسما فرنسيا، بنجامن د.، في مركز عمله في احدى سرايا الامن الجمهوري CRS في الجنوب. لكن الامور لم تتحسن: عانيت الكثير في معهد الاعداد، كانت نتائجي ممتازة تخولني الترقية لكن رئيسي المباشر كان يمانع ويضطهدني كي ارتكب حماقة. فكانوا يستدعونني على الدوام الى الادارة واحيانا اواجه مجموعة من الضباط المخمورين فيصرخ بي احدهم: ماذا يفعل العربي داخل الشرطة الفرنسية؟ كدت استقيل".

كان هذا في السبعينات. لكن بالرغم من تزايد اعداد رجال الشرطة من اصول اجنبية والمتابعة النقابية للتجاوزات وصدور قواعد اخلاق المهنة عام 1986، فان الوضع لم يتغير كثيرا. تقول جوزيان وهي من المارتينيك:  الافكار المسبقة عصية على الزوال والعرب هم الاكثر عرضة لها اذ يشكك في ولائهم، انهم غير محبوبين. اما اهل جزر الانتيل فهم في نظر العديد من الزملاء... مؤهلون فقط للرقص والغناء.

غالبية عناصر الشرطة هؤلاء لا يشعرون بالاندماج. يقول قادر وهو من اصل جزائري: عندما نستعد لاعتقال بعض الجانحين في الضواحي المدينية تنفلت غرائز زملائي. بالطبع نخاف من ان نرمى بالزجاجات والحجارة او ان يهاجمنا الاوباش، فيبدأ زملائي بشتم العرب، "عودوا الى بلادكم" وهم ينسون اني واحد منهم. يعتذرون احيانا عندما يدركون ما حصل بالقول: انت لست مثلهم.

يعلق قادر: هذا صحيح الى حد ما اذ اني لا اطابق النموذج العربي كون بشرتي بيضاء وشعري أملس واتكلم الفرنسية من دون لكنة مما يقربني من الاوروبيين بشكل عام. يوم دخلت الى مركز الشرطة نظروا اليّ باستغراب شديد حيث كانوا ينتظرون عابسين مغربياً داكن البشرة اجعد الشعر. فاذ بهم يكتشفون شخصا يشبههم ويحمل اجازة باللغة الانكليزية ونجح بتفوق في امتحان الدخول الى معهد الشرطة، ولا يتردد عند كتابتهم التقارير بأن يهمس لهم بالعبارة المطلوبة او ان يصحح الاخطاء اللغوية. "لقد بالغت وكنت مخطئا في ذلك. عربي يعطيهم دروسا بالفرنسية، هذا غير مستحب. تصرفت هكذا خشية ان يرفضوني لكن في النهاية صرت مميزا".

بعد ثلاثة اعوام في احد مراكز الشرطة في الضواحي لا يزال قادر متأهبا اذ يتم عموما اختياره في مجموعة المداهمة في الاحياء الشعبية "الحساسة" ويصار الى تجاهله عند القيام مقام رئيس المركز اذا كان في اجازة. مشاريعه؟ التقدم الى امتحان المفوضين لان الارتقاء في السلك يوفر الاحترام. في المراتب الدنيا "يتحملوننا" على مضض.

ويحدث ان العدائية تظهر للعيان. فمليكا، الشرطية منذ عشر سنوات، عانت منها ابتداء من المعهد: خلال حصة الرياضة البدنية كان يحدث ان تسقط سلسلتي الذهبية ارضا وفيها يد فاطمة فيصر عليّ المدرب ان انزعها بينما يتغاضى عمن يحملون الصليب. وكانت معاملة رؤسائها لاحقا على الدرجة نفسها من التمييز.

(...)

ربما لو كان عدد افراد الشرطة والرتباء من اصول مغاربية وافريقية او من الانتيل مرتفعا لكانوا لقوا احتراما اكبر من رؤسائهم وقبولا افضل من زملائهم. لن يمثلوا استثناء حيث ان التمازج الثقافي عامل ايجابي على المدى المتوسط. لكن الامور لم تصل بعد الى هذا الحد ومحاولة الاندماج الوحيدة التي تم التخطيط لها باءت بالفشل حتى الآن.

ولدت فكرة تجنيد مساعدين أمنيين عام 1998 في اطار برنامج وظائف الشباب وبحسب وزير الداخلية في حينه، جان بيار شوفنمان، فان الخطوة تسمح بفتح ابواب الشرطة بشكل اوسع امام ابناء المهاجرين. وكان التجنيد يتم بناء على دراسة الملف ويمكن لهؤلاء المساعدين ان يتقدموا في نهاية خدمتهم الى امتحان الشرطة. لكن النتائج لم تكن مشجعة بالرغم من الحملة الدعائية. ويوضح كريم زريبي، مساعد شوفنمان، بالقول: لم تكن الشرطة مستعدة لاستقبال شبان لا تنطبق مواصفاتهم على نموذج المجند التقليدي وهو غالبا من ابناء رجال الشرطة او من حملة الشهادات. فالنقابات كانت مترددة وكذلك افراد الشرطة العاديون الذي وجدوا في هؤلاء المساعدين غير المؤهلين منافسين لهم يرتدون البزة نفسها. من جهتهم ابناء المهاجرين لم يتحمسوا كثيرا للفكرة بسبب تجربتهم مع الشرطة. كانت العوئق قائمة من الجهتين.

بالرغم من ذلك خاض بعضهم غمار التجربة. فكانت الخيبة اذ شعروا بعد اسابيع قليلة من الاعداد وايكال مهمات مضجرة لهم ــ حراسة وزارة او مبنى أثري او قيادة سيارة او وظيفة ميكانيكي او في غسل السيارات او في الارشيف ــ انهم يستخدمون فقط لملء فراغات الوظائف. وبحسب السيد جان بيار راينو، السكرتير العام للنقابة الوطنية لضباط الشرطة، فان التجربة لم تقدم شيئا يذكر للمرشحين.

من اصل 15 الف مساعد امني في اول كانون الثاني/يناير 2003 دخلت نسبة 50 الى 60 في المئة سلك الشرطة لكن تقدير من هم من اصول مغاربية او افريقية يراوح بين 5 في المئة (تقرير المفتشية العامة للشرطة الوطنية) و 15 في المئة وفقا لاحد كبار الموظفين في وزارة الداخلية او 10 في المئة كمعدل وسطي كما يقول احد النقابيين.

(...)

الاندماج لم يعد مطروحا لانه اذا كان المقصود "استيعاب القيم الجمهورية" فلا تقدم على هذا الصعيد كما يقول احد كبار موظفي وزارة الداخلية. من جهة الشبان من اصل اجنبي كما من جهة رجال الشرطة. الشبان، لانهم لم يستوعبوا في الغالب السلوك المدني المواطني والشرطة لانها لا تهتم ولا تعرف الا بالتفتيش عن الهويات بسبب "شبهة السحنة" والتصرف بعنف غير مبرر في الغالب وحجز الحرية الى اقصى ما يتيح لها القانون. اما العناصر فلا يتلقون اي اعداد يسمح لهم بتفهم أفضل لزملائهم من اصول اجنبية خصوصا والمواطنين عموما. في أحسن الاحوال يمكن لمن يرغب الاطلاع على الاسلام والثقافة العربية لكن لا مجال لملاقاة الآخر على الارض والاعتراف به ككائن له خصوصيته والقبول به رغم اختلافه. لا احد يحدثهم عن هؤلاء او يحذرهم. بسبب من لا مبالاة او بخوف من رفض. فالمشرفون على الاعداد يفترضون ان الموظفين يتمتعون بما يكفي من روح المواطنية كي لا يقدموا على اي تمييز(3).

اليوم أقل من اي وقت مضى. اذ المطلوب الآن مراكمة الارقام من نوع مضاعفة التفتيش والتوقيف والاعتقالات. يقول قادر "انهم يدفعوننا الى تحقيق النتائج وتضخيم الاحصائيات. كانت مجموعة مكافحة الجريمة في منطقتي تجري 40 عملية اعتقال في الاسبوع اما اليوم فيصل العدد الى 100. واول الضحايا؟ المغاربة والسود بطبيعة الحال! ".

 


* صحافي، مؤلف Oubliez les philosophes, Complexe , Bruxelles, 2001 

[1] Les Editions de l'Atelier, Paris, 2003, 190 p.19

[2] Ibid

[3] Ibid

www.mondiploar.com

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم